سيرة المخرج الذي تعلم درسه السينمائي الأول من كلب

حين نذكر المخرجين الذين صنعوا مجد السينما العالمية في القرن العشرين، فإن الياباني أكيرا كوروساوا (1910-1998) يكون واحدا منهم. ولا يقرّ بهذه الحقيقة كبار المتخصّصين في الفن السابع وحدهم، وإنما أيضا الملايين من المتابعين من جميع أنحاء العالم الذين شاهدوا روائعه مثل “راشومون” و”الساموراي السبعة”.
السبت 2017/03/04
كوروساوا نقل مأساة الإنسان على الأرض

في نهايات 2016، أصدرت منشورات المتوسط، ومقرها إيطاليا، السيرة الذاتية للمخرج الياباني الشهير أكيرا كوروساوا، والتي حملت عنوان “عرق الضفادع” في ترجمة عربية أنجزها عن اللغة البلغارية فجر يعقوب. ومن خلال هذه السيرة التي كتبت بأسلوب بديع خال من الاستطرادات الثقيلة، نتبيّن المراحل الأساسية في مسيرة هذا الفنان الكبير الذي كان عاشقا للفنون التشكيلية، وللأدب شعرا ونثرا. وهذا ما أثرى عالمه السينمائي، وغذّاه ليكون ناقلا لمأساة الإنسان على الأرض، ولقلقه الوجودي، ولهواجسه، وفواجعه في مختلف تجلياتها.

بطريقة سينمائية تكثر فيها الصور المثيرة يروي كوروساوا فصولا من طفولته. فهو يتذكر أخاه الذي يكبره بأربعة أعوام، والذي جيء به إلى البيت العائلي ذات مرة وقد لفّ رأسه بضمادة بعد أن ارتطم بالأرض أثناء حصة رياضية. وهذا الأخ هو الذي سيساعده في ما بعد على اكتشاف عالم السينما. لكنه ينتحر على طريقة الساموراي، قبل أن يكمل المشاور اعتقادا منه أنه لن يتمكن من تحقيق أحلامه السينمائية التي كانت شغله الشاغل.

في طفولته، كان كوروساوا يعشق الأفلام الكوميدية حتى أنه أطلق ذات مرة صرخة عالية داخل القاعة عندما غيروا البرنامج. ومن الأفلام التي رسخت في ذاكرته فيلم يروي قصة جماعة مهاجرة عبر أرض تغطيها الثلوج، يقودها كلب. وفي النهاية، يتعب الكلب، فتواصل تلك الجماعة رحلتها القاسية، مخلفة وراءها الكلب الذي كان يسعى للالتحاق بها. ويقول كوروساوا إنّ قلبه “كان يتقطع حزنا”. ولعل ذلك الكلب هو الذي لفت انتباهه إلى الجانب المأساوي في حياة الإنسان.

في المدرسة لم يكن كوروساوا تلميذا نبيها، بل كان يسرح بخياله أثناء الدروس. لذلك، أبعدوه عن الأطفال الآخرين، و”أعدّوا له برنامجا تدريسيا خاصا”. وكان الزلزال الرهيب الذي ضرب طوكيو في شهر سبتمبر-أيلول من عام 1923 من أكثر الأحداث التي روّعته؛ فقد دمّر ذلك الزلزال أجزاء كبيرة من العاصمة، وخلف الآلاف من القتلى والجرحى، وحول البنايات إلى خرائب ليدرك الطفل الصغير القدرة التدميرية لقوى الطبيعة، وليستجلي أيضا “الجوانب غير الجليّة في الروح الإنسانية”. كما أن الطفل الصغير تعلم من تلك الكارثة العظمى أن الإنسان عندما يواجه الأشياء المرعبة بعينين مفتوحتين فإن الخوف لن يعرف سبيلا إلى قلبه. كما تعلم أن على الإنسان أن يكون مستعدا للانتصار على الخوف.

في نهاية العشرينات من القرن الماضي، انجذب أكيرا كوروساوا إلى الحركات الشيوعية، وأصبح عضوا في “اتحاد الفنانين البروليتاريين” مكلفا بتصميم الملصقات، بل إنه انتسب إلى حركة شيوعية سرية. وكان يتنكّر في مظهره وفي لباسه ويعيش حياة بائسة أجبرته على أن يكتفي بوجبة واحدة، وأن يغتسل في حمّام عمومي. كان يقضي جلّ وقته في مقاومة البرد والجوع، وفي النهاية انعدم حماسه “الثوري” فتخلى عن تلك الحركة.

كان كوروساوا في الثالثة والعشرين من عمره عندما دخل عالم السينما بالمعنى الحقيقي للكلمة. وقد ساعده في ذلك المخرج ياماسان الذي كان يلقبه بـ”المعلم”، والذي لعب دورا أساسيا في أن ترتقي السينما اليابانية إلى المستوى العالمي. ويعترف كوروساوا بأنه تعلم من هذا المخرج “العبقري” الكثير من الأشياء الرائعة سواء في مجال الإخراج، أو في مجال كتابة السيناريو. وكان هذا “المعلم” يقول دائما “الذي يريد أن يصبح مخرجا، عليه أن يتعلم كتابة السيناريو أوّلا”.

رغم فواجع الحرب الكونية الثانية، واصل كوروساوا العمل دون كلل أو ملل. وفي عام 1944، أخرج فيلمه الروائي الأول “سنشيرو سوغاتا”، وفي نفس السنة التي انتهت فيها الحرب، أي 1945، تزوج من الممثلة يوكو ياغوشي، وأخرج فيلمه الثاني “الرجال يطؤون ذيل النمر”. وفي عام 1948، أخرج فيلم “الملاك المخمور” الذي صُنّف أفضل فيلم ياباني في السنة المذكورة. وانطلاقا من مطلع الخمسينات من القرن العشرين، أصبح أكيرا كوروساوا واحدا من أشهر المخرجين على المستوى العالمي.

في نهاية مذكراته، كتب أكيرا كوروساوا يقول “لا شيء في العالم يمكن أن يكشف المبدع مثل إبداعاته نفسها…لا شيء إطلاقا”. وكانت سيرته عاكسة لهذه الحقيقة.

17