سيد البحراوي سائرا على وقع خطى السياب

الأحد 2015/05/10
سيد البحراوي الذي وجد لؤلؤة المستحيل

بعد فترة اختفاء قلمّا تحدث لصاحب «ليل مدريد» كان المرض سببها، خرج سيد البحراوي مؤخراً ببيان أسماه «تقرير عن حالتي الصِّحيّة» نشره على صفحته على حساب الفيسبوك لطمأنة محبيه وتلاميذه الذين آلمهم مرضه وعزّ عليهم غيابه، يُعبِّر فيه كعادته عن امتنانه لهم جميعًا، رغم الكلمات المؤلمة التي وصف بها المرض الذي عانى منه، وتحمُّله الألم منذ ثمانية أشهر في الظهر والرقبة والذراع الأيمن، وتقرير الأطباء الأوَلىّ وتشخيصاتهم التي تفاوتت ما بين التهاب في العضلات أو انزلاق غضروفي، حتى كانت الصدفة وحدها فـ«أثناء فحصٍ شاملٍ، أنصح الجميع بإجرائه دوريًّا – وبعد فحوصات وعينة.. إلخ، تأكّد وجود سرطان على الرّئة أقصى اليمين القريب من القصبة الهوائيّة، ومتصلٌ بالغدد الليمفاويّة ومن الدّرجةِ الثّانية، أي متوسط الخطورة»، ويعتبر المرض معركته بل «أشدّ من حرب الإنسانية مع داعش وأنا واثق من الانتصار» على حدّ قوله.

بيان المقاومة

خروج البيان بهذه التفاصيل وإجراءات الفحص والتعامل مع المرض، يكشف عن عنصر أصيل في شخصية البحراوي يتمثّل في الصراحة؛ صراحته مع ذاته التي هو مُتّسِقٌ معها تمامًا، ومؤمن بل وراضٍ في معظم أحواله عن قراراته التي يتخذها، إلى جانب صراحته مع الآخر الحريص عليه، والذي أعطى له كشف حساب بحالته، وهو ما يكشف عن تماهي العلاقة بينه وبين الآخر الذي يشمل الأصدقاء وزملاء العمل ومحبيه وطلابه. مع حالة الحزن التي اعتصرت الجميع على حدٍّ سواء، إلا أنّ ما جاء في البيان أثلج قلوبهم؛ لأن البحراوي كَشَفَ عن مشاريعٍ مستقبليّة تنمُّ عن إصرارٍ وتمسُّك بدوره الذي جُبِلَ عليه وينتظره منه الآخرون فيقول «لديّ أشياء مُهِمّة أظن أنّها قد تفيد الآخرين في فهم ما حدث في الخمسين سنة الماضية. لديّ سيرة ذاتيّة شبه مكتملة، ورواية بعنوان الساحرات، وجزء ثانٍ من رواية ليل مدريد بالإضافة إلى مجموعة قصصية تصدر قريبًا عن دار كتب خان، وعنها أيضًا نُعدُّ لإصدار وثيقة صوتية: شريط كاسيت أرسلْتُه أنا وأمينة رشيد (زوجته) من باريس سنة 1985، إلى أهلي في المنوفية، سيكون مفاجأةً على كل المستويات. وفي هذه الأيام أراجع مع صديقتي سارّة الجزءَ الأوّل من كتاب “الرّحلات” الذي سيصدر عن دار الثقافة الجديدة» هكذا كما عوّدنا البحراوي على المقاومة وتفادي القبح الذي يُحيط بنا، ومثلما كان ولا يزال المُعلِّم المُمْتَثِل لما يقول، ها هو يفعلُ ويُعلنُ عن مشاريع هي الوجه الآخر للانتصار على المرض والبديل المقاوم الذي هو سمة أصيلة من سماته.

أراء البحراوي تعكس وعيا وفهما دقيقين لما تحويه كتب السابقين، ينتهي به إلى توجيه سهام النقد إليها مبرزا حججه وأسانيده كما في رؤيته المناقضة لرفاعة الطهطاوي الذي لطالما اعتبر نموذجا للحداثة أو ناقلا للحداثة الغربية بزي الأزهري

اسمه السّيد محمد البحراوي، مولود في التاسع من يناير عام 1953 بمحافظة المنوفية، تخرّج في كلية الآداب جامعة القاهرة في عام 1974، وعيّن معيدًا في قسم اللغة العربية في السنة نفسها، ثم حصل على درجة الماجستير من ذات الكلية والجامعة عام 1979 عن موضوع “موسيقى الشعر عند جماعة أبولو” وفي عام 1984 حصل على درجة الدكتوراه في الآداب عن موضوع “البنية الإيقاعية في شعر بدر شاكر السياب” وقد ترقى في القسم حتى وصل إلى رئاسة القسم عام 2003، كما عمل عضو هيئة تدريس في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وجامعة ليون الثانية بفرنسا، بالإضافة إلى إشرافه على عشرات الرّسائل العلمية في الماجستير والدكتوراه في جامعات مصر والجزائر وفرنسا، كما شغل عضو لجنة تحكيم في لجان علمية في الكويت والأردن والإمارات العربية، وبالإضافة إلى إصدارته في العربية هناك ترجمات لكتب بالاشتراك مع آخرين من الفرنسية والإنكليزية منها كتاب الأيدولوجية لميشيل فادية وروايتا المكان لأني إرنو والأشياء لجورج بيرك مع الدكتورة أمينة رشيد زوجته وأستاذة الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة. وقد صدر كتاب عنه حب وتحية من المغرب العربي بإشراف الدكتور محمد مشبال بعنوان “النقد والإبداع والواقع: نموذج سيد البحراوي”، وقد صدر عن دار العين بالقاهرة.

تربط البحراوي علاقة خاصّة بكل ما هو جنوبيّ، وربما هذا مبعث حفاوته بأبناء الصعيد وترحيبه للإشراف عليهم، بدأت علاقته بالصعيد منذ صداقته الحميمة بأمل دنقل، الذي كان له معه مآثر خاصة أفرزت كتابًا قيمًا هو في «البحث عن لؤلؤة المستحيل: دراسة في قصيدة أمل دنقل مقابلة خاصة مع ابن نوح»، وقدّم من خلاله منهجه العلمي الرصين والدقيق المُسْتَمَدّ جذوره من ثقافات عِدّة ومناهج تمتد إلى لوسيان غولدمان وبيير زيما وآخرين، هو المنهج الاجتماعي، أو «محتوى الشكل» كما ينعته، باحثًا من خلاله عن نظرية عربيَّة في النقد، ومستوضحًا دلالات أبرزت جماليات الرفض التي انتهجها أمل في حياته، عبَّر عنها في قصائده. أما النموذج الثاني فهو القاص يحيى الطاهر عبدالله، والذي كانت تربطه به صداقة قوية فنشر معه أوّل حوار في مجلة «خطوة» التي كان يرأس تحريرها، كما كتب عنه دراسة ضافية عن مقدمات القصة القصيرة لديه بعنوان «يحيى الطاهر عبدالله كاتب القصة» مُظْهرًا عالم القرية الذي بَرَعَ في تصويره مُنتهيًا إلى «أن عالم القرية كعالم أَساسي للكاتب عالم خاص به إلى درجة بعيدة، وتنبع خصوصيته من أن الكاتب يراه كابن له ويحسُّ تناقضاته ويعيها ويركز عليها في قصصه».

الظلاميون والتقليديون حاربوا البحراوي وانتقدوا تدريسه لطلابه رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح في العام الجامعي 85ـ 1986 ليقدموا شكوى ضده "بأنه يدرس رواية إباحية" على حد وصف رئيس الجامعة آنذاك مأمون سلامة للرواية، بعد أن اقتطع أجزاء من سياقها

ضد التبعية الذهنية

يغدو الدكتور البحراوي في صمته أشبه بالناسك الذي يلازم صومعته، مؤثرًا الوحدة مع الكتب دون الضجيج الذي زيَّف حياتنا، وفي تأملاته التي تبدو إشراقات نورانية تتجلَّى كتابات غاية في الطرافة وفي العمق الدرسي في آنٍ معًا، كأنْ يستلفته عنوان إحدى المحلات الشهيرة التي ظهرت مع سياسة الانفتاح السَّاداتي «السَّلام شوبنج سنتر، لملابس المحجبات» ليتخذ من هذا العنوان نموذجًا دالاً على حالة الإسفاف التي وصلنا إليها بدءًا من هذا الخلط اللُّغوي الفاحش، وهو ما تجاوزها إلى تلفيق أيديولوجيا لن تحدث على مستوى الواقع وإنْ حدثتْ على مستوى اللافتة التي جمعَّت ما لا يجتمع، ومن خلالها أيضًا عرض لصورة واعية للمتغيرات التي جرت إبّان السبعينات ودون أن تحتاج إلى موقف صريح ليعلن رفضه لهذه المعاهدة التي يراها كما يُعلِّمنا في قاعات الدرس بأنها اتفاقية الطرف الواحد، شخصيته المسالمة والمحبوبة من الطلاب قد تغري البعض من أصحاب العقول الصغيرة والقلوب المريضة لمحاولة الزج به في تفاهات هو أبعد وأرفع مقامًا عنها، على نحو ما فعله البعض عندما استغل تدريسه لطلابه رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح في العام الجامعي 85ـ 1986 ليقدموا شكوى ضده «بأنه يدرِّس رواية إباحيّة» على حدّ وصف رئيس الجامعة آنذاك مأمون سلامة للرواية، بعد أن اقتطع أجزاء من سياقها.

يعترفُ وهو صاحب النظرية النقدية العربية الوحيدة ذات الإطار المنهجي، والتي طبّقها في كتابه الرّائد «محتوى الشكل في الرواية العربيَّة»، بأنّه في نصوصه الإبداعيَّة يكتبُ متحرِّرًا من قيود النوع الأدبيّ، وَمُحطِّمًا للحدود المائزة بين الأنواع التي يشرح فروقها وخصائصها في قاعات الدرس للطلاب، فتتماهى الحدود وتنفتح النصوص رافضة القولبة حتى تغدو نصوصًا مُستَقِلة غير قابلة للتصنيف النوعي كما في مجموعة «صباح وشتاء» وإن سمّاها نصوصًا في حين تبقى «طُرق متقاطعة» بلا عنوان أو هوية نصية، أما «شجرة أمي» فهي مزيج من أشكال عدة فلسفية وأدبية أو حتى مراجعة فكرية لكتاباته النقدية والأدبية بصفة عامة، ففيها ثمة مرثية لزمن قديم ولقيم تغيّرت في القرية بفعل حركة الإحلالات والتطورات التي شابت القرية، حتى غدت العادات والتقاليد التي ترثيهما الرواية في زماننا مجرد أشلاء أشياء، كما أنها تفضح التشوهات التي أصابت المثقف، فتتجاوز الرواية حالة البوح والرثاء لأمه إلى مرثية لعالمه وواقعه. ومرجع هذا التمرُّد على حدود النوع، لأنه كما قال «لأني ببساطة، كنت أكتبُ تلقائيًا، دون أن أعرف أنّ ما أكتبه هو كتابة، وربما لم يكن كذلك بالفعل، خواطر، انفعالات، تأملات، حوادث صغيرة تركتْ أثرًا فيّ» أو «لأن حالة الإبداع لديّ تضعني في حالة خاصة، هي أقصي درجات أناي أو صدقي مع نفسي متخلصًا من أيّ مؤثرات سوي تحقيق خصوصية التجربة التي أكتبها أيًّا كان نوعها» كما صرَّح في إحدى شهاداته، وعندما تقرأ له رواية «ليل مدريد» الصادرة عن دار التجليات حديثًا، يوجعك بهذه الغربة والاغتراب اللذين دفع إليهما أبطاله، خاصة شخصية هناء، والأزمات التي عاشتها، كثيرون تألموا لحالة التمزُّق التي عانتها بطلته بل إن القليل وجدوا فيها قسوة على الشخصية.

لا يختلفُ أحد على شخصية سيد البحراوي سواء على المستوى الإنساني أو على المستوى الأكاديمي فيمكن تلخصيه بأنه صاحب موقف

ثمّة أراء للبحراوي تعكس وعيًا وفهمًا دقيقيْن لما تحويه كتب السابقين، ينتهي به إلى توجيه سهام النقد إليها مبرزًا حججه وأسانيده التي اعتمد عليها في طرحه الذي قد يلاقي هجومًا ما أو تحفظًا من قبل البعض، كأن يرى على غير الذين هلّلوا لرفاعة الطهطاوي باعتباره نموذجًا للحداثة أو ناقلاً للحداثة الغربية بزي الأزهري، وإنما هو يراه نموذجًا «يقوم على ثنائية غير علمية وغير ممكنة الممارسة أدّتْ إلى مرضيْن خطيريْن في النخبة المصرية حتي الآن وهما انفصام الشخصية والتبعية الذهنية»، أو من قبيل أن يرى رغم تأكيده على أن تطور حركة النقد بدأت مع العقاد وطه حسين ومحمد مندور، إلا أنه يعترف بأن نقدهم «لم يكن علميًّا ولم يستخدموا الأدوات العلمية الموضوعية والمحايدة والتي تمتلك أدوات ملموسة للتحليل لبلوغ نتائج أكثر تمثيلاً لعمق النص وخصوصيته» إلى أن ينتهي إلى أنهم لم يضيفوا أيّ شيءٍ، في صدمة لكثيرين متعصبين للمشروع الفكري عند طه حسين. دون أن تقلل هذه الآراء قناعته بفكره وبُعْد رؤياه، فقد أعلن في مؤتمر «طه حسين أكاديميًّا ومفكرًا ومبدعًا»: أنا حزين لأن طه حسين الذي أقرَّ مجانية التعليم، والآن الأُسر تُنْفِقُ نصف دخلها كي تعلُّم أولادها؟ و طه حسين الذي قال (التعليم كالماء والهواء) أصبح الآن أكثر تلوّثًا من الماء والهواء؟”.

خرق التابوهات

من الصعب بمكان أن تفصل بين سيد البحراوي المناضل السِّياسيّ منذ أن اشترك في الحركة النضاليّة في الجامعة وقت أن كان طالبًا، وهو الدور الذي يمارسه حتى الآن عبر نشاطاته المتعدِّدة ورفضه للكثير من المواقف (المايعة) للسّياسيين، وحتى باشتراكه في المظاهرات، وتوقعياته على بيانات الإدانة والشجب، وبين المثقف الواعي الأكاديمي الذي يمارسه في قاعات الدرس أو في الندوات والمؤتمرات التي يُشارك فيها محليًا ودوليًا، فمواقفه وآراؤه واضحة وسامقة ومن ثمّة لا يجوز الفصل بين تاريخه النضالي وتاريخه التنويري الذي يمارسه الآن وسخطه الشديد على التبعية الذهنية التي هي أشبه بوصمة العار في ثقافتنا، ومن ثمة يردُّ كلَّ الانتكاسات إليها، وهو ما ينذر برؤية تشاؤمية، عكس ما ارتآه بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث رأى الكثيرون في وصول الإسلاميين إلى الحكم تشاؤمًا، في حين رأى فيه نقيضه، ومرجع هذا التفاؤل يعود إلى إيمانه بحقيقة «أن ما نحن فيه هو ضرورة موضوعية يفرضها التطوُّر التاريخي للمجتمع المصري المُسمّى بالحديث، أي أن وصول الإسلام السِّياسيّ إلى الحكم كان لا بد أن يحدث، سواء الآن أو بعد ذلك، أو ربما كان من الأفضل قبل ذلك»، كما يُشدّد على «أنّ اللحظة الرّاهنة هي أكثر اللحظات احتياجًا وقبولًا في المجتمع المصري لشعار وحل الاشتراكية» وإن كان يرى أن ثمّة مسافة وفارقًا بينه وبين شعار “العدالة الاجتماعية” الذي رفعه الثوّار في 25 يناير، وهي عنده مصطلح فضفاض لا يعني شيئًا لأنه يعني مئات الأشياء في ذات الوقت نفسه.

لا يختلفُ أحد على شخصية الدكتور سيد البحراوي سواء على المستوى الإنساني أو على المستوى الأكاديمي، فيمكن تلخصيه بأنه صاحب موقف، بالنسبة إلى مواقفه على المستوى الإنساني فكل من جالسه أو اقترب منه يعلم حقًا مَن هو سيد البحراوي النبيل والإنسان، ومحنة مرضه الأخير كشفت عن هذه العلاقات الإنسانية التي تشعبت وامتدت إلى الكثيرين من داخل مصر وخارجها، ندعو له بالشفاء ليعود لمحبيه.

8