"سيدتي مارغريت" تعود إلى الحياة بعد نصف قرن

الفنانة ستيفاني باطاي حرصت في مسرحية "سيدتي مارغريت" على إبراز التأرجح بين التراجيديا والنفَس الشاعري من خلال دور المعلمة الذي تقمصته بإقناع.
الاثنين 2018/03/26
معلمة وأم وأمينة أسرار

“سيدتي مارغريت” مسرحية كتبها البرازيلي روبرتو أتايدي حينما كانت البرازيل ترزح تحت نير الطغمة العسكرية، بطلتها معلّمة غريبة الأطوار جاءت تدرّس تلاميذ الصف السابع الرياضيات وعلوم الإحياء ووظائف الأفعال والنواسخ، ولكن بطريقة تخالف الأساليب التربوية المعروفة، وتخالف حتى مضامين البرامج المقرّرة، ما يوحي بأن مضمون هذا المونولوغ كان صدى للأنظمة الدكتاتورية في أميركا اللاتينية في ذلك الوقت؛ كل ذلك في كتابة عنيفة، تمتزج في أعطافها التراجيديا بالهزل، وتفضح بعض الحقائق الميتافيزيقية، وتحطم القواعد الاجتماعية، وتنتقد بجرأة التابوهات التي فرضتها الأخلاق وآداب السلوك.

كانت المخرجة آن بوفييه، باتفاق مع ستيفاني باطاي، تبحث عن شخصية امرأة قوية، ذات خطاب جريء يستطيع أن يعبّر عن المرحلة، ويجد صداه في حياتنا المعاصرة، فخطرت ببالها مسرحية روبرتو أتايدي التي أبدعت في أدائها الممثلة الراحلة أنّي جيراردو في سبعينات القرن الماضي.

 

على خشبة مسرح “الجيب” بمونبرناس الفرنسية، يتواصل عرض مسرحية “سيدتي مارغريت”، عن نص للكاتب البرازيلي روبرتو أتايدي، وإخراج آن بوفييه، وبطولة ستيفاني باطّاي، وهو نص ثري رغم بساطته الظاهرة، عميق يحتمل أكثر من تأويل

واتصلت بالمؤلف، وهو شاعر وسينمائي أيضا، ولما أبدى موافقته، شرعت في العمل الذي يعرض حاليا بمسرح “الجيب” بالضاحية الباريسية، مونبرناس، مركزة على مقولتين وردتا في النص هما: “أدّوا ذلك جيّدا، فتلك هي الكيفية الوحيدة لكي تكونوا سعداء”، و”بالكتب نصنع أمة”.

وتقول آن بوفيه “هاتان الجملتان، بالنسبة إلينا، تعكسان جوهر ما نريد إبرازه، بمعنى آخر: لنتصرّف تصرفا جيدا وعن وعي، لا عن خوف أو حساب، فتلك أفضل وسيلة للعيش في انسجام، ولْنعطِ الأولوية المطلقة للتربية..”، وتضيف في مقام آخر “إن دور سيدتي مارغريت رهان استثنائي لأي ممثلة، لما في النص من ثراء من جهة الانفعالات والقطع والانفصالات. فهو مربك وقوي ومراوغ لانتظارات الجمهور”.

وهذه المسرحية التي راجت رواجا واسعا في البرازيل والأرجنتين، عرضتها أني جيراردو أول مرة عام 1974 في إخراج لخورخي لافيلي، وهو فرنسي من أصول أرجنتينية، فقابلها الجمهور والنقاد بترحاب كبير، بفضل قيمة النص لا محالة، ولكن بفضل تألق النجمة جيراردو أيضا، وهي التي استطاعت أن تجعل من تلك الشخصية أسطورة ظلت ملتصقة بها حتى مماتها، لا سيما أن عرضها في فرنسا وخارجها تواصل على مدى عشرين عاما، حتى أنها عادت إليها، بعد انشغالها بالتمثيل السينمائي، لتتقمّص لآخر مرة دور تلك المعلمة الفريدة على خشبة أولمبيا عام 2003.

وقد اختارت آن بوفييه وستيفاني باطاي أن تعودا إلى النص الأصلي الذي ترجمه جان لو دابادي، ووجدتا السند لدى المؤلف الذي عبّر عن سعادته بأن تمنح المرأتان نصه حياة جديدة.

وكان الرهان على خلافة أني جيراردو في هذا الدور صعبا، ولكن ستيفاني باطاي استطاعت أن تنهض به، لا سيما أنها مخرجة كذلك ومديرة سابقة لمسرح “أنطوان” بباريس، فضلا عن أدوارها المتعدّدة في المسرح والتلفزيون والسينما، وبذلك تقمّصت باطاي دور المعلمة بإقناع، وهي تخطو على الخشبة مركزة عينيها على القاعة، لتخاطب تلاميذها بحدة، وبلغة لم يعهدوها، وتذكر بين الحين والحين باسمها كما يفعل العساكر أمام جنودهم، وتدوّن أحيانا بعض الكلمات الصادمة، والرسوم الفاضحة على السبورة بطبشور تخبئه تحت حاملة النهدين.

آن بوفييه:  نص روبرتو أتايدي ثري من جهة الانفعالات والقطع والانفصالات
آن بوفييه: نص روبرتو أتايدي ثري

من جهة الانفعالات والقطع والانفصالات

وفجأة يحتد مزاجها، فتبالغ بشكل مرضي في معارضة كل شيء، إذ لا شيء يروقها، ولا بد أن تحثّ تلاميذها على مقاومة كل فكر متسلّط، وكل نظام قامع، قبل نهاية الحصة، لعلها تنقذ معنى الكلمات.

وقد حرصت ستيفاني باطاي على إبراز التأرجح بين التراجيديا والنفَس الشاعري، ففي الكلمات مادة، وفي المنطوق نوايا، والنتيجة أن السيدة مارغريت أسقطت القناع عندما همّت بالوداع، حيث ناب عن القوة لطف، إذ قالت “تذكروا كلمات السيدة مارغريت، حاولوا أن تفعلوا الخير دائما، ذلك هو الشيء الوحيد الذي يمنح السعادة”، أي أن السيدة مارغريت تتألّم في الواقع، وتناضل من أجل مثلها العليا: التعليم والتربية وفعل الخير، وقد أظهرت ستيفاني باطاي من القدرة على التعبير عمّا تعيشه تلك المرأة من تقلبات، وما تستبطنه من مواقف إزاء هذا العالم.

و”سيدتي مارغريت” ليست مدرّسة حضرت لتعلّم تلاميذها جوهر الوجود كما يتبدى لأول وهلة، بل هي أمٌّ وأمينة أسرار وامرأة تعشق الحياة، وتلاميذها هم أبناؤها، وما المدرسة إلاّ استعارة.

تقول ستيفاني باطاي “أردت أن أبيّن كيف أن تلك المرأة تفيض بكل ما يمكن أن يساعد البشر ويعطي وجودهم معنى، هي تريد أن تعلّمنا ألاّ نضيع الوقت، كيف؟ من خلال تعليم مبدأ طوارئ الأشياء، كل ما لا يمنَحُ في الحين يكون مآله الضياع”.  وتختم بقولها “الرسالة التي يمكن أن نستخلصها من درسها؟ ما سبق أن قاله أندري مالرو: الحياة لا تساوي شيئا، ولكن لا شيء يساوي الحياة”.

16