سيتا هاكوبيان "فيروز العراق" ورحلة الغناء والصورة

السبت 2015/05/30
أرمنية عراقية سافر صوتها مع الناس

يحدث أن تحظى أغنية بشهرة واسعة تطغى على شهرة المطرب الذي غناها أول مرة، لا سيما إذا ما أُعيد تجديدها وتناقلتها الأجيال، وقام أكثر من مغن بأدائها، ولا يوجد مثال على ذلك أبلغ من الأغنية العراقية الشهيرة “زغيرة كنت وانتا زغيرون” للمطربة المتفردة سيتا هاكوبيان، الملقبة بـ”فيروز العراق”سيتا التي أحبها الناس، عراقية من أصل أرمني ولدت في العام 1950 في البصرة (جنوب العراق) بمنطقة الجنينة. وكانت بدايتها مع الغناء في العام 1968 بأغنية “الوهم”، من شعر نازك الملائكة وألحان حميد البصري، شاركت سيتا بعدها في أوبريت “بيادر الخير” الكبير، وكانت تلك الإطلالة الثانية لها على المسرح بعد أدائها أغنية “أعطني الناي وغني”.

وقبل اعتزالها المبكر من الغناء في نهاية الثمانينات أدت سيتا عددا كبيرا من الأغاني مع ملحنين كبار من أبرزهم طارق الشبلي، خالد إبراهيم، كنعان وصفي، وفاروق هلال إضافة إلى العديد من الملحنين العرب، منهم إلياس الرحباني واليمني أحمد قاسم، ومنحت الكثيرين من أصحاب المواهب العراقية الشابة في منتصف السبعينات الفرصة لتلحين أغنيات لها ومنهم جعفر الخفاف ودلشاد محمد سعيد.

سيتا وتجديد الغناء العراقي

قادت سيتا هاكوبيان مشوار حركة تجديد الأغنية العراقية عن طريق إدخال الآلات الغربية في أغنياتها، فكانت أول من ابتدأ بحركة “الغناء المعاصر – البوب ميوزك” في العراق وكان أهم ما يميزها أيضاً بأنها كانت تؤدي أصعب الألحان.

“أرشاك بدروس” والد سيتا كان لاعب تنس، قام بتمثيل بلده العراق في بطولات عدة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهو موسيقي وعازف بيانو، كان يعزف لسيتا وهي تغني عندما كانت في سن الرابعة، حينما ظهرت على مسرح نادي الأرمن في البصرة، ومن هناك بدأت سيتا الطفلة الانخراط في نشاطات غنائية بعد دخولها المدرسة.

عمها جميل بدروس هو الآخر ساهم في تكوينها، فهو يشبه والدها بجمعه بين الرياضة والموسيقى، حيث حاز على الميدالية الفضية في القاهرة للعام 1954 في بطولة رفع الأثقال، وهو أيضا عازف إيقاع محترف، ومعه حظيت سيتا بدعم عائلي كبير شجعها على احتراف الغناء، ليصبح في رصيدها 75 أغنية، أشهرها على الإطلاق أغنية “دروب السفر” و”الولد” “ما اندل دلوني” وأغنية “بهيده”.

جابت سيتا هاكوبيان العديد من الدول العربية بتمثيلها للعراق في المهرجانات والمناسبات الغنائية، انطلاقا من القاهرة في العام 1974 مرورا بالجزائر، ووصولا إلى دول الخليج العربي في كل من الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر في العام 1979، كما كانت سفيرة العراق في دول شرق آسيا من خلال مشاركتها بمهرجان غنائي في أوزبكستان في العام 1975، وفي عدة دول أوروبية، حيث شاركت في مهرجان الأغنية السياسية في ألمانيا في العام 1976، وكان لها حضور مميز بمهرجان “أورفيوس” العالمي في بلغاريا في العام 1976، انتهاءً بتقديمها لحفل غنائي كبير في أسبانيا في العام 1978.

سيتا تحاول اليوم بالتعاون مع شركة كندية تنقية بعض التسجيلات القديمة لأغانيها، لكي تتيح لجمهورها الاستماع إليها، ولا تخفي كونها حزينة جدا على ضياع قسم من أرشيفها الغنائي الذي كان بحوزة الإذاعة والتلفزيون في بغداد

امرأة فوق العادة

كثير هم الكتاب الذين واكبو وأشادوا بموهبة سيتا هاكوبيان، كان من أبرزهم الكاتب العراقي أحمد هاتف الذي خصها بمقالة في جريدة القادسية في العام 1990 بعنوان “امرأة فوق العادة” يقول فيها “هل تتذكرون ولادة دهشة ملونة، هادئة، بسيطة، غنجة، اسمها (سيتا هاكوبيان) من فم الميكرفون؟ هل تتذكرون ولادة تلك الأغنية الرقيقة، الشقيقة الحزن، المحزونة حد النشوة، كنت أراها فيملأني حضور صوتها المنكسر الخفيض، ولم أكن أعتقد إطلاقا أنها امرأة، اعذروا قرويتي، كنت أعتقدها ساقية سمراء تغني، أو فاتخة مبلولة بالندى، وما أجمل صوت سيتا. وما أرق نداها، أختا، وفنانة وإنسانة”.

ويكمل هاتف مقاله عن ولعه بأغاني هاكوبيان قائلا “قبل سنوات طويلة استمعت لـ(الولد) و(شوكي) و(يا أجراس) ولعل الخيط الأول الذي أدركت منه بأني أمام حضور طاغ لفنانة كبيرة لا تقل عظمة وسطوعا عن عمالقة الغناء، كانت أغنية نثرتها لحظة توجّع وجدان الشاعر المتعب خالد الشطري، حيث كتب أهم أغنية في تاريخ الأغنية العراقية الحديثة، وكانت (نذر في الماء) أغنية تعجز القلب ويملأ سحرها الأوردة والحناجر، وتستفيق لها الأصابع”.

مع الرحباني وسعدون جابر

“نحب لو ما نحب” أغنية تجمع سيتا هاكوبيان مع المطرب العراقي سعدون جابر وهي من كلمات الشاعر العراقي كاظم السعدي وألحان جعفر الخفاف، لاقت نجاحا باهرا بين الأوساط الشعبية، وامتد نجاحها إلى دول الخليج العربي، لأن الجمهور العربي في المشرق لم يكن معتادا على “الدويتو الغنائي”. اختصر ذلك العمل مسافات كبيرة ضافراً عملاقين من عمالقة الفن العراقي، والجدير بالذكر أن سعدون جابر كان في ذلك الوقت في ذروة شهرته عراقيا وعربيا.

“فيروز العراق” كان لها تعامل هام جدا مع الملحن اللبناني الكبير إلياس الرحباني الذي قام بتلحين خمس أغنيات لها، اثنتان منها من كلماته وألحانه، الأولى بعنوان “عندما تطل يا حبيبي” التي حققت نجاحا باهرا داخل العراق وخارجه، وخصوصا أن كلماتها كانت باللغة العربية الفصحى، ولحنها ذو طابع كلاسيكي، الذي يبرع فيه إلياس الرحباني، أما الأغنية الثانية فكانت وطنية بعنوان “وطني العراق”، وأما الأغاني الثلاث الباقية التي لحنها إلياس الرحباني كتب كلماتها الشاعر العراقي كريم العراقي، وكانت مخصصة للأطفال وهي: “وطني واحد، لو كان عندي قطار، دللوه”.

تحاول سيتا اليوم بالتعاون مع شركة كندية تنقية بعض التسجيلات القديمة لأغانيها، لكي تتيح لجمهورها الاستماع إليها، ولا تخفي كونها حزينة جدا على ضياع قسم من أرشيفها الغنائي الذي كان بحوزة الإذاعة والتلفزيون في بغداد.

فيروز العراق تقدّم مع الموسيقار اللبناني إلياس الرحباني خمس أغنيات لها، اثنتان منها من كلماته وألحانه، الأولى بعنوان \'عندما تطل يا حبيبي\' وقد حققت نجاحا باهرا داخل العراق وخارجه، بفضل صوت سيتا وكلاسيكية لحن الرحباني

عالم الدراما

لم تقتصر موهبة سيتا هاكوبيان على الغناء فقط، فقد دخلت عالم الدراما من خلال مشاركتها في العديد من الأعمال الدرامية، فقد شاركت بالغناء والتمثيل في التمثيلية التلفزيونية “شهر عسل في الرميلة” في العام 1973 وهي من إخراج محمد الجنابي، وفي العام التالي 1974 دخلت سيتا بقوة من خلال مشاركتها في مسلسل “الطائر الأسود” الذي قام بإخراجهإبراهيم عبدالجليل وهو عن “زرياب” فنان العصر العباسي، وقدمت سيتا هاكوبيان في زرياب أربع أغان من ألحان روحي الخماش، وفي العام نفسه قدمت تمثيلية تلفزيونية بعنوان “بائعة البنفسج” من إخراج حسن حسني، كما جمعها عمل فني مع زوجها عماد بهجت الذي قام بإخراج عمل تلفزيوني بعنوان “أم حميد” عام 1976.

ولع سيتا بالسينما بدأ منذ الطفولة عندما كانت عمتها تأخذها لمشاهدة آخر الأفلام السينمائية في نادي الميناء الرياضي بمدينة البصرة، وعلاقتها مع الغناء تختلف كليا عن علاقتها بالإخراج السينمائي، لأنها تعتبر الغناء ولد معها وهي لم تذهب إليه، فهو في داخلها دائما، أما السينما فهي شغف بالنسبة إليها، وقد قامت بالاعتزالقبل أن يتمنى النقاد أن تفشل سيتا في الإخراج أملا منهم أن تعود مجددا إلى الغناء.

مبكرا جدا وفي نهاية الثمانينات تتقاعد سيتا من دون أيّ سابق إنذار، لتكشف أنها كانت تدرس الإخراج إلى جانب امتهانها للغناء في قسم الفنون السينمائية بمعهد الفنون الجميلة، وتزامناً مع انتهاء دراستها قررت سيتا قراراً لا رجعةعنه بترك الغناء والتفرغ للإخراج التلفزيوني صحبة زوجها المخرج عماد بهجت.

وفي بداية التسعينات غادرت سيتا العراق لتستقر ما بين كندا والخليج، صحبة زوجها وابنتيها نوفا ونايري، اللتين اختارتا الفن متأثرتين بوالديهما، الابنة الكبرى نوفا المعروفة في كندا بـ”نوفا عماد” ورثت من والدتها جمال الصوت، تقول سيتا عن نوفا إنها “تعلمت الغناء قبل أن تتعلم الكلام وكانت وهي صغيرة تدندن الترانيم”، أصبحت نوفا مطربة شهيرة في كندا، وقدمت العديد من الأعمال، وكان أحدث عمل جمع الأم وابنتها هو أغنية “ليلى” من كلمات وغناء نوفا عماد، أما إخراج الفيديو كليب فكان لسيتا هاكوبيان ذاتها.

15