سيرة بورديو التي تناقض نظريته

الأحد 2016/08/07
بورديو ذو التكوين الفلسفي بالأساس

يعتبر بورديو من أبرز علماء الاجتماع، ليس في فرنسا وحدها بل في العالم أجمع، ولكن برغم ذيوع صيته، ووفرة إنتاجه المتداول بين المهتمين، يكاد الدارسون لا يجتمعون على رأي حوله، فبعضهم يمجّده حدّ التقديس، وبعضهم الآخر ينتقد أساليبَ بحثه والنتائج التي أفضى إليها، ولا سيما نظريته الشاملة عن المجتمع المحكوم بإعادة إنتاج النظام الاجتماعي. ومن ثَمّ، لا يسع القارئ إلا التّرحيب بكتاب جديد لأحد طلبة بورديو هو جان لويس فابياني، مدير البحوث بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس، والأستاذ بجامعة أوروبا الوسطى ببودابست، حاول أن يلتزم فيه الموضوعية والأمانة العلمية.

يذكر فابياني في كتابه “بورديو- بنيوية بطولية” أن أعمال بورديو جددت البنيوية حينما بدأ وهجها يخبو، وذلك بتوجيهها نحو بنائية تهتم بالأحاسيس البشرية، من خلال الارتكاز على مفهوم “الهابيتوس” المستمَدّ من التربية، والمترسّب بمرور الزمن، وبلغت نظريته ما يسمى بـ” البنيوية الجينية”. وفي الوقت نفسه، بدت تلك الأعمال مخالفة للتسلسل الزمني، فهي ترفض، من جملة ما ترفض، التحاليل الميكرو محلية، التي دافع عنها تيار التاريخ النقدي لمدرسة الحوليات في نهاية ثمانينات القرن العشرين. كما أن بورديو لم يعر النسبوية (مذهب يرى أن المعرفة نسبة بين العارف والمعروف) أيّ اهتمام في الوقت الذي كانت فيه دراسات العلم (وهو حقل بحث يهدف إلى الكشف عن كيفية اشتغال العلم بشكل محسوس وتمَفصُله مع بقية المجتمع بالاستناد إلى علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والأنثروبولوجيا والتاريخ) تجد أصداء واسعة في تلك الفترة.

والسبب، كما يفسرّه فابياني، هو أن بورديو، ذا التكوين الفلسفي بالأساس، لا يمكن أن يقبل باختفاء مادته لصالح علوم أكثر تجريبية، ما جعله يتخذ ذلك المطمح الجامع، مدفوعا برغبة مشروعة في مقاربة المجتمع في شموليته، رغم ظرف علميّ غير مناسب. وبالرغم من وجوده على الهامش، لم يكن بورديو ذلك “الهرطقي المكرَّس” كما نعته بعضهم، إذ كان في رأي فابياني متمرّدًا زائفًا. صحيح أنه كان يسبح عكس تيار الميولات الأكاديمية في زمنه، ولكن موقعه كمدرس للفلسفة كان مطابقا لذلك الوسط الوظيفي الذي ينتقده.

إلى جانب ذلك، يستعيد فابياني نظرية العالِم مبينا الرهانات العلمية لتلك المرحلة، مفسرا ما بقي منها قيد التداول. ويتوقف خاصة عند ثلاثة مبادئ يعتبرها مركزية: نظرية الحقول، الهابيتوس، ورأس المال. والكاتب هنا لا يقدّم تحليلا منهجيا بقدر ما يقدم قراءةً شخصيةً لمثقف مستنير. فبعض النقاط لم تستوف حظها من التفسير، كمفهوم العنف الرمزي، أو نظرية الهيمنة التي تقرّب بورديو من تحليل العلاقات الاجتماعية، وهي السمة الماركسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. ولكن ذلك لا يلغي دقة الحصيلة النقدية التي يتضمنها الكتاب، لا سيما نظرية الحقول التي تصور الفضاء الاجتماعي كفضاء تشظّى إلى أكثر من مجال (فني، وسياسي ومدرسي…) وامتلك نوعا من الاستقلالية الذاتية. فبورديو، في نظر فابياني كان كبير المطامح، ولكنه لم يتسلّح بما فيه الكفاية لبلوغ أربه، فقد أراد أن يقارب المجتمع في كلّيته، إلا أنه اختار إجراء تحاليل ذات طابع ضيّق لا تسمح بالتعميم، كحقل الأدب أو الفن.

المفكر في الوجهة المعاكسة

وفيما عدا النظرية، تميز بورديو أيضا بقدرته على الابتكار المنهجي. وبعكس السرد الأدبي الذي توخاه كلود ليفي سترواس، كان بورديو يفضل التحاليل الإحصائية، كنوع لتمثل تخطيطي للفضاء الاجتماعي المبنيّ على مواقع الأفراد داخل مختلف الحقول الاجتماعية (المهنة، الوضع العائلي، الرأي السياسي…). وكان يطمح لتفسير الأواصر التي تربط متغيرات كثيرة، ويدافع عن مقاربة علائقية للمظاهر الاجتماعية، إلا أنه لم يتوصل إلى تأصيل تحاليله بردّها إلى بُعدها التاريخي. لم يشأ أن يطوّر هذا المنحى، نتيجة انشغاله بمطمحه الأساس، أي الإحاطة بالمجتمع في شموليته، حتى وإن شمل تحليله الزمانية: الهابيتوس هو نوع من تطبيع التاريخ الفردي، كنتيجة للتربية. فالتغيير في رأيه مشكوك فيه، لأنّ التاريخ يعيد إنتاج النظام الاجتماعي: فهو يرسّب بنية المجتمع من خلال تمرير الهابيتوس، ولا يسمح إلا بتغييرات على الهامش.

ويركز كتاب فابياني أيضا على الجانب المخفي من حياة بورديو، وطريقته في العمل، وحيازته شهرة النجوم. يقول فابياني إن بورديو كان يكتب على طريقة المحافل الباطنية حينا، وعلى طريقة من يتوجه إلى الجمهور العريض حينا آخر. كعالم اجتماع، كان يغلّق نصوصه عمدًا بلغة نظرية عصيّة على الفهم مثل هيبريس، وإيلوزيو، أو كقوله “بنى مبنيّة مجعولة للاشتغال كبنى بانية” لتعريف الهابيتوس. ذلك الشكل “الباطني” كان وسيلته للتحرر من الظواهر الاجتماعية العادية، وتركيز البعد العلمي لعلم الاجتماع. ولكنه في المقابل كان يستعمل أسلوبا مغايرا، قريبا من أساليب الصحافة، حينما يتقمص دور المثقف السياسي. في كتابه “بؤس العالم” مثلا، يدرج فقرات طويلة من حوارات في صيغها الأصلية، دون تعليق أو تحليل معمّق كما هو الشأن في بعض العناصر الواردة في الخلاصة. كما يبرع في ملامسة الوتر الحسّاس بالتعاطف مع بعض القضايا، لإدانة آثار تخلي الدولة، والتطوع للدفاع عن المصلحة العامة، فينتقد دور الميديا، ويدين الليبرالية الجديدة، ويتأسف لتدهور الأخلاق المشتركة.

لقد كانت حياة بورديو مليئة بالتناقض، فهو مدافع عن نظرية الحتمية الاجتماعية ورافض لسبيل أكثر تواضعا هو التدريس. ابن موظف في البريد، واستطاع أن يعبر الفضاء الاجتماعي. قرويّ، وحقق النجاح في باريس. فيلسوف في وقت تراجعت فيه هذه المادة. ورغم ذلك، يقر فابياني بأن بورديو بطل، ينتمي إلى مجموعة من الباحثين الذين يبحرون فرادى، ويجرّون خلفهم لفيفا من المريدين الذين ظلوا أوفياء له في غالبيتهم، وإن كان يعيب عليه انحباسه داخل منظومة مغلقة كي يثبت حضوره ويسجل اسمه، فحرم نفسه بذلك من مواجهة آفاق أخرى كان يمكن أن تطور آثاره.

كاتب من تونس

13