سيداتي سادتي إليكم: جزائر الحداثة والديمقراطية

الجمعة 2013/08/30

الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تمس أمن المواطنين مباشرة تزداد تفاقما، ومرض رئيس الدولة لشهور طويلة واختفاؤه من الفضاء السياسي لشهور طويلة وانعدام نائب شرعي منتخب، عوامل خلقت فراغا سياسيا لم تشهده الجزائر منذ استقلالها.

بالإضافة إلى ما تقدم فإن فتح ملف الاختلاسات المالية التي تقدر بمليارات الدولارات من قبل مسؤولين اختارهم الرئيس نفسه ولم ينتخبهم الشعب وفقا لتقاليد الدولة التي تعمل بالتعددية الحزبية حيث يعين الحزب الواحد أو تكتل أحزاب الأغلبية رئيس الحكومة والوزراء، وبذلك يكونوا مسؤولين أمام البرلمان ودوائرهم الانتخابية. من المعروف أن عددا من هؤلاء المسؤولين والوزراء المتهمين بالاختلاسات المالية لا يملكون الحصانة البرلمانية لأنهم غير منتخبين، كما أن بعضهم ينتمون إلى المنطقة التي ولد وانحدر منها، الأمر الذي كسر الثقة بين المواطنين والنظام الحاكم في الجزائر.

هذه الأوضاع السلبية تنذر بالخطر وبإمكانية الانفجار الذي يمكن أن يسقط البلاد في دوامة العنف والشلل العام.

أكتفي هنا برصد مظاهر الخلل والتخلف في الخريطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية الجزائرية التي لا يبدو أن هناك من يعالجها بطرق سليمة.

1 - في هذه الأيام شهدت الجزائر ولا تزال تشهد مجموعة الظواهر المخلة باستقرار البلاد نضيفها إلى عاصفة اتهامات اختلاس أجزاء معتبرة من مالية عائدات النفط والغاز الموجهة إلى وزير الطاقة والمناجم الأسبق شكيب خليل وفريد بجاوي ومسؤولين كبار آخرين في جهاز الدولة، علما أن هذا الوزير قد ظهر منذ أيام قليلة بعد اتهامه على شاشات الفضائيات الجزائرية، كما أجرت معه صحف جزائرية أحاديث من موقعه بأميركا وصرح لهذه المنابر الإعلامية بلغة السخرية والتهكم بأنه بريء ولا ضلوع له في اختلاس الأموال وتحويلها إلى البنوك الأجنبية عن طريق وكلاء وأشخاص آخرين، وأبدى استعداده للدخول إلى الجزائر للدفاع عن نفسه. إلى جانب هذه الفضيحة التي ينتظر أن تحلق رؤوس عدد كبير من المسؤولين المتورطين فيها، أو أن تجهض عملية إجراء التحقيق في آجال محددة بقفزات من فولاذ السلطة المغطى بالحرير البراق حتى تنطفئ العاصفة ويسلم الراكبون في سفينة النظام الحاكم.

2 - لا يزال إضراب عمال البريد على مستوى كامل القطر الجزائري يتطور بشكل دراماتيكي ويشل حياة المواطنين منذ بدايته الأربعاء الماضي، حيث صار يشمل الآن كل المحافظات في شمال ووسط وشرق وجنوب البلاد بسبب عدم استجابة الحكومة لمطالبهم التي حصل الاتفاق بخصوصها معها ولكنها لم تلتزم بتطبيقها. كما أن هؤلاء العمال يطالبون بتوضيح حيثيات سلم الأجور الموقّع عليه أيضا ولم يجسده المسؤولون المباشرون وفي مقدمتهم الوزير المسؤول على هذا القطاع. وبدلا من الاستجابة لمطالب عمال البريد الشرعية لجأت السلطات الجزائرية إلى حل مراوغ ويتمثل في استنجاد إدارة المؤسسة بمديري المراكز البريدية من أجل تطويق الإضراب وتحطيمه دون جدوى.

في هذا السياق نقلت الصحف الجزائرية اليومية خبرا لم تكذبه أو تفنده الدوائر المسؤولة في وزارة البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال بالأدلة والوثائق، وهذا يعني أنه خبر صحيح، ومضمونه أن عمال البريد المضربين والمحتجين قد «اتهموا المسؤولين بالاستحواذ على 180 مليون كل 3 أشهر من أموالهم الشرعية».

3 - إلى جانب هذا المشكل اندلعت من جديد المواجهات ببرج باجي مختار بولاية أدرار الجنوبية وأدى ذلك إلى سقوط قتيل آخر ليضاف إلى حصيلة القتلى البالغ عددهم 16 حتى الآن فضلا عن أكثر من 110 جرحى من بينهم 20 جريحا ينتمون إلى القوات المسلحة وحرس الحدود. وفور حدوث موجة المواجهات الأولى في الأسبوع الماضي اتصلت بنائب رئيس البرلمان الجزائري عن ولاية أدرار وسألته عن حقيقة ما جرى من اقتتال دموي فأجابني كعادة المسؤولين الجزائريين بأن المشكل قد تمت تسويته من قبل المحافظ والوفد المرافق له إلى مكان الحادث، وأوضح أن سبب الحادث لم يكن سياسيا وإنما هو نتاج لارتكاب أحد المواطنين للسرقة في إحدى المحلات ومطاردته من طرف صاحب المحل مما أدى إلى نشوب معركة بينهما، وتطورت إلى تدخل قبيلتيهما في تلك المعركة. ولكن الواقع أبعد من ذلك وهو نتيجة لفوضى النازحين من دولة مالي إلى الجنوب الجزائري جراء الصراع المسلح بين عناصر القاعدة وبين النظام المالي والقوات الفرنسية الداعمة له، دون تدخل أجهزة السلطة الجزائرية في الوقت المناسب لمراقبة الحدود وتنظيم تداعيات ذلك النزوح. كما تعد المعارك الدامية ببرج باجي مختار ثمرة لتفاقم الفقر والبطالة بين أوساط شباب ولايات الجنوب الجزائري منهم شباب برج باجي مختار بولاية أدرار.

4 - هكذا صار وضع الجزائر أشبه بالمرأة التي تحمل في بطنها عددا لا يحصى من التوائم الملتصقين الذين يصعب إخراجهم دفعة واحدة بشكل طبيعي ولا يمكن في الوقت نفسه تركهم في رحمها إلى يوم الدين. والأدهى أن القيادة في الجزائر تشبه «القابلة» البدائية التي تستعمل يديها المصابتين بالعجز لإخراج المخلوقات من بطون أمهاتهم، في عصرنا الذي تستعمل فيه الدول المتطورة قدراتها العلمية للحيلولة دون التصاق الأجنة لكي لا تتحول إلى مشكلة تشيب لها الأرحام.

8