سيجارة مخاتلة

الأربعاء 2014/06/11

“دفتر سيجارة” نص بديع لبول شاوول، قرأته مرات عديدة بمتعة ولوعة معا، متعة المسكون، ولوعة المفارق، هو آخر ما خلد في ذهني وأنا أقرر قبل سنة ونصف التوقف عن التدخين، كنت أحس بيني وبين نفسي أني أخذل عروة الأدب الوثقى، وأتنكر لأصدقاء، وأقلب ظهر المجن لمسار غير هيّن، ولأواصر نفذت إلى كريات الدم، كان فيها الدخان كيمياء الكلام المنهمر.

توقفت بعد عشرين سنة من صحبة وفية لسيجارة الواقع والتخييل، دخنت خلالها كل أنواع السجائر بالتدريج، من السوداء إلى الشقراء، ومن الملفوفة إلى السيكار الفاخر، كنت خلالها أقرن تسويد الصفحات بتخمة المنفضات، لم أكن أنتهي من صفحة دون أن أحول صدري إلى مدخنة، ولأني موسوس، كنت أغتنم الفرص التي تجمعني مع أصدقائي الأطباء، للسؤال عن تفاصيل المدة الزمنية، ونوعية السجائر، التي من الممكن أن تفضي إلى الإصابة بسرطان الرئة. كنت مثل طفل شقي يبحث عن مبررات للتمادي. وبما أن أغلب أصدقائي الأطباء، مدخنون عتيدون، فقد كانت أجوبتهم خارطة طريق متواطئة، تشتمل على عوامل عضوية معقدة، حين تلتقي تحدث الطفرة.

كانت البدايات لا تتصور وجود كائن نقدي و”يساري” دون سيجارة، ومن ثم وجدتني مسكونا بصور كتاب وفنانين ومناضلين مدخنين، لعل أكثرها تأثيرا صورة قديمة للناقد الفرنسي رولان بارت وهو يشعل سيجارة في صورة وضعت في واجهة غلاف الترجمة العربية لكتابه “درجة الصفر في الكتابة”، كانت السيجارة كالقلم، والقهوة، واللحية المهملة، والنظارات الطبية التي لا ضرورة لها.. كانت جزءا لا يتجزأ عن مراسيم جسد الكاتب وطقوسه السرية والعلنية. وحين كان النقاش يأخذ مداه بصدد كنه ذلك الشيء العجيب وهويته ورمزياته بصدد الأصالة والمعاصرة، كان شاهدنا ككتاب يساريين (نعارك حجج تحريم الدخان)، أن جمال الدين الأفغاني عاش مدخنا كبيرا، قبل أن يرثه طه حسين. وربما من المشاهد الخالدة في كتاب “الأيام” تلك التي يصف فيها الكاتب الضرير كيف كان يلف له مساعده السيجارة ويشعلها، كانت طقوس التدخين بدعة بديعة في سيرته الفاتنة، قبل أن نجد نحن المدمنين عزاء خالدا في صاحب نوبل “نجيب محفوظ” الذي عاش قرنا من الزمن دون أن يعطل عادة اشتهاها الجسد يوما، وخلدها في أوضاع وطرازات شتى.

وحين توقفت فجأة اكتشفت بحبور شديد أنه من الممكن ألا نكف عن حب السيجارة المتخيلة تلك التي ترد في عشرات القصائد والروايات والأفلام السينمائية، تبدو تلك السيجارة بليغة وفاتنة، وبتعبيرات ودلالات جمالية لا تنتهي، قد تسكننا لآماد طويلة، لكن دون آثار صدرية.


كاتب من المغرب

15