سيدي الشيخ ننتظر فتوى جديدة…

دلائل الواقع السياسي تشير وبقوة إلى وجود إرهاصات كبرى في مستوى علاقة يوسف الشاهد تحديدا بحزبي الحُكم؛ نداء تونس وحركة النهضة، وخاصة منظمة الأعراف وهي أكبر نقابة لأرباب العمل في تونس.
الخميس 2018/03/08
شبح الرحيل يهدّد الشاهد

“سيدي الشيخ ننتظر فتوى جديدة”، هي آخر كلمات خاطب بها رئيس الحكومة التونسي السابق الحبيب الصيد رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي لدى مغادرته قصر القصبة. مفردات انتقاها الصيد آنذاك ليعبّر باقتضاب وبارتباك شديدين عن حجم خيانة الأحزاب الحاكمة له وفي مقدمتها النهضة التي أوهمته لأكثر من عام أنها المساند الأول له ولحكومته، ولكنها تركته في اللحظة الحاسمة وحيدا يصارع شبح الرحيل من رئاسة الحكومة.

بنفس الطريقة تقريبا، يجد يوسف الشاهد رئيس الحكومة الحالي، المسنود نظريا من أربع منظمات وطنية كبرى وأربعة أحزاب، نفسه اليوم محاصرا بانتقادات وهجومات الاتحاد العام التونسي للشغل أحد أهم الموقعين على وثيقة قرطاج، وكان في وقت ليس بالبعيد أحد أكبر الداعمين له.

والغريب في الحرب التي باتت مُعلنة بين رئيس الحكومة وأكبر منظمة عمالية في تونس لا يكمن في عودة الصراع الأبدي والكلاسيكي منذ ستينات القرن الماضي، بل في الصمت المُريب والمتعمد الذي فضلت انتهاجه كل الأطراف الموقعة على وثيقة أولويات الحكومة المدعية أنها مساندة لحكومة يوسف الشاهد.

والبحث في معرفة مواقف ما تبقى من الأطراف المساندة لما يعرف بحكومة الوحدة الوطنية ليس هدفه بالضرورة الدفع نحو استفزازها قصد إحراجها لإعلان الاستماتة في الدفاع عن الحكومة أو عن خياراتها ورئيسها، بقدر ما يكمن في وجوب إدراك التونسيين في هاته الفترات الصعبة والمفصلية لحقيقة تموقع كل طرف حزبي أو منظماتي يساند الحكومة نظريا.

وعبر القيام بعملية جرد أولي لردود أفعال الأحزاب الحاكمة أو المساندة للحكومة بعد دعوة الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي في مرحلة أولى إلى ضرورة إجراء تعديل وزاري، أو عقب تصعيده لهجة الخطاب حيال سياسات الشاهد، يتبين بما لا يدع مجالا للشك أنها وردت باهتة وغير حاسمة، بل يشوبها الكثير من التحفظ والتوجس.

من المفارقات العجيبة التي تجتاح رؤوس صُناع السياسة والأحزاب الحاكمة في تونس أنها أصبحت لا تنتعش ولا تدب فيها الحياة لتهرول لطرق باب قصر القصبة والانتظار بالساعات لمقابلة رئيس الحكومة إلا عند دق ساعة تقاسم كعكة الحكم

ورغم محاولات كل الموقعين على وثيقة قرطاج الاختباء وراء تعلاّت صعوبة الوضع وما تتطلبه المرحلة من استقرار لتأمين الانتخابات المحلية المرتقبة في مايو المقبل، فإن مواقفهم الشحيحة اقتصرت وبلا استثناء على ترديد تلك العبارات الجاهزة والدبلوماسية من قبيل “نحن متمسّكون بوثيقة قرطاج وبحكومة الوحدة الوطنية”، وليس الإفصاح علنا وقطعا عن دعم يوسف الشاهد أو عن توجه آخر واضح قد يكون من أولوياته سحب البساط من تحت أقدام رئيس الحكومة.

ومن المفارقات العجيبة التي تجتاح رؤوس صُناع السياسة والأحزاب الحاكمة في تونس أنها أصبحت لا تنتعش ولا تدب فيها الحياة لتهرول لطرق باب قصر القصبة والانتظار بالساعات لمقابلة رئيس الحكومة إلا عند دق ساعة تقاسم كعكة الحكم، وخاصة لدى حدوث أي إعلان رسمي عن اعتزام القيام بتعديل وزاري أو تسميات في أعلى أجهزة الدولة.

وللتذكير فقط، فإن نفس الأحزاب والمنظمات الداعمة لحكومة يوسف الشاهد التي أصرت عند إجراء آخر تحوير وزاري في نوفمبر عام 2017، على قصف الرأي العام بوابل من البيانات التوضيحية والتصريحات النارية، أو الإعلان عن إبقاء مجالسها الوطنية مفتوحة بتعلة وجوب أن تكون مواقفها متماهية مع تحديات المرحلة، نجدها اليوم تعجز حتى عن الدعوة إلى تنظيم اجتماع يضم كل الموقعين على وثيقة اتفاق قرطاج لتدارس تطورات التصدّع بين اتحاد الشغل والحكومة أو الأزمة السياسية المحدقة بالبلاد.

ولا يخفى على التونسيين اليوم أن تململ الأطراف الداعمة لحكومة الوحدة الوطنية وعدم إصداعها علنا بمواقفها حيال الأزمة لم يأت من فراغ بل هو مبني على هاجسين أساسيين، أولهما هو محاولة كل طرف تجنب فتح حرب قد تكون خاسرة مع اتحاد الشغل الثقيل حجما والوازن نقابيا وسياسيا.

إذ أن ثماني سنوات فقط أثبتت أن كل الأحزاب حكما ومعارضة لا تستطيع بل تهاب الدخول في صراع أو في مشاحنات مع اتحاد الشغل أو قياداته خوفا من ردة الفعل العنيفة، والدليل على ذلك أن الأمين العام نورالدين الطبوبي، ورغم اختلاف التقييمات حول نهجه مقارنة بسلفه حسين العباسي، برهن أنه شوكة في حلق أي سياسي يحاول التمرد أو التسلط ومن ذلك على سبيل المثال قولته الشهيرة لراشد الغنوشي عند مطالبته يوسف الشاهد الالتزام بعدم الترشّح للانتخابات الرئاسية “من أنت كي تقرر مصير الرجل”.

لا يخفى على التونسيين اليوم أن تململ الأطراف الداعمة لحكومة الوحدة الوطنية وعدم إصداعها علنا بمواقفها حيال الأزمة لم يأت من فراغ بل هو مبني على هاجسين أساسيين، أولهما هو محاولة كل طرف تجنب فتح حرب قد تكون خاسرة مع اتحاد الشغل الثقيل حجما والوازن نقابيا وسياسيا

أما ثاني الأسباب فيبدو أنه سياسي بامتياز ويتعلق حتما بتكتيكات كل طرف يعتبر نفسه تورط في الدخول إلى حكومة الوحدة الوطنية رغم رفضه لتركيبة الحكومة أو حتى لرئيسها يوسف الشاهد، أي بمعنى أن بعض الأطراف الحزبية الفاعلة قد تكون وجدت في تمرّد المنظمة الشغيلة على الحكومة مظلة ويافطة مميزة تختبئ وراءها لإرساء مرحلة جديدة قد لا يكون من أهم عناوينها مستقبلا يوسف الشاهد.

وبعيدا عمّا يثار في الكواليس السياسية منذ عام تقريبا عن وجود حرب خفية بين القصبة وقرطاج، فإن دلائل الواقع السياسي تشير وبقوة إلى وجود إرهاصات كبرى في مستوى علاقة يوسف الشاهد تحديدا بحزبيْ الحُكم؛ نداء تونس وحركة النهضة، وخاصة منظمة الأعراف وهي أكبر نقابة لأرباب العمل في تونس.

فمنظمة الأعراف تدرك منذ تصدع العلاقة بين اتحاد الشغل والشاهد، أنه عليها التريث قبل إصدار أي موقف لأنها محملة بإرث مطلبي من منظوريها الغاضبين من عدة إجراءات اتخذتها الحكومة، وبعزم من رئيسها الشاهد في قانون موازنة البلاد للعام الحالي، أمّا حزبي النهضة والنداء فبقيا ينتظران على الربوة وكأنهما في صف المعارضة لاقتناص أول فرصة قد تكون سانحة للتخلص ربما من كابوس يزعجهما وفق الملاحظين وهو ملف الحرب على الفساد، ولذلك فضلا عدم الاندفاع ترقبا لما قد يأتي به رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي من جديد في قادم الأيام.

9