سيد قطب.. تفكيك الأسطورة

الاثنين 2014/01/06
زينب الغزالي سفيرة سيد قطب تحضر محاكمته

في مسألة الألقاب يتساوى مجدِّدٌ مثل الشيخ محمد عبده مع مرشد ألهم القتلة بالاغتيالات، وزين للملك سوء عمله فرآه حسنا. كلاهما نال لقب “الإمام”. وفي حين ترك «الإمام» محمد عبده رصيدا من الاجتهاد، وألهمت أفكاره رجلا بقامة قاسم أمين، لم يترك حسن البنا ذكرى إلا الدم، وزيادة في التضليل منحه أتباعه لقب “الشهيد”، فتفوق على الإمام محمد عبده.

لعل سيد قطب، الذي لم تمنحه ثورة يوليو ما كان ينتظره من مكانة، أراد التفوق على حسن البنا، فذهب بعيدا متسلحا بما يملكه من قوة البيان، وكان قبل انضمامه إلى الإخوان يداعب أخاه محمد قطب، فيسأله حين يعود من اجتماعات الإخوان: «إزاي الحسن الصباح بتاعكم؟»

منذ الثالثة عشرة، واظبت على قراءة مجلة «الدعوة»، الناطقة باسم جماعة الإخوان، وخجلت من جاهليتي، فيها قرأت لسيد قطب: «نحن الآن في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم. عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم…»، وهي سطور من كتابه الشهير «معالم في الطريق»، منهاج الإخوان في وطن لا يعترفون به، إذ قال لهم سيدهم قطبهم: «وطن المسلم الذي يحن إليه ويدفع عنه ليس قطعة أرض… إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست شيئا آخر على الإطلاق… إنها ليست معركة سياسية ولا اقتصادية… لو كانت شيئا من هذا لسهل وقفها، وسهل حل إشكالها ولكنها في صميمها معركة عقيدة، إما كفر وإما إيمان.. إما جاهلية وإما إسلام».

في ما بعد سأقرأ لحسام تمام، الباحث النبيل، كيف اتهم الإخوان عبد المنعم أبو الفتوح «في عقيدته حين زار نجيب محفوظ وطالبه بإعادة نشر رواية «أولاد حارتنا»، بحيث اعتبروا ذلك خروجا على العقيدة، وخطب عبد الستار فتح الله سعيد في مسجد إخواني يتهمه في عقيدته. بل انتقدوه بسبب نقده لأفكار سيد قطب في شكل تعاضد سلفي قطبي للدفاع عن فكر سيد قطب».

كان سيد قطب حادا ومتطرفا في دعمه الكامل للضباط، إلى درجة لا تدانيها، في فترة لاحقة، إلا حدته وتطرفه في معاداتهم، والانتقال من تسويق «الثورة» إلى التبشير بحلم «الخلافة»، إلا أنه كان يريد رأس جمال عبد الناصر وحده.

في سنوات الضلال، كبرت معي أسطورة سيد قطب، وتخيلته رجلا ربانيا قادما من زمن الصحابة، يشق غبار أيامنا بفرس لا ينزل عنه، وسيف يتحدى به الطغيان، ولا يكذب فالمؤمن لا يكذب، قبل أن يسجل تلميذه في التنظيم السري علي عشماوي شيئا آخر.

لم تتحطم الأسطورة بأول كتاب قرأته له في عامي الجامعي الأول، وأعجبني قوله: «وكلما ولد أديب عظيم ولد معه كون عظيم، لأنه سيترك للإنسانية في أدبه نموذجا من الكون لم يسبق أن رآه إنسان». طمأنني كتاب قطب «النقد الأدبي.. أصوله ومناهجه» أنني لست على ضلال، لا أنا ولا أصدقائي كتاب القصة القصيرة ممن يخطون خطواتهم الأولى، باحثين عن اعتراف مصدره نقاد اليسار ومجلاتهم.

يثبت هذا الرجل أن الأعنف في الماركسية أو غيرها من الأيديولوجيات سيحمل عنفه معه لو أصبح إسلامجيا. لم ينتظر سيد قطب كثيرا ليتأمل المشهد بعد 23 يوليو 1952؛ إذ زايد على الضباط أنفسهم، وكتب في 8 أغسطس 1952 يحذرهم أن يعودوا إلى الثكنات، ولا يتركوا «الميدان لرجال السياسة»، وبعد أسبوع كتب معلقا على أحداث عنف في شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة كفر الدور (12 و13 أغسطس)، ورآها حوادث مصطنعة: «ولكن هذا لا يخيفنا.

لقد كسبنا المعركة من غير شك وكان أمر الله مفعولا… لقد أطلع الشيطان قرنيه. فلنضرب. لنضرب بقوة. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب». وقضت محكمة عسكرية بإعدام العاملين الشابين مصطفي محمد خميس ومحمد حسن البقري.
محاكمة قطب وعدد من جماعته

كان سيد قطب حادا ومتطرفا في دعمه الكامل للضباط، إلى درجة لا تدانيها، في فترة لاحقة، إلا حدته وتطرفه في معاداتهم، والانتقال من تسويق «الثورة» إلى التبشير بحلم “الخلافة”، إلا أنه كان يريد رأس جمال عبد الناصر وحده.

ففي كتابه «التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين» يقول علي عشماوي: «اعترض الأستاذ سيد قطب على اغتيال شخصيات أخرى غير جمال عبد الناصر، مثل المشير (عبد الحكيم عامر) مثلا». كان عشماوي مسؤولا عن شؤون تسليح وتدريب أعضاء التنظيم السري في القاهرة والمحافظات، حيث تم اختيار بعض أعضاء الجماعة من خريجي قسم الكيمياء بكلية الهندسة، لعمل «أبحاث في صناعة المفرقعات… تحت إشرافي مباشرة»، واشتروا أسلحة وقنابل يدوية من طنطا عن طريق «الأخ أحمد سلام، وكانت له علاقة بالجيش»، واستعانوا بكتب خاصة بصناعة المفرقعات، حتى إنه لجأ «إلى مكتبة السفارة الأميركية للبحث عن هذه الكتب، ووجدت بعضها ونقلت منها بعض الموضوعات»، وخصوصا صناعة مادة «تي. إن. تي».

ويشرح كيف أن أحد أعضاء التنظيم، ضمن مجموعة تعمل في لجنة الطاقة الذرية في أنشاص، صنعوا مواد شديدة الانفجار، باستخدام نيترات الأمونيوم مع السولار، «وكانت تحت أيديهم الإمكانات الخاصة بالأفران»، وتمت تجربة «العينات» في محاجر منطقة أبو رواش في الجيزة، بوضع «العبوة» تحت حجر ضخم، حجمه ثمانية أمتار، فتحول إلى «بودرة… كانت النتيجة مذهلة وغريبة جدا».

ويروي عشماوي أيضا أن «سفيرة سيد قطب» الحاجة زينب الغزالي أبلغته أن حميدة قطب تريد أن تراه. ثم أخبرته حميدة قطب أنها تحمل له رسالة من أخيها سيد قطب يقول فيها: «أنا لا أريد زوبعة في فنجان، إذا كنتم قادرين على تنفيذ عمل ضخم يهز أركان البلد فافعلوا، وإن لم تكونوا على مقدرة بذلك فالغوا جميع الأوامر والخطط المتفق عليها».

في عام 1965 سيراجع علي عشماوي الأمر كله، أمر الجماعة وسيد قطب نفسه، حين يكلفه «الشهيد» بتسلم شحنة سلاح ونقلها وتخزينها، ثم ينفي «الشهيد» أنه كلفه، فذهب عشماوي بصحبة آخرين إلى بيت قطب الذي حاول أن يقنعهم بأن عشماوي فهم خطأ، وعلى غير عادة «الشهيد» ظل طول الغداء يلقي نكات ودعابات لتخفيف التوتر، «ولم أستجب لمثل تلك المحاولات وشكرته… في هذا اليوم صممت على أن أنسحب من الأمر كله… بعد استعراض لكل العمر الذي ضيعته مع الجماعة، والذي رأيته ينكسر في لحظة واحدة بعد إحساسي بأن أحد القادة والمفكرين والزعماء يمكن أن يرجع في قولته بهذه السهولة، وكيف نلقي بأنفسنا وأقدارنا، وكل شيء في حياتنا بين يدي فرد، وتساءلت بيني وبين نفسي: لماذا أعطي نفسي لأي فرد وأوقف عقلي وإرادتي، وأسلبها طواعية، وأعطي قيادي لشخص آخر دون سبب مفهوم، وتكون النهاية مثل ذلك وأشد.

يكتب عشماوي عن سيد قطب بكل إكبار، واسمه دائما مسبوق بلقب «الأستاذ» ولكنه لا ينسى أن يسجل كيف أصابه سيد قطب «بإحباط شديد وخيبة أمل كبيرة... سقط في نظري». ربما يحتاج كل من تلقى تربية إخوانية عنصرية إلى مثل هذه الصدمة ليفيق!

كانت هذه هي حال الجميع في قيادات الإخوان، ولا أقول إنه سيد قطب فقط.. كان بعض قادة الإخوان إذا أردنا أن نفعل ما هو مطلوب منا لا نفعله إلا حسب تقديراتهم، وإذا فعلنا غير ذلك فإنهم يصلون لحد الشطط الكامل في إبلاغ البوليس عنا».

يكتب عشماوي عن سيد قطب بكل إكبار، واسمه دائما مسبوق بلقب «الأستاذ» ولكنه لا ينسى أن يسجل كيف أصابه سيد قطب «بإحباط شديد وخيبة أمل كبيرة… سقط في نظري». ويقول: «وجاء وقت صلاة الجمعة، فقلت له: دعنا نقم ونصلي. وكانت المفاجأة أن علمت- ولأول مرة- أنه لا يصلي الجمعة، وقال إنه يرى- فقهيا- أن صلاة الجمعة تسقط إذا سقطت الخلافة، وأنه لا جمعة إلا بخلافة. وكان هذا الرأي غريبا علي، ولكني قبلته لأنه- فيما أحسب- أعلم مني. في هذا اليوم صممت على أن أنسحب من الأمر كله». ربما يحتاج كل من تلقى تربية إخوانية عنصرية إلى مثل هذه الصدمة ليفيق.

13