سيرة توفيق الشهير بـ"توتو"عالم من الهلوسة والاضطرابات

الروائية المصرية نهى محمود تدخل بعين الكاميرا إلى أعماق حارة غريبة بأشخاص غير معهودين.
الاثنين 2019/09/09
شخصيات مضطربة تحكي واقعها (لوحة للفنان إسماعيل الرفاعي)

كان نجيب محفوظ من أبرز وأهم الكتاب المصريين والعرب الذين تناولوا عوالم “الحارة” والأحياء الشعبية بشيء من الواقعية والسحرية أيضا، وهو ما تبعه فيه الكثير من الكتاب العرب، الذين باتوا يكتبون عن الحارات الهامشية بشيء من الكشف والمكاشفة. لكن رواية “سيرة توفيق الشهير بـ“توتو”، تذهب من طريق آخر لرسم عوالم المكان بأشخاص غير معهودين.

  تنفتح الرواية الآن على جملة من الاقتراحات السردية المتعددة، تستعير الواقع ونقيضه، وتقترب من السيرة الشخصية وتبتعد عنها في آن. تراقب وتشير، مثلما تفكك وتسائل.

عبر هذا الفهم لجنس مفتوح بالأساس على اشتراطات لا نهائية تبرز رواية “سيرة توفيق الشهير بـ‘توتو‘”، للروائية المصرية نهى محمود، والصادرة في القاهرة عن مؤسسة “بتانة”.

تراوغ الرواية قارئها منذ العنوان حين تنص على فكرة السيرة، لكن المدلول السردي سيتسع كثيرا في النص، لنصبح أمام تلك البلاغة الساخرة للمقموعين، الذين يمثلهم على نحو بارز توتو المضطرب نفسيا، وصاحب الحيل الدفاعية المستمرة، التي تأخذ نزوعا عبثيا ومأساويا في آن، من قبيل أن يخلع بنطاله فجأة للفتاة الذاهب لخطبتها، وحينما تصرخ البنت المذهولة من هول ما يحدث، يتهمها بالتحرش به، وعلى غرار اتهامه العبثي أيضا لفتى توصيل الطلبات إلى المنازل بمحاولة اغتصابه.

شخصيات مضطربة

يجمع توتو بين حيلتي الإسقاط النفسي الموجه ضد الآخرين في الخارج، والتبرير الذي يعني كذبا على النفس بالأساس، وعبرهما يمارس سلوكه المستهجن. وكانت الكاتبة واعية بحركة الشخصية الروائية هنا، وتحولات الفعل الإنساني الخاضع للعشرات من العمليات المعقدة لشخصية إشكالية مثل توتو، لكن اللافت هنا أننا لسنا إزاء مرثية مثلا ولا محاولة لاستجلاب التعاطف الكاذب معه.

تبدو شخصية توتو، وهو البطل المركزي في الرواية، مركبة، وتمثل مركزا للسرد، فحولها تتمحور الحكايات، في رواية “بوليفونية” متعددة الأصوات، حيث ثمة أصوات مختلفة تحكي بدءا من السارد الرئيسي الذي يقبض على زمام الحكاية، مرورا بالراوي الداخلي المتورط بقدر ما في الحكاية، ووصولا إلى توتو نفسه، وحمدي أخيه الأكبر.

الرواية تزاوج بين الواقعي والمتخيل في بنية سردية متجانسة، مستحضرة عالما يقف في قلب الجنون والعبث والمأساة

لا تقدم الكاتبة روايتها دفعة واحدة، بل تقدمها على دفعات؛ ومن ثم فهي تتخذ من أسلوب المقاطع السردية صيغة للحكي، وتتشكل الرواية من ثمانية مقاطع، يحمل كل مقطع منها عنوانا فرعيا، يمثل بنية دالة في النص، أي بنية قادرة على أن تؤدي وظيفة داخل مسار السرد، لتقابلنا العناوين التالية:عن توفيق الشهير بتوتو، هنا كل شيء محتمل وقابل للحدوث، بيت من ثلاثة أدوار، توتو الجالس في الشرفة، البحث عن عروس، حمدي يقص ما حدث، الأيام، الرفيق كوكو بطل المأساة.

يمثل البيت ذو الشرفات الثلاث والحكايات التي لا تنتهي عنه فضاء مركزيا للرواية وبطلا من أبطالها الأساسيين، فسكان البيت هم أنفسهم شخوص الرواية الأساسيين: توفيق الشهير بتوتو، ومعه عائلته المنكوبة به: حمدي (الأخ الأكبر)، والأب والأم الراحلين في مأساة ملهاوية بامتياز، لا تفصح عنها مقاطع الرواية مبكرا، وهناك أيضا عم شربين وزوجته سحر، وفاروق وأم سعيد وابنها في الطابق الأخير.

ولا تتعامل الكاتبة مع البيت ذي الطوابق الثلاثة بوصفه فضاء ماديا ترصد من خلاله ملامح المكان الروائي فحسب، لكنها تتعاطى معه بالأساس بوصفه فضاء نفسيا يتسع لانفعالات البشر وهواجسهم وأحلامهم المقموعة في لحظات مختلفة من حيواتهم. توظف الكاتبة تقنية عين الكاميرا، وترصد الأحداث عبر ذات ساردة من داخل الحكاية لكنها لم تتورط فيها تورطا كليا، ومن ثم أخذت تنتقل بين مسارات سردية مختلفة وأحداث متنوعة، معاينة شخوصا مقهورين ومسكونين بالسخرية في آن، على نحو ما نرى في صديق ابن خالة والدة توتو، والمتعاطف معه والباحث عن أعذار دائمة له، والذي يشعر بمسؤولية أبوية تجاهه، حتى يفيض به الكيل في النهاية من توتو وجنونه ونزقه اللانهائي، فيهوي بزجاج النرجيلة فوق رأسه، موقفا إياه عن الثرثرة اليومية والجمل المحفوظة بعد إفشاله أيّ زيجة يقدم عليها.

حارة مختلفة

تلعب الشخصيات الهامشية دورا مركزيا في حركة السرد، وبعضها يمثل ما يعرف بالشخصية الحافزة أو المحركة التي تدفع بالموقف الدرامي الراكد إلى الأمام، مثلما نرى مع شخصية ميمون ولعة، الذي تحول إلى ميمي ولعة، وصار بلطجيا يشعل النيران في أي وقت، ويجيد اللعب بها مرددا بيقين شديد أن النار لا تحرق مؤمنا، حتى تصيبه لعنة النار في نهاية الفصل، فيموت محترقا متفحما.

رواية تستعير الواقع ونقيضه
رواية تستعير الواقع ونقيضه

تبرز في الرواية تلك النهايات المأساوية العبثية للشخوص المركزيين منهم والهامشيين، بدءا من وفاة الأب والأم بسُم الفئران، ووصولا إلى ميمي ولعة الذي يموت محترقا، فحدث الرواية الرئيسي، يتمثل في تلك الوفاة الدرامية لأبوي توتو، الذي جمع حبات الطماطم المسمومة المتناثرة في جنبات الشقة من أجل قتل الفأر العابث بحياتهم.

وبعد أن يصنع لهما منها إفطارا (جبن بالطماطم) ظنا منه أن الطماطم وقعت من كيس الأب المهترئ، يموت الوالدان، لكن الحكاية لا تموت، ولا سيرة توفيق السيد عبدالحميد الشهير بـ”توتو” ولا ناسه المختلفين.

تتواتر في النص جملة مفتاحية تتخذها الكاتبة عنوانا لأحد مقاطعها الثمانية “هنا كل شيء محتمل وقابل للحدوث”، بل وتختتم بها روايتها “هنا حيث كل شيء محتمل وقابل للحدوث، في الحارة التي كانت جديدة وزاهية في زمن آخر، ثم نال العجز والتراب من روحها وبيوتها. تلك البيوت القديمة غير المتناسقة، والشرفات المفتوحة على وسعها، والبشر، وحكاياتهم”.

تحيل العبارة السابقة إلى عالم من الدهشة التي تغلف المكان، وهو الحارة الشعبية، التي تتعاطى معها الكاتبة على نحو مغاير للسائد والمألوف، فلسنا هنا أمام الحارة المحفوظية (نسبة إلى نجيب محفوظ) مثلا بعوالمها وثيماتها، لكننا أمام حارة جديدة دهستها التحولات العاصفة بدءا من سبعينات القرن الماضي وحتى الآن، وربما كان تعميق هذه التحولات وعدم المرور العابر عليها ما يفتقده النص حقا خاصة في الإشارة إلى أنماط التدين الشكلي التي غزت الحارة المصرية.

ثمة حس ساخر في الرواية ليس فحسب على مستوى الدلالة الكلية للعمل، حين نصبح أمام ملهاة مأساوية بالتعبير المسرحي، لكن أيضا على مستوى المواقف السردية المعروضة، وهذا ما يبدو بارزا في فصلي “البحث عن عروس” و”الرفيق كوكو بطل المأساة”.

وهناك إشكالية فنية تتصل بالبوح الذاتي الذي كان توتو بحاجة إليه أكثر، وفي مواضع مختلفة من الرواية، مع توظيف الكاتبة لآلية المونولوج الداخلي في النص، لأننا أمام بطل إشكالي بامتياز، مضطرب نفسيا، يبدو محملا بالفجيعة والسخرية الدافعة للتساؤل في الآن نفسه.

وبعد.. حين ينفتح النص الروائي على عالم الهلوسات والاضطرابات النفسية، ويضع قدما في قراءة الواقع وقدما في الوعي بحركة الشخصية الروائية وتفاعلاتها في المحيط الاجتماعي، ساعتها تنتفي تلك المسافة الحرة بين الحلم والحقيقة، ويصبح الواقع أكثر فانتازية من المتخيل.

وهنا في رواية “سيرة توفيق الشهير بـ‘توتو‘” نجد نصا يزاوج بين الواقعي والمتخيل في بنية سردية متجانسة، مستحضرا عالما يقف في قلب الجنون والعبث والمأساة.

14