سيرة الإهداءات

الأحد 2017/08/13

وأنا أعيد ترتيب مكتبتي شدتني كثيرا بعض كلمات الإهداءات التي خطها لي كتاب وشعراء من العالم أجمع على نسخ من بعض مؤلفاتهم . شدني إهداء بهي من الشاعر أدونيس كما شدني إهداء آخر من الشاعر محمد بنطلحة. وهما معا من بين أحب الشعراء إليّ. الأول يعتبرني أخا في الشعر والثاني يثق في موهبتي الشعرية كما في باقي مواهبي العديدة الأخرى على حد قوله. هكذا بقيتُ أتأمل سحر هذه الكلمات المكتوبة على ديوان كل واحد منهما، وأنا أسعى إلى ترتيب مكتبتي. وبدل أن أكمل ما بدأتُ فيه جلست على كرسي كان بالقرب مني وشرعت في إعادة قراءة هذين الديوانين.

فقد جعلني هذا الإهداء المبثوث على صفحتيهما أندفع في إعادة القراءة لهما كأنني أكتشفهما لأول مرة. كان الديوان الأول للشاعر أدونيس وهو ديوان “أبجدية ثانية” وكان الديوان الثاني للشاعر محمد بنطلحة وهو ديوان” غيمة أو حجر”. ومن جميل الصدف أن أدونيس معجب بشعر محمد بنطلحة ضمن مجموعة من الشعراء العرب الذين يتابع إنتاجاتهم الشعرية كما أشار إلى ذلك في كتابه “موسيقى الحوت الأزرق” كما أن محمد بنطلحة معجب بشعر أدونيس ومتابع له.

هكذا وجدت فيما كتبته لي الشاعر أدونيس في إهدائه الذي خطه لي هذه الكلمات الجميلة التي تعلن ما يلي “إلى نورالدين محقق شاعرا، صديقا في الشعر، مع عميق تقديري ومودتي”. كما وجدت فيما كتبه الشاعر محمد بنطلحة وهو يهدي لي ديوانه هذه الكلمات البهية “أخي وصديقي الشاعر الرائع: نورالدين محقق.. إنني أثق كثيرا في شاعريتك وفي مواهبك العديدة.. مع محبتي وتقديري”.

إن عملية الإهداءات تشكل نصوصا صغيرة موازية قبل الولوج إلى قراءة الكتاب. فهي تعتبر عتبة نصية خاصة للذي أُهديت إليه. إنها تجعله يغوص في عالم الكتاب الموجودة فيه، وبالتالي فهو يعتبره هدية خاصة له وحده. هكذا يقرأُ الكِتابَ من منظوره الذاتي ويتواصل معه بمحبة كبرى. وقد خصصت دراسات نقدية أساسية لتفكيك كثير من هذه الإهداءات وتوضيح أهميتها بالنسبة إلى عملية التلقي الذاتي والموضوعي معا. وهو ما يجعل منها نصوصا صعبة الكتابة ولا يستطيع ممارستها بفنية متميزة إلا كبار المبدعين. وذلك لكونهم يعرفون قيمتها التداولية وامتداداتها في التاريخ الأدبي الموازي لا سيما حين تكتب لكتاب مثلهم يتقاسمون معهم فضاء المجال الثقافي العام.

هكذا نجد الكثير من الكتاب سواء في الغرب أو في الشرق يتفننون في كتابة الإهداءات الخاصة بأصدقائهم من الكتاب أو القراء العاديين وينوّعون في عملية كتاباتها حتى وهم يعلمون بأنها لم تعد في ملكيتهم وإنما امتدت إلى ملكية الذين كُتبت لهم. وطبعا فحرصهم الثقافي هذا يأتي من كونهم يشعرون بالقيمة الرمزية لمثل هذه الإهداءات وللحظات الجميلة التي تؤرخ لها.

ذات مرة وجدت كتابا لي يُباع في معرض للكتاب القديم والمستعمل، فقمتُ بعملية شرائه لأنني لم أعد أتوفر على أيّ نسخة منه. وقد فوجئت بأن الكتاب يحتوي على كلمات إهداء لي لأحد القراء. ساءني الأمر في البداية. لكن ما خفّف هذا الأمر عليذ هو كوني قد وجدت بعض الكتب الأخرى تحمل إهداءات من كتاب آخرين لبعض القراء، وهي تباع في هذا المعرض أيضا.

إن الكِتاب حين يكون مزينا بتوقيع مؤلفه تتضاعف أهميته في نظر عشاق الكتب والمولعين باقتنائها، لأن هذا التوقيع الشخصي للمؤلف يمنح للكتاب حياة متجددة باستمرار. وتزدادُ أهمية هذا التوقيع مع مرور الزمن، لا سيما حين يكون الكتاب قد حقق نجاحا ملحوظا أو يكون صاحبه ضمن الكتّاب اللامعين في ميدان الكتابة.

الآن، ومع هذا التطور الهائل للمجال الإلكتروني بدأ العديد من القراء يقومون بتصوير هذه الإهداءات الموجهة إليهم من لدن الكتاب الذين اقتنوا مؤلفاتهم ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعية وهو أمر يشجّع على عملية التلقي.

كاتب من المغرب

15