"سيدات العتمة" قصص فلسطينية عن نساء يخاطبن ظلالهن

إلى أيّ مدى يحفّز جفاف الروح نزعة التمرّد لدى الفتاة؟ وكيف يستثير روحها المقيّدة؟ وكيف يتحوّل التمرد إلى صفعة في وجه الخوف من وقوع المحظور في مجتمع يعيش تحت رقابة الرجال في محيط العتمة؟ كل هذه الأسئلة تطرحها الكاتبة الفلسطينية شيخة حسين حليوى، في مجموعتها القصصية “سيدات العتمة”، التي هي في الواقع مجموعة من نصوص الغياب أو التغييب، حيث تحضر أجيال كاملة من النساء، صغيرات وكبيرات، مراهقات وشابات، يشتركن كلهن في محاولة الخروج من أعراف اجتماعية جعلت حياتهن لا تميّز بين الألوان، لأنهن ببساطة يعشن السواد الأبديّ.
الأربعاء 2015/11/25
التمرد يحول مجرد إخراج الرأس من الكوة إلى انتصار أو صفعة على وجه الجلاد

لا أعلم لماذا وأنا أقرأ المجموعة القصصية “سيدات العتمة” للكاتبة الفلسطينية شيخة حسين حليوى، الصادرة حديثا، عن دار “فضاءات للنشر والتوزيع″، بالأردن، تذكرت قول الشاعر الليبي حمزة جبورة “من لم تُفسده البداوة تُفسده الكتب، ومن لم تفسده الكتب تُفسده السينما، ومن لم تُفسده السياسة يُفسده الحب”. طبعا هنا مفهوم الفساد يؤسس لنفسه معنى آخر بعيدا عن المعنى التقليدي، معنى ينحدر من سمة التمرد التي تطفو على شخص الكاتب، أو بالأحرى الكاتبة في هذه النصوص.

تميّز البناء السردي لشيخة حسين حليوى في مجموعتها بالتنافر والتلاقي، هذا التضاد ليس على مستوى الكتابة، وإنما تغلغل عميقا داخل النص ليشكل جماليته الخاصة، من خلال جزئيات شكلت في تفاصيلها الصغيرة البنية السردية والدلالات المعرفية والإنسانية والوجودية، التي تختص بها بيئة الكاتبة الفلسطينية ومحيطها؛ المتناقضات في قصص “سيدات العتمة” كانت متنوعة بحيث وزعتها الكاتبة بدءا من اللغة إلى ملامح الشخصيات، ومن ثم على المكان والزمان لتصل الحدث بلبّ النص.

مفهوم السعادة عند سيّدات العتمة يتلخص في معرفة اتجاه تحريك اللبن المطبوخ، أو متى تُضاف البهارات؟ وأين يحتفظن بالأسرار؟ وكيف يقسّمن الحكايا القديمة؟ أما الحديث عن الرجال فه; عملية خطف خفية على حافّة الخوف أو المتعة، أو حتّى على حافّة الحقد، لأنّهن لسن عارفات بمصيرهن وبما هو مقرر لهن، سوى المسموح لهن بانكشافه، ومع ذلك يدركن بفطرتهن، أو قل يعتقدن بوعيهن المكتوم، أن العتمة ليست سوداء تماما، لأنَّهن لم يرين النّور في حياتهن حتَّى يميزن بين درجات اللون الأسود.

مفهوم السعادة عند "سيدات العتمة" يتلخص في معرفة اتجاه تحريك اللبن، أو متى تضاف البهارات، وأين يحتفظن بالأسرار

رصد لليومي

“سيدات العتمة” وعلى الرغم من أنها مجموعة من القصص المستقلة، إلا أنها تتميّز بطابعها التواصلي زمانيا ومكانيا وحتى على مستوى التفريغ الكتابي، بحيث حملت جملة من الرؤى الفنية والمعرفية، والتي صيغت ربما دون قصد من الكاتبة، ففيها أظهرت مهارتها الكتابية في تحرير النص، وإيجاد توافق بين المتناقضات (بدو/ حضر، تعلم/ أمية، مدينة/ ريف، القسوة/ العذوبة، سيدات/ عتمة، فلسطين/ الاحتلال).

منذ البدء تضعك شيخة حسين حليوى أمام أول مفتاح لجمالية التناقض؛ “سيدات العتمة”، العنوان الذي جاء على شكل مركب إضافي ضمن جملة اسمية، وقد تنافر جزءه الأول مع الثاني (سيدات/ العتمة)، بحيث يعلن العنوان منذ البدء عن صراع في ما بين الجزأين، وأن المحتوى يحمل ما يحمل، وعلى الرغم من البساطة الظاهرة التي يحملها العنوان، إلا أنه يحيلك إلى إمكانيات الكاتبة في سياق الجملة التي تريدها، ويضع داخل إطار القراءة والكتابة وما بينهما جسورا من الجمال، تسعى الكاتبة إلى تحقيقها عبر أدوات الكتابة، فالعنوان لم يعد “مفتاح شهية القارئ” فقط، بل بات صورة فكرية وأدبية ورمزا تعبيريا ومجالا للاشتغال المعرفي الأدبي.

جاء العنوان مختصرا مكثفا يعتصر نصوص المجموعة ويحيل القارئ إلى فضاء كاتبتها وفضاء شخوصها، وإلى محيط بكامل متناقضاته، فما يميز قصص شيخة حسين هو البساطة، البساطة في مطلق معناها لغة ورمزا، إذ لم تحاول تسلق اللغة من أجل مجاز مرصع بالصور، بل اتجهت إلى اليومي والتقطت تفاصيله وكذلك هموم مجتمعها، فعادت إلى طفولتها لترسم ملامح الوطن والشرف وغيرهما.

اعتمدت الكاتبة دمج الفصحى بالعامية الفلسطينية لتستنطق شخوصها وتجعلها أقرب إلى القارئ، قرب استمدّ وجوده من كيفية إدارة الكاتبة للحوار خاصة، واستبطان دواخل الشخوص.

عمل سردي لنساء يعشن السواد الأبدي

ولعل أبرز تلك الشخوص كانت والدتها، تلك المرأة القوية الجميلة في فعلها السردي والحياتي، إذن رغم تلك القسوة والقوة والتسلط تمتعت شخصية الأم بالكثير من المحبة الفائضة، هي في الحقيقة محبة الكاتبة دمجتها دون قصد ضمن كتابتها، فبانت صافية تعانق قلب القارئ ليقع هو الآخر فريسة لحب هذه السيدة (نص حيفا اغتالت جديلتي ونص سأكون هنا).

مستويات كتابية متنوعة

تميل نصوص “سيدات العتمة” إلى المزج بين مستويات كتابية متنوعة تجمع بين السهولة والاختصار ودمج اليومي ضمن البنية الكتابية، هذا المزج يمنح الكاتبة “صك” صداقة مفترضة بينها وبين القارئ، وإن بدا بعيدا جغرافيا عن مساحاتها لا بد أن يجد نقاط تلاق افترضتها اللغة من حيث بساطتها العميقة، والتقاط اليومي في تشابيهه وتنافر جزئياته، تنافر يخلق جماليته الخاصة ويبني لنفسه وجوده اللغوي والحدثي.

ضمن هذا النسق السردي المشبع بالتناقضات تحضر فلسطين متخفية أحيانا وظاهرة أحيانا أخرى، تحضر بتفاصيلها وتفاصيل أهلها اليومية (نص كالنجوم يسقطن من السماء، ونص مدن منزوعة الروح، ونص حيفا اغتالت جديلتي) وشغف شيخة حليوى الضمني بفتاتها فلسطين.

تختتم حليوى قصصها بالنص الذي حمل عنوان الكتاب “سيدات العتمة” وكأنها أرادت أن تواصل متعة الكتابة، من خلال التكثيف واللعب على اللغة عبر توظيف التضاد من خلال الوصول بقارئها إلى نهاية الكتاب وهو في كامل لذته وافتنانه: الأرملة ليست سوداء، تقول العتمة: الرجال (كلهم) قوامون على النساء (كلهن) تقول حيطان العتمة. يندلق النور فجأة. والوهج في الزاوية ينادي كالخطيئة. تتمتم كل واحدة لظلّها المنكسر “والله ماني عارفة. النور رديف المعرفة والفلسفة بنت العتمة. لا يقولها أحد، سيدات العتمة لا يعرفن رأفة بهنَّ”.

14