سيد حجاب مغنيا للبسطاء في وجه السياسيين

السبت 2015/04/11
شاعر مصري عرف الفصام الفكري عن كثب فاختار الجمال بديلا

كثيرون من شعراء العامية في مصر من جيل السبعينات والأجيال اللاحقة يعتبرون تجربة سيد حجاب، واحدة من أهم التجارب التي فتحت باب التجديد في نص العامية المصرية، فقد شهد قوس تلك القصيدة انغلاقا صعبا بعد تجارب مؤثرة ورائدة، بدأت بتجربة بيرم التونسي، ثم فؤاد حداد، وصلاح جاهين مرورا بالشاعر عبدالرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم.

الخلاص من براثن الإخوان

كان حجاب من بين أكثر أبناء جيل الستينات ثقافة وارتباطا بالحراك السياسي، عبر اعتناقه الماركسية في سنّ مبكرة، بعد تجربة مريرة في صباه الباكر مع تنظيم الإخوان المسلمين، وقد كانت نشأة حجاب في قرية المطرية المجاورة لبحيرة المنزلة بمحافظة البحيرة، شمال مصر، لها تأثيرات كبيرة على مسارات حياته، فهي قرية صيادين يمثل الغناء زادا لهم، في الوقت نفسه ينحدر حجاب من أسرة متوسطة، حيث تعلم الأب في الأزهر، ورغم أنه لم يكمل تعليمه لكن كان له الفضل الأكبر في توجيه الشاعر، حسب ما يكشف في أكثر من شهادة له، وكانت لدى الأب مكتبة ضخمة استطاع الابن أن يطالع عبرها عيون الأدب العربي، من الأغاني للأصفهاني وأعمال المنفلوطي والحكيم والمازني وعباس العقاد ونجيب محفوظ، وحتى أمهات الكتب في العصر الحديث.

كانت أول قصيدة كتبها سيد حجاب في حياته بمناسبة ضرب بورسعيد، ولم يتجاوز عمره أحد عشر عاما، عقب مظاهرة مدرسية لشهيد من أبناء المرحلة هو نبيل منصور، وكان طفلا، دخل مع مجموعة مع الفدائيين إلى أحد المعسكرات لحرقه فأطلقوا عليهم الرصاص، واستمر حجاب لفترة طويلة يكتب بالفصحى ويقرض الشعر العمودي.

في سن مبكرة التحق بصفوف الإخوان المسلمين، وكان ضمن أشبال الدعاة وكان أحد المتميزين بين أقرانه، يلقي خطبه شعرا، ثم انتقل إلى حزب مصر الفتاة، على إثر حادثة أخلاقية اعترف بها حجاب عندما قال في إحدى شهاداته المدونة: حدث ذلك في أحد المعسكرات التي كان يقوم بها الإخوان في بورسعيد، حاول أحد الإخوان اغتصابي، بالإضافة إلى انزعاجي الشديد من اعتراض الإخوان على الجلاء.

وقال حجاب إنه انتقل بعد ذلك إلى الإسكندرية لاستكمال دراسته وكان في السادسة عشرة من عمره ، ثم التحق بمنظمات شبابية أنشأتها ثورة يوليو، وحدث في أعماقه نوع من التلاقي مع الناصرية، ثم التحق بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية عام 1956 وعاش أياما خصبة وسط النشاط الطلابي، فتعرف لأول مرة على شعر صلاح جاهين عبر ديوان “موال عشان القتال” وكذلك ديوان فؤاد العنتيل الذي قدمه لأول مرة في مجلة كان يصدرها يوسف السباعي هي مجلة “الرسالة”.

الشاعر وصاحب الخيال البديع يبدأ حياته إخوانيا لينتهي شيوعيا بعد أن انحاز لذوق العامة وترك الهندسة من أجل عيون الفن

حجاب وطريق الشعر

بعد الإسكندرية انتقل حجاب إلى القاهرة ليختار طريق الشعر، رغم أنه كان لم يزل في عامه الدراسي الأول بالجامعة، معللا ذلك بأنه كان سبب انتقاله من قسم العمارة إلى قسم المناجم، حتى يتمكن بعد التخرج من العمل بالصحراء لمدة طويلة تمكنه من القراءة وتثقيف نفسه.

لذلك قرر ألا ينشر شيئا من شعره إلا بعد تحقيق النضج الفني الذي يرضى عنه، غير أنه فوجئ بأن أحد أصدقائه أرسل شعره إلى المذيعة سميرة الكيلاني، وفوجئ بالناقد محمد مندور يتحدث عن تجربته ويتغزل في قصائده، ويمتدح معرفته بالأشكال الشعرية المختلفة، وصف حجاب هذا الموقف بأنه أحد أكبر المواقف المؤثرة في حياته، لما كان للناقد محمد مندور من مكانة مرموقة لا تطال في ذلك الوقت، بعد ذلك نشر بعض القصائد في مجلة الشعر التي كان يختار القصائد فيها عبدالقادر القط، ويترأس تحريرها سعدالدين وهبة.

على صعيد العمل السياسي كان سيد حجاب قد انضم لتنظيم يسمى “وحدة الشيوعيين”، ويضم عددا من الخارجين على حركة “حدتو” (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) بسبب قراءاتهم لثورة أكتوبر.

قرأ حجاب أدبيات التنظيم وأعجب بها وكان المسؤول عنه تنظيميا في ذلك الوقت كل من علي الجنجيهي وحمدي قنديل ومحمد العزبي.

استطاع حجاب إقناع عدد من الأسماء المهمة، مثل سيد خميس الذي كان له دور كبير في التبشير بعدد من الأسماء اللافتة مثل صلاح عيسي وعبدالرحمن الأبنودي، وكان شعار التنظيم التكتيكي هو الديمقراطية، وتم تشكيل لجان ديمقراطية بعيدة عن التنظيم لتتمكن من تجنيد أعداد أكبر.

اعتقل سيد حجاب عام 1966 بعد أن بدأ المشاركة الفعلية في الحياة العامة، وفي العام نفسه تم إلقاء القبض على جماعة وحدة تنظيم الشيوعيين وجماعة الطليعة الشعبية، ورفض التنظيمان إعلان حل الأحزاب الشيوعية فاعتقل أعضاؤهما.

من الملاحظات العميقة التي رصدها حجاب في سلوك التنظيم السياسي وقتها أنه في الوقت الذي كان يقرأ فيه وزملاؤه قراءات يسارية، كانوا يسلكون سلوكا يمينيا، حيث تعاملوا مع الواقع باعتباره واقعا ديمقراطيا وبمجرد أن كشفوا عن أنفسهم تم القبض عليهم.

الموسيقار بليغ حمدي لحّن عددا من قصائد سيد حجاب وحوّلها إلى أغنيات لعلي الحجار وسميرة بن سعيد وعفاف راضي، ليكتب حجاب بعدها لمحمد منير في بداياته أغنية "آه يا بلاد يا غريبة" في أول ألبوم له، تلتها أغنيات عديدة عاشت في ذاكرة المصريين والعرب

اعترف سيد حجاب أنه ليس موهوبا في العمل السياسي، لذلك رفض العمل في جميع الأحزاب وظل شاعرا، واعتبر أن الشعر مدخله إلى كل شيء، وتعلق بالمسرح وقرأ كل تراثه الحديث والقديم في مصر، وكان رأيه أن المسرح المصري ظل مسرحا للطبقة الوسطى ولم يتحول إلى مسرح شعبي، ومع ذلك اعترف أن هناك محاولات عبقرية لمحمود دياب ويوسف إدريس لكنها ظلت شقشقة مثقفين.

بعد ذلك سافر سيد حجاب إلى أوروبا، وأقام عامين ونصف العام فتعرف على المسرح الأوروبي، وكانت ستينات القرن الماضي حقبة الشباب، سواء كان ذلك عبر ربيع براغ أو عبر ثورة 1968 وغيرهما.

ورأى أن هذا الحراك الذي عكس عدم ثقة الشعوب في أنظمتها دفع الفكرة المسرحية إلى التغيير، لذلك عندما عاد من أوروبا إلى مصر كوّن مجموعة كان ينشد أن يقدم عبرها مسرحا مختلفا.

قرر حجاب احتراف الكتابة وأن يعيش من الأدب لكنه بعد العودة كانت قد تقطعت الأواصر مع التلفزيون، بسبب تهمة الشيوعية اللصيقة به، وظل لسنوات يحاول إعادة علاقته بالتلفزيون.

ومنذ أن صدر ديوانه الأول “صياد وجنية” استقبل بحفاوة واسعة علي كل المستويات النخبوية، لكنه فوجئ بأن أهله الذين كتب من أجلهم هذا الديوان لم يقرؤوه، فشعر بالقلق والضلال واتجه فورا إلى الإذاعة الأوسع انتشارا، وقدّم أول برنامج إذاعي مع الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، باسم “بعد التحية والسلام” ثم اتسع تعاونه مع الإذاعة والتليفزيون، وبدأ يتعرض لمحاكمات من اليسار القديم بتهمة خيانة قضيته وتمّ اتهامه بأنه ترك الشعر لصالح الغناء.

لا ينكر حجاب فضل أساتذته عليه، حيث كان أولهم والده الذي علمه أن السليقة أو الفطرة الشعرية لا بد أن يصقلها الدرس ويأتي بعد ذلك دور أستاذ الرسم المثقف والفنان شحاتة سليم الذي نبّهه إلى علاقة الشعر بالحياة، والثالث محمد مندور الذي علّمه العديد من الدروس، فقد علّمه أن يعيش ثقافته، أي كيف تكون الثقافة نمط حياة وليست واجهة للمثقف فحسب.

أما الرابع فهو صلاح جاهين الذي كانت فرحته بميلاد شاعر كسيد حجاب كبيرة، وقد قدمه في مجلة “صباح الخير” بحفاوة منقطعة النظير، ثم حسن فهمي والد الفنانة فريدة فهمي.

تعرف سيد حجاب عبر شقته التي كان يملكها بشارع الشيخ ريحان بوسط القاهرة، على إبراهيم منصور ومصطفي الحسيني، وكان ذلك بعد نكسة يونيو 1967، حيث كان الجميع ينطلق بعد هزيمة الجيش المصري من مفهوم واحد هو أن الثقافة حائط الصد الأخير، فصدرت مجلة “غاليري 68″ ثم جاءت مجموعة أخرى حاولت أن تشد المجلة إلى العمل السياسي بمعناه الأيديولوجي، لاسيما اليساري فخرجت تلك المجموعة من المجلة.

قبل ثورة 25 يناير كان حجاب يرى أن مصر في وضع انقلابي فالأجواء السياسية ليست مؤهلة لثورة والقوى الحاكمة ليست مؤهلة للحكم بالسليقة والحكومة ليست مؤهلة أن تحكم كالسابق

عمل سيد حجاب في مجلة الشباب، مع أحمد بهجت، وقام فيها بدور عميق ومؤثر في تعريف مصر كلها بجيل السبعينات الذي أفرز فيما بعد جماعتي أصوات وإضاءة، وبعد أن جاء مفيد فوزي إلى المجلة قدم حجاب وزملاؤه استقالة جماعية فأغلقت المجلة.

كان سيد حجاب قبل ثورة 25 يناير يرى أن مصر في وضع انقلابي، فالأجواء السياسية ليست مؤهلة لثورة، والقوى الحاكمة ليست مؤهلة للحكم بالسليقة، والحكومة ليست مؤهلة أن تحكم كالسابق، لذلك رأى أن هذا الوضع هو الملائم للانقلابات.

الثورة الوطنية

من كان يحكم مصر ينتمي لفصيل الرأسمالية غير الوطنية المرتبطة بالرأسمالية الدولية، وهو أحدث شكل للاستعمار، في المقابل فإن الشكل المطروح للشعوب هو الثورة الوطنية، ومصر تحولت مع ثورة يوليو 1952 إلى دولة مختلفة، عبر الرأسمالية الوطنية، ثم قاد الرئيس الراحل أنور السادات الثورة المضادة، والتي انتهت إلى رأسمالية ملحقة بالرأسمالية الأجنبية في ظل عدم وجود قوى سياسية شعبية.

أما الطبقة المتوسطة، في رأي سيد حجاب، فهي طبقة منوط بها أن تخلق ثقافة وطنية، وأن تؤسس لدولة حديثة أو دولة المواطنة ولم تفعل ذلك.

غير أن نبوءة الشاعر اختلفت قليلا فبدلا من الانقلاب الذي توقعه وقعت الثورة الشعبية، وكان حجاب من أوائل مؤيديها، ولازال مستمرا في تأييدها، ورغم أن حجاب كان من المناهضين لحكم الإخوان المسلمين، إلا أن تأييده للنظام الحالي يظل مشروطا بتحقيق الكثير من الأمنيات، خاصة قضايا الحريات والعدالة الاجتماعية.

يعتبر سيد حجاب واحدا من الشعراء الذين ساهموا في صياغة الوجدان الشعبي المصري منذ ستينات القرن الماضي، فعندما دخلت مئات الأغاني لكبار المطربين، مثل عفاف راضي وعبد المنعم مدلولي وصفاء أبو السعود، ثم كتب العديد من الأغاني لفريق الأصدقاء في ألبومها، ثم أتبعه بألبومين هما “أطفال أطفال” و”سوسة”.

بعدها لحن له بليغ حمدي أغنيات لعلي الحجار وسميرة سعيد وعفاف راضى، وقدم معه الحجار “تجيش نعيش” وكتب لمحمد منير في بداياته أغنية “آه يا بلاد يا غريبة” في أول ألبوم له، ثم أربع أغنيات في ألبومه الثاني، ثم كتب أشعار العديد من الفوازير لشريهان وغيرها بجانب الكثير من تترات الأعمال الدرامية شديدة التميز لمسلسلات مختلفة.

13