سيرة المنسيات

في كل مرة يفاجئني الفنان السوري فادي يازجي بعدد من أعماله الجديدة أشعر أن الفن في العالم العربي لا يزال يتمتع بحضور فنانين كبار، وهو ما يبث في روحي شيئا من الأمل.
الاثنين 2020/08/10
الفن يتمرد على خالقه أحيانا (لوحة للفنان فادي يازجي)

يسبق الفنان السوري فادي يازجي مَن يكتب عن تجربته الفنية. دائما تبدو تلك الكتابة كما لو أنها تعليق على ماض تجاوزه الفنان.

يازجي لا يلتفت إلى الوراء. إنه يحلم بأشياء وكائنات ووقائع لم يعشها، غير أنه يسعى إلى التلذّذ بها باعتبارها جزءا من حياته المتخيلة. كان قد أقام لفنه حياة مجاورة، عرف أنه لا يقوى على السماح لها بالتهام حياته. استجاب لتمرّدها وسعة خيالها وصراخها المحتج بين الأفاق وهو يدرك أنها قد تتمرّد على خالقها.

يبدو يازجي هادئا، حالما ومطيعا لفنه غير أنه ليس كذلك. لديه قدرة من العصيان يستند عليها صراخه الداخلي الذي أكسب كائناته شيئا من التوحّش الذي لم يألفه في حياته اليومية.

قبل سنوات كتبت عنه كتابا بعنوان “خبز الآلهة”. لا يزال ذلك العنوان يأسرني فهو ساحر غير أن ذلك الخبز صار بالنسبة لفادي ماضيا. من وجهة نظري فإن الفنان المولع بمواده لا يترك فتاتا على المائدة. شيء من ذلك الخبز لا يزال عجينه يلوّث أصابعه برائحته.

يازجي ينصت إلى أصوات كائناته وهو يتأملها قبل أن تختفي. هي كائنات قد خُلقت من أجل فنائها. حيوية شعرية لا يمكن التنازل عنها فهي سر حياة تلك الكائنات.

يعرف الفنان أنه مفارق حياة تعيشها كائناته بعيدا عنه. هل حدثها عن الوحدة قبل أن يفارقها؟ فن يازجي هو مجموعة تحولاته الأسلوبية. ذلك صحيح. غير أن الصحيح أيضا أن ذلك الفن إنما يستمد قوته من عمق خلافاته مع نفسه. عزلته عن العالم هي مجال رثائه التصويري للعالم.

يازجي لا يصف لأنه لا يتذكّر غير أنه يشعر بالأسى لأنه ينسى. كل ما يرسمه وكل ما ينحته هو عبارة عن مرثيات لعالم يفارقه الفنان كما لو أنه لا يرغب في العودة إليه.

يازجي فنان يهب المنسيات حياة هي في أمس الحاجة إليها. في كل مرة يفاجئني فادي بعدد من أعماله الجديدة أشعر أن الفن في العالم العربي لا يزال يتمتع بحضور فنانين كبار، وهو ما يبث في روحي شيئا من الأمل.

16