سيدات يطرزن الهوية الفلسطينية بالإبرة والخيط

الحفاظ على الهوية سلاح لا يمكن للمستعمر أن يمحوه، فهوية شعب ما تكمن في تفاصيل صغيرة، في أغنية أو رقصة أو أكلة، وتتجلى أكثر في اللباس والمنسوجات وكل ما يرتبط بالتراث، ذلك هو السلاح الذي اختارته مجموعة من النساء اللبنانيات والفلسطينيات لكتابة اسم فلسطين في التاريخ والمستقبل.
السبت 2016/01/30
أطرز هويتي بأصابعي

بيروت - البداية من نيويورك.. حين ثارت سيدة فلسطينية مقدسية على سرقة تراث بلدها فأطلقت مشروعا ومسيرة نضال ما زالت مستمرة منذ 46 عاما بطلاتها نساء تسلحن “بخيط وإبرة” في الدفاع عن تراث مسلوب ونشره في أرجاء العالم.

بعد الهجوم الإسرائيلي على مطار بيروت عام 1968 انطلقت جمعية ‘إنعاش المخيم الفلسطيني’ على يد السيدة هيكات الخوري إبنة الرئيس بشارة الخوري ومجموعة من اللبنانيات اللواتي صممن على كسر عزلة المخيمات الفلسطينية وتمكين اللاجئات ومساعدتهن عبر حياكة الصوف للإنفاق على عائلاتهن بعدما منع القانون اللبناني أزواجهن من دخول سوق العمل.

لكن المحطة الفاصلة في مسيرة “إنعاش” كانت عام 1970 في مدينة نيويورك عندما لفتت أنظار سيرين الحسيني، سليلة العائلة المقدسية العريقة، مجموعة من الأثواب التراثية الفلسطينية المطرزة في واجهة أحد المتاجر الكبرى.

وقيل إنها عندما دخلت للسؤال عن مصدر هذه الأثواب كان الجواب أن زوجة أحد كبار الجنرالات الإسرائيليين هي صاحبتها وتعرضها على أنها مطرزات إسرائيلية.

استشاطت السيدة الفلسطينية غضبا وطلبت من خالها موسى العلمي أن ينشر إعلانا في إحدى الصحف الأميركية الكبرى “يفضح فيه هذه السرقة” لكنه أجابها بأن الأجدى أن تعمل لتقديم التراث الفلسطيني على حقيقته التاريخية. ومن هنا تولدت الفكرة.

عادت سيرين إلى لبنان واقترحت على جمعية “إنعاش” تحويل مشغل حياكة الصوف إلى مشغل للتطريز، لأنه جزء حقيقي من التراث الفلسطيني.

جمعية "إنعاش" تعنى بالتراث الفلسطيني من خلال تصاميم خيطت بفن ورقي لتتحول إلى لوحات جداوية وحقائب يد ومختلف أنواع الألبسة والأقمشة

اقتنعت مؤسسات الجمعية بهذا التوجه بعد أن طرزت شقيقتاها ملك وجمانة الحسيني وسائد كنماذج للعمل ثم شكلن مع هيكات الخوري لجنة فنية مهمتها البحث عن الأثواب القديمة وشرائها من اللاجئين في لبنان والأردن ومن الفلاحين في الجليل ثم نقل التصاميم منها إلى قطع جديدة واختيار الخيطان والألوان مع التعليمات وتوزيعها على الفتيات وسيدات المخيمات.

تقول ملك الحسيني وهي مرجع حي في فن التطريز الفلسطيني “التجربة نجحت أكيد. بدأنا بشكل بسيط، وظلت التجربة تكبر وتكبر رغم ظروف الحرب والهجرة وصارت ‘إنعاش’ من أفضل مؤسسات التطريز اليدوي”.

وأضافت “بفضل التطريز حافظنا أولا على تراثنا. كما صارت المرأة الفلسطينية مركز قوة وذات دور محوري في مجتمعها. هي، التي لم تكن تعمل بأي شيء، باتت تشعر أنها سند لزوجها وقادرة على إعالة أولادها وتأمين جزء من مصاريف العائلة”.

قبل النكبة عام 1948 تروي ملك الحسيني أن فلسطين كانت نحو 15 منطقة لكل منها رموزها وأشكالها المميزة في التطريز وكان الناس يعرفون مناطق النساء والرجال من خلال تطريز ملابسهم.

وتضيف أن خيوط الحرير كانت تستخدم في تطريز الأقمشة المصنوعة يدويا في القرى وكانت الأثواب تتميز بالأكمام ذات الأطراف الطويلة المطرزة التي تسمى “الردان”.

بيت لحم كانت تعرف برسم الساعة والخيطان الذهبية في حين تعرف رام الله بشكل النخلة العالية، أما البدو في النقب وأريحا فكانوا يطرزون أثوابهم بكثافة وبألوان كثيرة وقوية مستخدمين خيط القطن لا الحرير.

وأشارت ملك الحسيني إلى أن نساء البدو كن قبل الزواج يطرزن أثوابهن باللون الأحمر وعند وفاة أزواجهن كن يطرزنها باللون الأزرق ومشتقاته وإن تزوجن مرة أخرى يخلطن بين اللونين في التطريز.

في كل تطريزة حكاية مدينة

أثواب منطقة الخليل مميزة بتصاميمها المربعة وألوانها الزاهية وبرسم يسمى كرسي الباشا. ولأن المنطقة مشهورة بالعنب كانت أشكال العناقيد تزين أيضا الأثواب.

أما غزة فيميزها التطريز عند الصدر والجوانب باللون الأحمر الناري. للشمال الذي يبدأ من نابلس صعودا أيضا تطريزه المميز وألوانه. وفي منطقة أريحا كان لنساء عرب التعامرة أو شبه الحضر ثوب طويل جدا يقارب الثلاثة أمتار أو ضعف طول المرأة.

وكانت المرأة تضع الحزام ثم تخرج ثلث الثوب من الطرف الأعلى ليشكل ما يشبه الكيس أو ما يسمى “العب” المفتوح من الطرفين وتضع فيه أغراضها عندما تذهب إلى السوق.

وبشكل عام كانت أشكال التطريز الفلسطينية الكثيرة مأخوذة من البيئة المحيطة بكل منطقة واختلطت ببعضها بعد وصول السيارات والهواتف وزيادة الامتزاج والتواصل بين منطقة وأخرى.

وكانت أشكال التطريز تمثل رموزا دينية مثل شكل الأحجبة وصليب الروم والأقواس والشمعدانات وبواب الجنة وسهام عدن ونجمة بيت لحم والكأس المقدسة ومفتاح القدس وجبل الزيتون وأحيانا تحمل اسم وشكل الهدهد والديك والحمام والسلطعون والعقارب والبجع والأسد وطير الحب والطاووس.

كما نقلت الفلسطينيات في تطريزهن أشكالا موجودة في الحياة اليومية مثل الجرة والسنبلة والعنب والتفاح وزهرة القرنفل والقرنبيط وحبوب البركة والحمص والزبيب والذرة وأشجار مثل السرو والنخل.

وبعض الأشكال كان يحمل أسماء مضحكة مثل وسادة الأعزب ودقن الختيار وأسنان العجوز وجان النار وعرف الديك وعين البقرة وضفدع في البركة.

الشغف بالتراث الفلسطيني محسوس في كل قطعة معروضة في مركز “إنعاش” بمنطقة رأس بيروت حيث تتنقل العين بين مزيج الألوان والتصاميم التي تمثل كل منطقة في فلسطين وقد خيطت بفن ورقي لتتحول إلى لوحات حائط وحقائب يد ومختلف أنواع الألبسة والأقمشة على نحو يواكب العصر وينتقل بالتطريز الفلسطيني إلى عالم الحداثة.

تقول نادية عبدالنور رئيسة الجمعية “تطريزنا تحدى السياسة والحرب والتحجر والطائفية. يأتينا ناس من كل الفئات والشرائح طلبا لمنتجاتنا لأنها جميلة جدا ومتقنة وليس فقط لأنها فلسطينية. والأهم من كل هذا أننا نجحنا في تشغيل المرأة الفلسطينية وهي بين عائلتها وفي بيتها من دون أن تضطر إلى العمل في الخارج”.

أما مايا شهيد العضو في “إنعاش” فتقول “منتجاتنا وصلت إلى ملكة إنكلترا على شكل وسائد مطرزة، وإلى كل رؤساء فرنسا بعد أن قدمت لهم كهدايا”.

20