سيد القمني صريحا وشجاعا

الأحد 2017/01/29
تخطيط: نهاد الترك

يثير الحوار الذي أجرته مجلة الجديد، في عددها الصادر في ديسمبر /كانون الأول 2016 مع المفكر المصري الدكتور سيد القمني، العديد من القضايا الساخنة والمركزية وفي صدارتها خطر الأصوليات الدينية المتطرفة سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية فضلا عن أصوليات أخرى لا تقل خطورة على مجتمعاتنا ومجتمعات غيرنا في عالمنا المعاصر.

إلى جانب قضية الأصوليات الأرثوذكسية يطرح حوار الدكتور القمني مشكلة البداوة التي تغرق فيها مجتمعاتنا من المحيط إلى الخليج والسدود التي تقيمها وتحول دوننا ودون الدخول في فلك الحضارة والحداثة.

لاشك أن ثمة قضايا أخرى يعج بها هذا الحوار مثل حكم العسكر بالقوة وبشكل أشبه ما يكون بالوراثة المزمنة، كما يطرح أيضا أزمة الفكر التوفيقي وربما التلفيقي، والفهم الأسطوري والخرافي للدين الأمر الذي يضع العقل في زنزانة مغلقة. إنه من الصعب جدا في هذه المساحة الضيقة مناقشة كل هذه القضايا الكبرى والحساسة رغم أن ذلك مطلوب فعلا وقد تسعف الظروف التي تسمح بالقيام بذلك. سأكتفي هنا بوقفة قصيرة مع أفكار الدكتور القمني الذي يعتبر أحد منارات النقد الفكري العربي المعاصر.

إن الأمر الذي استوقفني في هذا الحوار أيضا هو موقف الدكتور القمني من المثقفين العرب بالجملة تقريبا الذين لا يشكلون طليعة التغيير في عمق المجتمع ما عدا القلة التي تهمش أو تعزل أو تطرد أو تنفى أو تصفى جسديا.

يرى الدكتور القمني أيضا أن بلداننا بعيدة عن العلم سواء في دراسة مثقفيها للدين ولمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية، وأكثر من ذلك فهو يحاجج أن الحكومات العربية الحالية ” تثبت كل يوم أنها لا تعرف شيئا عن العلم ولا علاقة لها به”.

وزيادة على كل ما تقدم فإن الدكتور القمني يرفض رفضا قاطعا تثبيت التراتبية المطلقة بين المفكرين والمثقفين من جهة وبين العامة من جهة أخرى، حيث نجده يدعو بوضوح إلى إشراك العامة في النقاش الخاص حول أمهات القضايا الملحة والمطروحة على مجتمعاتنا “فالعامة إن استخدموا عقولهم سيكونون من البارزين في عملهم. عندما يخاطب المفكر أو المثقف رجل الشارع فإنه يخاطب عقله على عكس غيره من رجال الدين الذين لا يخاطبون سوى مشاعره وعواطفه. الناس تمَ إلغاء عقولها ولا يجب أن نستسلم ونقضي عليهم”.

يبدو واضحا أن تاريخ إلغاء عقول رجال ونساء الشارع الذي يتحدث عنهم الدكتور القمني ليس جديدا في مسار الفكر العربي الإسلامي بل هو ذو تاريخ قديم ولا يزال هذا الإرث مهيمنا إلى يومنا. فالعربي المعاصر يعيش الحاضر بقيم الماضي المثبت واللاغي للتطور والتحديث والعصرنة باستمرار. فابن رشد نفسه قد أوصى بعدم السماح للعامة أن تؤول القرآن حيث رأى أن مهمة تأويله يجب أن تكون منوطة بخاصة الخاصة ولا غير ذلك. إذن هناك انقطاع مستمر بين المفكرين (النخبة) وبين العامة، ولقد رسمت هذه الظاهرة وأصبحت تنتج بدورها التراتبية بين العامة وبين أهل الحكم في مجتمعاتنا.

تلك هي أهم المحاور التي ركز عليها حوار الدكتور القمني الشجاع والصريح.

في هذا السياق سأبدي بعض الملاحظات التالية وأبدأ أولا من النظر في قضية طغيان الفهم الخرافي والأسطوري للدين وتحويل هذا الأخير إلى أداة قمع وتصفيح للذهنيات. ففي الحقيقة فإن الدكتور القمني يطرح مشكلة كبيرة وتتمثل في السؤال التالي: لماذا لم تقدر بلداننا على بناء الإنسان العلمي الذي يتعامل مع الكون والعلاقات الاجتماعية وفق رؤية عقلانية نقدية رغم مرور أكثر من 70 سنة على استقلال بلداننا ولو شكليا؟

عمليا فإن الثقافة العربية لا تزال برمتها محكومة بالخرافة وتستند إلى الفهم الأسطوري لكل شيء الأمر الذي سوّغ لبعض النقاد القول بانعدام الذاتية المستقلة في مجتمعاتنا حيث نجد داخل كل شخص عندنا تراكما من القيم التي لم يصنها هو وربما يمكن القول إن الذي يتحدث من داخلنا الإنسان العربي هو الطائفة أو القبيلة أو العشيرة علما أن هذا الثالوث مصفح بتراكم من الثقافية الشعبية المتخلفة ، والفلكلوريات التي أسست ولا تزال تؤسس للشخصية القاعدية الانفعالية والعاطفية.

أعتقد أنه لا يكفي أن نبقى أسرى الدوران حول أعراض العلل بل فإنه ينبغي علينا أن نحفر عميقا في الأسباب الحقيقية التي فرضت التأويل الخرافي والأسطوري للدين بدلا من تأويله ثم استخدامه من أجل تحقيق التقدم والديمقراطية والإنسان الحداثي.

ألاحظ أن المشكلة التي لم يشر إليها الدكتور القمني في حواره هي فشل مؤسسات النظام الثقافي العربي في تحديث مناهجها ورؤاها ونظرياتها لجعلها مؤسسة على الوازع العقلي والعلمي. على مدى أكثر من قرن من الزمان ومنظومتنا التعليمية مغلق عليها في قفص ما يسمى بالمرجعيات التراثية والكتب الصفراء على نحو يغلب عليها التقديس الأعمى.

وهكذا فإن منظومتنا التعليمة هي المسؤولة أساسا على تدريس الدين تدريسا متخلفا ورجعيا حيث أن الأجيال التي تخرجت من المدارس والثانويات والمعاهد والجامعات صارت مصفحة تصفيحا دينيا رجعيا ومتخلفا حقا.

رجال ونساء السياسية الذين يحكموننا لم يأتوا إلينا من أستراليا أو من شيكاغو بل هم جزء عضوي من تخلفنا العضوي العام وفي صدارة ذلك التخلف الديني أو لنقل تخلفنا النابع من تحويل الدين إلى طقوس خرافية والانغلاق داخل شرنقتها

وفضلا عن ذلك فإن تقسيم التعليم ببلداننا إلى تعليم ديني له مؤسساته الكهنوتية والمغرقة في النسخ الأعمى وترديد ما يحفظ من دون تحليل ونقد، وتعليم شبه دنيوي، بل متخلف عن العصر وقضاياه، وعن المناهج والنظريات العلمية الحديثة قد ساهم جذريا في تفريخ نشء انفعالي وعاطفي يفسر وجوده وعلاقاته على أساس رجعي تماما.

وأكثر من ذلك فإن المحيط الاجتماعي العام في بلداننا ليس محيطا علميا أو حضاريا بل فهو محيط موبوء فعلا، وغارق في الجهل والأمية المهنية والفكرية والعلمية والفنية والسياسية، كما أن الدين فيه ينحصر في الطقوس والعبادات الشكلية وهو أبعد ما يكون فضاء تنمو وتزدهر فيه الأخلاقيات والسلوك المنتج والمؤسس للعلاقات الإنسانية التي تحترم فيها الخصوصيات والفرادات.

إن هذه العوامل مجتمعة قد أدت ولا تزال تؤدي إلى تفريخ سلطات سياسية متماهية مع القيم المتخلفة تعيد إنتاج الطقوس والقيم الدينية المحافظة حينا والمنغلقة أحيانا أخرى.

إنه ينبغي القول هنا بأن رجال ونساء السياسية الذين يحكموننا لم يأتوا إلينا من أستراليا أو من شيكاغو بل هم جزء عضوي من تخلفنا العضوي العام وفي صدارة ذلك التخلف الديني أو لنقل تخلفنا النابع من تحويل الدين إلى طقوس خرافية والانغلاق داخل شرنقتها.

لا شك أن هناك محاولات لتحليل ونقد الجوانب الدينية المظلمة سواء كما هي جزء من تراثنا أو في السلوك الذي ينعكس فيه ذلك التراث دون وعي بذلك في الغالب، ولكن هذه الدراسات لم تستطع أن تحدث تغييرا ملموسا في التعاطي مع الدين أو تخترق الطبقات اللاواعية لمواطنينا ومواطناتنا ولهذا أسباب كثيرة من بينها أن النسبة الكبيرة من الدراسات التي تعتصم بالغموض الأكاديمي وتستخدم المفاهيم والمصطلحات المبهمة والصعبة تقيم جدارا سميكا بينها وبين الشعب البسيط الذي لا يقرأ ولا يكتب ويفتقد إلى التكوين الثقافي والفكري.

على مدى سنوات طويلة ودور النشر ببلداننا تنشر كتبا تنتقد أسطرة الدين وكذا “تخريفه” غير أن هذه المؤلفات الموجهة للنخبة القليلة لا تنفذ إلى وجدان وعقول الناس الذين يشكلون أغلبية السكان في الأرياف وفي المدن.

إنه لحد الآن يجهل المواطنون الفرق بين فصل الدين عن السلطة السياسية الدنيوية وبين إلغاء الدين كبعد روحي في مجتمعاتنا.

وبهذا الصدد فإن مثقفينا لم يلعبوا أي دور جاد في شرح هذا الفرق وإقناع الناس به. وهنا نتساءل: هل تصل كتب الدكاترة سيد القمني ومحمد أركون وعبد الله العروي وصادق جلال العظم وحسن مروة ونصر حامد أبوزيد ومحمود أمين العالم وجورج طرابيشي مثلا، إلى نفوس مواطنينا ومواطناتنا في الأرياف وفي المدن الصغيرة والكبيرة؟ وما هي هذه العلاقة التي تمكنت من صنعها مؤلفات هؤلاء مع طلابنا وطالباتنا في مختلف مستويات وأنماط منظومة التعليم عندنا.

أجزم بالقول بأن 90 بالمئة من سكان بلداننا لا يفقهون شيئا عن كتابي العهد القديم والإنجيل ومتن القرآن والسنة النبوية والإنتاج الفكري الذي أنتجته في الماضي الشخصيات الإسلامية بكل فرقها ومللها ونحلها وينتجه الآن كثير من دارسينا ونقادنا ومفكرينا.

هناك دائما جدار الأمية بالمرصاد، كما هناك دائما الشخصية القاعدية لمواطنينا التي لم تنشأ على الفكر النقدي وطرح الأسئلة، وتوظيف المنهج العلمي في مقاربة النصوص الدينية المختلفة وغيرها من النصوص.

على أساس ما تقدم فإن انعدام المثقفين المنخرطين في صفوف المواطنين والحاملين لقضية تغيير الذهنيات وتربية الفكر النقدي العلمي لدى هؤلاء يطرح مشكلة كبيرة أمامنا، وهي تعوق الانتقال إلى أفق العصر الحديث.

شاعر من الجزائر

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية والمقالات كاملة على الموقع الإلكتروني

12