سيد القمني مفكر مصري يعتبر الأزهر "آخر قلاع الاحتلال العربي"

السبت 2016/08/27
سيد القمني "كافر" بسبب أعماله التي نال عليها جائزة الدولة التقديرية

باريس- مستفَزٌ بسبب حال الأمة الإسلامية، يحلل الواقع الإسلامي تفصيلا، يحفر عميقاً، يلامس النقاط الحساسة، يفرك الجروح ويملّحها، يرفع الحجاب عن مستور القصص. يعلن أن المسلمين اليوم سينهون العالم، سيدمرون الحضارة، إلا إذا… برأيه أن الإسلام على حاله اليوم خطر على البشرية جمعاء. يأمل أن تُستعمر بلاده إن كان هذا سبيلا لعودة الثقافة إلى شوارع مدنها البائسة. يُعلن رسمياً أن حربه، للسنوات الباقية من عمره، هي ضد الأزهر. ينعت الأخير بالمؤسسة الإرهابية، يذهب بعيداً، يبدأ بتحضير دفوعه ليقدمها إلى الأمم المتحدة بهدف إثبات غرضه. مصر قفص الوحوش اليوم؛ أيّ من أبنائها لديه الحق بقتله مقابل سجن لشهور ثلاثة أو أقل. هو كافر مباح الدم، هو مرتد لا يُستتاب، هو سيد محمود القمني.

قبل أيام فقط قرر النائب العام إحالة بلاغ مقدم من المحامي خالد المصري، ضد القمني، إلى نيابة أمن الدولة العليا، لاتهامه بازدراء الدين الإسلامي وسب الصحابة. وأورد البلاغ رقم 10856 لسنة 2016 عرائض النائب العام، أن القمني شارك في ندوة نظمتها منظمة آدهوك البلجيكية، وتضمنت مشاركته سبا للذات الإلهية والنبي وعبارات ازدراء للدين الإسلامي، وأفاد المحامي المصري بأن القمني زعم خلال حديثه في تلك الندوة أنه لا أحد في مصر يستطيع معاقبته قانونا، قائلا بالحرف حسب المحامي “أنا محدش يقدر يحبسني عشان أنا ليا تلاميذ وأصدقاء في مناصب مرموقة بالدولة”.

أسوأ عصور العقل

ما تشهده مصر خلال الفترة الأخيرة ليس إلا مطاردة حقيقية للعقل المصري. هذه العبارة التي اختصر فيها القمني توصيفه لحملة المحاكمات الأخيرة ضد مثقفين مصريين؛ محاكمات تأتي تحت المادة رقم 98 من الدستور المصري، والعنوان “ازدراء الأديان”. آخرها الحكم على إسلام بحيري بالسجن لسنوات خمس. حُكم أخرج القمني عن طور الباحث. فتح النار على كل الجبهات. ما تشهده مصر اليوم لم تعرفه أيام حسني مبارك ولا في عهد غيره. مطاردة الجمال في الفن أو في الشعر أو في الموسيقى أو في الفيلم، واستمرار هذا وتكاثره إلى حد غير مسبوق، دفعه إلى وصف الإسلام بالوحش.

طلب أن ندخل منظومة تفكير هذا الوحش. قالها بكل وضوح في بروكسل. الإسلام على ما هو عليه اليوم هو الخطر الحقيقي على العالم. ذهب بالتحليل بعيداً إلى حيث نشأ الدين؛ “بيئة قبلية لا تعرف أي قيم حضارية. جموح بشري لحد أكل لحم البشري الآخر في سبيل البقاء حيا. لون واحد (الأصفر) طوال الوقت. انعدام لأي شكل من أشكال الجمال. هنا ولد الإسلام. فكيف له أن يكون رسالة لخلاص العالم؟ كيف له أن يكون صالحا لكل زمان ومكان؟”.

لابد أن كلام القمني دفع بالكثيرين إلى معارضته. دفعهم كأفراد، إلى وصفه ربما بالإلحاد أو ربما بـ”الجنون”. لكن الأزهر كمؤسسة ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ أصدر بياناً اعتبر فيه القمني كافراً، وسيعمل على محاكمته بتهمة ازدراء الأديان. محاكمة تُعلن ضده من المؤسسة ذاتها للمرة الثالثة في حياته.

القمني ليس وحيدا في ساحة "ازدراء الأديان" فقد طالت هذه التهمة خلال السنوات القليلة الأخيرة عدداً من الشخصيات المثقفة، منهم إسلام بحيري بتهمة "تشويه الرموز الدينية والأئمة وكبار العلماء" وحكم عليه بالسجن خمس سنوات. قبله كانت المخرجة إيناس الدغيدي، وأيضا الكاتبة والمفكرة نوال السعداوي، والفنان عادل إمام، ورجل الأعمال نجيب ساويروس، والمفكر الراحل نصر حامد أبوزيد

المفارقة بحسب قوله أن “التفاصيل في التهمة هي ذاتها لم تتغير. ربما الأزهر لم يقرأ ما كتبت بعد ذلك اليوم، يتساءل القمني؛ كيف لهم أن يحاكموني ولا يعرفون ما كتبت؟ يقولون إني كافر مرتد. ألا يتوجب عليهم أن يعرضوا علي الإسلام لأكفر به أولاً. كيف وصلوا إلى حد نعتي بالكفر؟ هل السبب كان أني أنكر أصلا معلوماً ثابتاً في الدين؟”.

الحرية وإباحة الدم

قبل الخوض في المزيد من أفكار القمني لنا أن نتوقف أمام فكرة إباحة الدم بسبب الرأي. لنطرح على أنفسنا مجموعة من الأسئلة. منها، هل يحق لأي مؤسسة دينية أن تُكفر باحثاً أو مفكراً وتحاكمه على أفكاره؟ أين هي قداسة الحرية؟ هل للحرية حدود؟ كيف ترسم تلك الحدود ومن يرسمها؟ كيف تطبق حدود تلك الحرية، بالقانون؟ بالعرف العام؟ بالتربية والتعليم؟ كيف للمسلم البسيط أن يقبل وصف القمني له بأنه وحش؟ هل خرج القمني عن منطق البحث؟ إن خرج عن منطق البحث كيف نتعامل معه؟

ربما نتفق بمعظمنا على أن حرية التعبير حجر الزاوية في الديمقراطية والتقدم الحضاري. حجر لا يسمح بمساسه. كل الأفكار لها حق العيش والدفاع عن نفسها عدا تلك التي تدعو إلى الموت والقتل والإجرام بحق البشر. كل الأفكار تحمل شخصيات اعتبارية مع صاحبها ولا تهاجم إلا من ذات نوعها. لا يمكن أن ترد القول برصاصة. لا يمكن أن ترد الرسم بالقتل. لا يمكن أن ترد إلا بكلام القرآن إن كنت من أتباعه، “لكم دينكم ولي دين”. ربما لا نتوافق مع القمني بالكثير من أقواله وأبحاثه ومواقفه. لكننا نعطيه ما نريده منه، احترام الرأي والحفاظ، بل والدفاع عن حريته بالتعبير عن رأيه.

الحرية التي يعتبرها العالم اليوم من المقدسات، لم تولد بيسر. شربت هذه المفردة المقدسة دماء الكثيرين من الأبرياء ومعهم المنظرون للحرية ومفكرون كثر. بذلت البشرية بكل أطيافها جهدا هائلاً لتصل إلى هذا المكان المتواضع في احترام الرأي المخالف. لكن العالم الإسلامي برأي القمني “مازال حبيس زمكان” خاص به. أي هو بين زمان النبوة وإسلام السلف ومكان اليوم وما وصلنا إليه. تجاوزت كل الديانات مشكلاتها مع الحداثة إلا الإسلام برأيه.

يعلن القمني قوله، لا ليعلن أن علينا التخلص من المسلمين ولا يجوز قول ذلك برأيه. يؤكد موقفه ذاك، لأن علينا وضع اليد على المشكلة وبحثها دون خجل. علينا أن نفهم بأن هذا الإسلامي الذي يريد فرض الشريعة على الأوروبيين في بلادهم ليس إلا مريضاً بأفكار يتوجب علاجها، علاج لا يمكن تأخيره فهذه الأفكار “الإسلام على ما هو عليه” ليست إلا “بذور لنهاية العالم”.

العلمانية هي الحل

القمني يطالب خلال تداع حر للأفكار في محاضرته الأخيرة في بروكسل باستعمار جديد يعيد الثقافة إلى شوارع مصر. "لم تنهض مصر إلا عندما دخلها الفرنسيون أيام محمد علي. لم نعرف المواطنة إلا مع الاستعمار الإنكليزي. مدارس الإرساليات تخرج منها كبار المفكرين المصريين"

يرسم القمني سبيل حله؛ “فرض العلمانية هو الحل. دفع كل تلك المؤسسات الدينية للعودة إلى دورها الطبيعي. الرهبان في أديرتهم والكهان في كنائسهم. المشايخ، ولا مشايخ في الإسلام، ليذهبوا إلى مساجدهم ولينسحبوا من الحياة العامة. الأزهر عليه أن يعود مجرد مدرسة يأتيها من يريدها لا أكثر. لا يتوجب إعطاؤه هذه المساحة التي يحتلها في مصر. يمنع كتبي، ويصادر مواقفي، وفي الختام يعلن كفري ويبيح دمي. من أين له هذه المقدرة والسلطة؟ كيف استخدم هذه السلطة؟ أو للدقة بحسب وصفه، كيف وجد سبيلا لاستخدام هذه الصلاحيات الخارجة عن مقدرته كمركز ديني؟”.

يشبه الأزهر اليوم ما كانت عليه الكنيسة الأوروبية في القرون الوسطى، برأي القمني. تُعز من تشاء وتُذل من تشاء. تنال رضا الحكم فتفرض يدك على رقاب مخالفيك. بلاد بحجم مصر تُدار شؤونها الفكرية بيد مؤسسة دينية. يقتات شعبها يأسه ليل نهار. خرجت من “الربيع العربي” بخريف ربما لا ينتهي قريباً.

تتحرك في مصر اليوم الحركة القومية المصرية بقوة؛ رفض واضح لكل عربي. قد تكون آخر موجات انحسار التيار القومي العربي هناك. ربما تكون شكلاً من أشكال الانغلاق على الذات؛ عدد كبير من تلامذة القمني يحملون أسماء على صفحات التواصل الإجتماعي مثل “مسلم فرعوني”، “مصري وافتخر”. بالطبع هذه ليست وليدة اليوم ولن تنتهي عند هذا الحد. وحتى القمني نفسه اعتبر أن الأزهر في مصر “آخر قلاع الاحتلال العربي”.

إذًا في مشهد مرتبك كهذا كيف يكون الحل؟ فرض العلمانية برأي القمني هو الحل. يؤكد أنها جربت في أكثر من بلد ونجحت. “اختلفت التجربة باختلاف السوية الثقافية والأخلاقية لكل بلد، ولكنها الحل من كل بد. العلم يحاول إخبارك الحقيقة ولكنه لا يفرضها عليك. العلمانية كالعلم تمنع فرض الأديان والأيديولوجيات بقوة السلطة. العلمانية تجرد النظام من مقدرته على قمع الحريات. كيف للقمني أن يطبق حلوله في بلاد يقول عنها “دولة ترقص على جثث المثقفين. بلاد مازالت في عصر المماليك”. هو لا يعرف السبيل.

لذلك كلّه طالب القمني خلال تداعٍ حر للأفكار في محاضرته الأخيرة في بروكسل باستعمار جديد يعيد الثقافة لشوارع مصر؛ “لم تنهض مصر إلا عندما دخلها الفرنسيون أيام محمد علي. لم نعرف المواطنة إلا مع الاستعمار الإنكليزي. مدارس الإرساليات خرجت كبار المفكرين المصريين”. هذا كان قوله الغاضب والمطالب بإيجاد حل لما وصلت إليه البلاد.

رغم السوداوية التي تحدث بها القمني، فإنه يرى أن ما يجري اليوم من قبل الأزهر ليس “إلا حرباً تشهد أيامها الأخيرة. ما يفعله رجال الدين هو تعبير عن هشاشة ما هم عليه اليوم. أنا على أرض صلبة. أما هم فلا أرض تحملهم. لذلك أصدروا بحقي بعد لقائي التلفزيوني مع يوسف الحسيني بياناً تكفيرياً بل وتحريضاً على قتلي. أنا مستعد لهذا الموت وأطلبه”.

أنا كافر

يشكو القمني من أنه متهم بالكفر والردة، إذاً “أنا كافر”، يقول في محاضراته التي عقدها بعد بيان الأزهر “أنا أعلن للعالم بأني كافر، كافر بالأسطورة والخرافة، كافر بما يفعله رجال الدين باسم الدين، كافر بزواج القاصرات، كافر بالرق وفقه الرق، كافر بازدراء العلم ويتوجب أن نحاكمهم بتهمة ازدراء العلم، كافر بوجود الجن ومنكر له، كافر لأني مسلم صحيح الإسلام؛ أنا حججت بيت الله الحرام مرتين”.

الأزهر يصدر ما سماه "تقريرا علميا"، يقدمه الشيخ أحمد الطيب إلى محكمة القضاء الإداري التي تنظر في الدعوى المرفوعة ضد القمني بتهمة "التحريف والتطاول على الإسلام والكذب في ما أورده عن الصحابة وأمهات المؤمنين"

يوصي القمني الحضور في كل محاضرة بأن يتابعوا المسيرة وأنه لم يبق له الكثير من العمر، سيصرفه في محاربة الأزهر، الأزهر الذي تخرج منه والده محمود القمني، لكنه عمل في بيع القماش. فلما سأله سبب تركه للدعوة والعمل في بيع القماش، حدثه والده عن قول أبي حنيفة النعمان بضرورة العمل المجاني في الأمور العظيمة كالدعوة إلى الإسلام. لذا قرر والد القمني أن يعمل ويأكل من عرق جبينه ويصرف على دعوته. إذًا هو ليس ببعيد عن عالم الأزهر، وهو يعتمد كتب الأزهر في أبحاثه ودراسته. السبب في هذا الاعتماد هو كي يكون نقده مبنياً على قولهم وما توافقوا عليه.

“الكافر” هذا هو سيد محمود القمني، الذي ولد عام 1947 في مدينة الواسطى في محافظة بني سويف. بدأ يبحث في الشأن الإسلامي عقب نكسة العام 1967 عندما سقط الحلم العربي الناصري. البحث كان عن كيفية بناء دولة حديثة. هذا البحث قاده إلى دراسة الإسلام تفصيلا والموروث الديني، فكتب “الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية”، حلل فيه بنية الدولة الإسلامية كحركة بشرية طبيعية لا لكونها حركة دينية.

كما صدرت للقمني كتب “أهل الدين والديمقراطية، والجماعات الإسلامية رؤية من الداخل، والإسلاميات، والإسرائيليات، وإسرائيل، والثورة التاريخ التضليل، وقصة الخلق، والنبي موسى وآخر أيام تل العمارنة، وحروب دولة الرسول، والنبي إبراهيم والتاريخ المجهول، والسؤال الأخير”. القمني ليس وحيدا في ساحة “ازدراء الأديان” فقد طالت هذه التهمة خلال السنوات القليلة الأخيرة عدداً من الشخصيات المثقفة، منهم إسلام بحيري بتهمة “تشويه الرموز الدينية والأئمة وكبار العلماء”. قبله كانت المخرجة إيناس الدغيدي.

وأيضا الكاتبة والمفكرة نوال السعداوي، والفنان عادل إمام، ورجل الأعمال نجيب ساويروس، والمفكر الراحل نصر حامد أبوزيد. وآخرهم كان القمني الذي أصدر بحقه الأزهر ما أطلق عليه “تقرير علمي” قدمه الشيخ أحمد الطيب إلى محكمة القضاء الإداري التي تنظر الدعوى المرفوعة ضد القمني بتهمة “التحريف والتطاول على الإسلام والكذب فيما أورده عن الصحابة وأمهات المؤمنين” في مؤلفاته التي نال عنها جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية العام الماضي.

هذا التقرير يدعم موقف الداعية الشيخ يوسف البدري والمحامي ثروت الخرباوي ضد وزير الثقافة وشيخ الأزهر اللذين يطالبان في دعواهما بمنع نشر كتب القمني، وسحب جائزة الدولة منه. إذًا هي حرب حقيقية ضد الحرية في الاعتقاد، بحسب رأي القمني ومن يوافقه. هي حرب للدفاع عن المقدسات بحسب أهل المعسكر الآخر، بانتظار النتائج على أمل ألا تكون كتجربة فرج فودة، إنما كتجربة القمني الأولى منذ ثمانية عشر عاماً، عندما أقرّ القاضي بأن هذا الأمر لا يجب أن ينظر في القضاء.

12