سيرة الفن السابع يرويها محمد خان في"مخرج على الطريق"

يبدو أنّ مفهوم السيرة الذاتيّة الذي وضعه منظروه كفيليب لوجون وجورج ماي تجاوز دائرة النوع إلى أشكال جديدة تقع على ذات الدائرة، وتتخذ من دائرة الذّات نقطة مفصلية للبوح، لكن مع اختلاف القالب أو الشكل المصاغة فيه السيرة، فلم تعد الذات تجترّ نفسها عبر اليوميات أو السيرة الذاتية الصرفة، وإنما اتجهت إلى الرواية وأخيرا إلى المقالة التي يمكن أن توصف بالسيرية.
الأربعاء 2016/04/13
نقطة مفصلية للبوح

يقدّم المخرج السينمائي محمد خان في كتابه «مخرج على الطريق» تجربة جديدة في اجترار الذّات عبر المقالات التي كان يكتبها بالعنوان نفسه «مخرج على الطريق» في جرائد مختلفة، حيث يطرح الكاتب ذكرياته عن الواقع السينمائي المحليّ والعالميّ مُتتبعا أهم العروض السّينمائية والمهرجانات العالمية وكذلك المسابقات، فيقدّم تجربة ثرية على المستوى الفنيّ والعمليّ، تعكس أوّل ما تعكس مُتابعة دقيقة لمجريات هذه الصناعة في مصر والعالم العربي والغربي أيضا.

في الكتاب الصّادر مؤخّرا عن الكتب خان، إن محمد خان في مقالاته التي رتّبها حسب السنوات التي كُتبت فيها، وغطت مساحة زمنية منذ عام 1992 وصولا إلى عام 2014، لا يقف عند ذاته أو أفلامه التي يضع لها مساحة يتتبع خلالها ظروف العمل منذ أن كان فكرة، مرورا بكافة الإعدادات التي تسبق مرحلة التحضير للفيلم، وتدخلاته التي تصل إلى الحذف والاستغناء عن مشاهد استغرق تصويرها أياما، وإنما ينشغل أيضا على الهمّ السّينمائيّ والمشاكل التي تواجه هذه الصناعة، وأيضا الصعوبات التي تعترض المخرجين أثناء العمل، كالتدخلات السّافرة من الجمهور أثناء التصوير الحيّ في الشارع، والرغبة التي لا يجد لها تفسيرا في أن يكونوا في الكادر، وهو ما سبّب له مشاكل متفاقمة مثلما حدث أثناء مشهد مطاردة محمود عبدالعزيز لسعيد صالح في فيلم «نص أرنب»، وأيضا أثناء التصوير في المترو وركوب الطفل القطار والتلويح لهم أثناء التصوير مما أفسد المشهد.

ومن المشاكل التي يركِّز عليها ما هو خاص بتقنيات حفظ وأرشفة الأشرطة السينمائية التي هي مهمة مركز الإبداع السينمائيّ الخاضع لإشراف وزارة الثقافة، وكيف أن النسخ التي تُرسل إلى المهرجانات نسخة رديئة، علاوة على ما تواجهه هذه الصناعة من مشكلات خاصّة بسياسة التسويق.

اجترار للذات

كما يمرر إلى جانب هذا أجزاء من سيرته الذاتية التي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن تجربته في السينما، فيسرب في الجزء الخاص بفيلم “أحلام هند وكاميليا” مقاطع من حياته، حيث ولد في حي غمرة عام 1942 وهو العام الذي يربطه بظهور النجم همفري بوغارت في فيلم كازابلانكا، وفي سن الثامنة انتقل إلى حي أرض شريف، ثم سنوات الدراسة والغربة في الخارج في مدرسة التقنيات السينمائية في لندن عامي 1962 و1963، ثم عمله في الشركة العامة للإنتاج السينمائي بمرتب زهيد في قسم قراءة السيناريو تحت رئاسة صلاح أبوسيف، لكنه ضاق ذرعا بالعمل خلف مكتب، فقدم استقالته بعد عام واحد من العمل، ثم يسرد عن رحلته إلى بيروت، وعمله كمساعد مخرج من 1964 إلى 1966، وهي التجربة التي وصفها بأنها كانت «فارغة من أيّ أحلام ومرصّصة بالتفاهات» ثمّ عودته إلى لندن ليواجه سنوات اليأس عقب نكسة 1967.

لا يتوانى الكاتب عن طرح آرائه في التجارب الجديدة التي ظهرت كالإعلانات التي يراها «تجربة شاقة» حيث اختزال القصة في ثواني عبر رؤية معبرة عن المضمون وهو ما يعتبره أمرا مرهقا وصعبا، ثمة ملاحظات يُبديها عن الإنتاج السينمائي لا بوصفه مخرجا وإنما بوصفه ناقدا، مثل غياب العيد في السينما العربية.

لا يغفل الكاتب أثناء الحديث عن تنفيذ مشاريعه السينمائية الدور السّلبيّ الذي لعبته التيارات المتشدِّدة على أعماله وأعمال أصدقائه السينمائيين، فيسرد وقائع ما حدث مع المخرجة كاملة أبوذكرى بالتظاهر لوقف التصوير في جامعة عين شمس اعتراضا على ملابس الأبطال أثناء تصوير مسلسل «ذات» وهي الملابس التي تتوافق مع الفترة التي تدور فيها أحداث المسلسل، وتم إيقاف التصوير رغم أخذ التصاريح اللازمة لذلك من إدارة الجامعة، التي انصاعت لأصوات الجماعات المتشدِّدة، وهو نفس ما حدث له من رفض لصاحب المصنع عند تصوير فيلمه «فتاة المصنع» في موقع المصنع، بعدما حرّض أحد المنتمين إلى هذه الجماعات صاحب العمل بتنظيم إضراب فاستجاب له، وقد تكرّر الأمر مرة ثالثة مع أحمد عبدالله أثناء تصويره فيلم «فرش وغطاء» حيث منعهم إمام المسجد من التصوير في داخل المسجد رغم حصوله على التصاريح اللازمة.

كما يسرد محمد خان فصلا مؤسفا للكتابات الصحافية ومقالات الرأي التي وقفت أمام أعماله على نحو ما حدث مع فيلم «أحلام هند وكاميليا».

15