سيرة المثقف الميليشيوي

الأربعاء 2016/10/12

المثقف الميليشيوي تنقطع علاقته بالإبداع فور جلوسه وراء طاولة رئاسة الاتحاد أو الوزارة، ومع ذلك تتزايد وتيرة منشوراته، وفجأة يكتشف النقاد عبقرية نصوصه المرفوضة سابقا من دور النشر وينال الجوائز والحظوة.

المثقف الميليشيوي، قليل الموهبة، لكنه يتربع على قمة رئاسة المؤسسات الثقافية العربية. شهرته تتحقق بعد تسلمه المنصب، وعبقريته تتفق مع جلوسه إلى طاولة الرئاسة.

فور وصوله إلى مكتبه الجديد يبدأ بتشكيل ميليشيا ثقافية، تكون جناحا “ثقافيا” للميليشيا الأم. فيقرب كتَّابا ويشرع في خوض حرب مفاصلة مع كتاب العهد الزائل. يتوهم المثقف الميليشيوي أنه صاحب سلطة ثقافية وذو بأس نقدي يخوله منح الجوائز والعطايا، ورفع فلان وخفض فلان، فتصبح أحاديثه أحكاما قطعية واتهامات بالمجان.

تنقطع علاقته بالإبداع فور جلوسه وراء طاولة رئاسة الاتحاد أو الوزارة، ومع ذلك تتزايد وتيرة منشوراته وعلى حساب المؤسسة التي يرأسها، وفجأة يكتشف النقاد عبقرية النصوص المرفوضة سابقا من دور النشر والمكدّسة في أدراجه منذ سنوات طويلة.

تمنح له الجوائز، ويخصص أحد النقاد كتابا عن سيرته يستعرض فيها محطات حياته الإبداعية ويسلط الضوء على اللفتات المتميزة لتلك السيرة، وتقوم مؤسسة شقيقة بطباعة الكتاب، وأعضاء الميليشيا بالترويج له في الصفحات الثقافية.

لا ينسى المثقف الميليشيوي إنشاء صفحة على شبكة الفيسبوك ينشر فيها تأملاته وآراءه في الحياة والفكر ويمنح من خلالها شهادات الوطنية على هذا المثقف أو ذاك، ويكون تسجيل الإعجابات أشبه بتفقد يومي للموالين، ويحاسب من لا يسجل إعجابا أو يكتب تعليقا مساندا.

ينحصر تفكيره في تشكيل الوفود لزيارة الدول الشقيقة وحصد بدلات السفر وتسجيل المواقف في المؤتمرات، ونقل تفاصيلها لأولياء نعمته في فروع الأمن ومكاتب الأحزاب الحاكمة، أملا في دعم ترشيحه لدورة قادمة.

تتزايد هواجسه كلما أمضى وقتا أطول في منصبه، فيبدأ بتركيب الكاميرات وأجهزة التقاط الصوت في مكاتب مؤسسته، حتى يتمكن من متابعة الخصوم اللاطّين وراء طاولاتهم، والمنتظرين فرصة الانقضاض عليه، وتتعمق هواجسه مع الأخبار التي يتلقاها من مخبريه وعيونه عن الخونة المنتشرين في كل مكان.

حين يصله خبر استبداله بمثقف ميليشيوي آخر، هو على الأرجح مساعده وذراعه اليمنى، لا يصدق الخبر، ويمضي في التعامل مع القرار وكأنه شائعة مغرضة، وفي هذا الوقت يحاول التواصل مع أرباب نعمته ولكن من دون فائدة، فيخلي أشياءه من المكتب في اللحظة نفسها التي يصل فيها المسؤول الجديد القادم إلى كرسي المسؤولية حاملا أغراضه.

يجلس المثقف الميليشيوي المعزول في بيته إلى جانب الهاتف منتظرا تبليغه بمنصب جديد، من دون طائل، وحين يمل يبدأ في تذكر طوابير المصفقين والمهللين وأصحاب الطلبات، والذين تخلفوا جميعا عن الاتصال به والتضامن معه، فتزداد لوعته وإحساسه بطعنات من كان يتوهّمهم أصدقاء. تقفل الصحف الكبرى الباب في وجهه، وتمتنع عن نشر مقالاته التي كانت تُذيّل بلقب المفكر والمرفقة بلقطة عبقرية للحظة تأمل.

بعد شهور لا يكاد أحد يتذكره أو يسأل عن مكانه، أو إن كان حيّا أو ميّتا، وحين يمر من أمام مقهى للمثقفين، لا أحد يلتفت إليه، فيمضي في طريقه وحيدا كسيرا مجهولا وكأنه لم يتربع يوما على هرم أعلى سلطة ثقافية في البلاد.

كاتب من سوريا

14