سيرة ذاتية لشاعر مغربي يطارد الأمل بذاكرة مجنحة

الكتابة عن الذات، مهما بلغت درجة عمقها وقوتها، لا تعني بالضرورة رغبة أو حتى قدرة على التصالح مع الماضي وربما الحاضر، وهنا تبرز السيرة الذاتية مستعيدة شريطا من لحظات من ماضي الشخصية يتخللها دفق من العواطف والهواجس وأحلام اليقظة. وهي مع ما فيها من بوح واعتراف، لا تخضع لترتيب كرونولوجي صارم يحدّ من بعدها البيوغرافي الحميمي والشذري المفتوح.
السبت 2016/12/31
طفل ينتظر بزوغ الشمس (لوحة للفنان إيمان ملكي)

الرباط - ينثر الشاعر والناقد المغربي عبداللطيف الوراري، في عمله الجديد الموسوم بـ”ضوء ودخان.. شذراتٌ من سيرة ذاتية”، شذرات من سيرته الذاتية، منذ ولادته ونشأته بمسقط رأسه بإحدى قرى دكالة، حيث تيتّم وعانى فراق الأب ودخل الكُتّاب، قبل أن ينزح هو وعائلته إلى شمال البلاد لأجل أن يلتحق بالمدرسة حتى حصوله على شهادة الباكالوريا.

وهذا بالذات ما يبدو قويا في هذه الشذرات وتتخلله التماعة هدف صغير بطعم الحلم سجّله ذلك الطفل الذي كأنه في مرمى الحياة دون أن يتوقف عن استكمال لعبه معها.

وهناك، وعبر أمكنة واقعية وأخرى متخيّلة، يسرد المؤلف بضمير المتكلم، وباسم العلم الشخصي، فصول المعاناة والفقر التي عاشها مع أفراد عائلته نتيجة الظروف المستجدة وضائقة يد المعيل الوحيد، إلى أن يأتي الشِّعر مثل “هبة ربانية” تُنْسي، لبعض الوقت، سارد السيرة هول الواقع الذي استبدل به هول بدايات كتابة الشعر الذي اعتبره بمثابة “سلوى وعزاء”.

وعلى هذا النحو يمزج السارد في السيرة الذاتية بين اللغة الوصفية والشعرية تبعا لتطور أوضاع هذه السيرة وأشكال تدبير الأنا لكينونة ذاته وعلاقاته بالآخرين (الأب، الأم، الجد، العم سعيد، مسعود..)، وتنوع حيوات عالمها المتراحب.

ومن البدء تأخذ السيرة قارئها، وهي تنفتح على عالم فسيح ومرجعي يتضاءل شيئا فشيئا حتى يتركز على ذات السيرة. وبقدر ما هي سيرة ذات، فهي سيرة شخصيات تأثرت بها هذه الذات، إن لم نقل إنّها سيرة جيل بأكمله.

حالة الفقد

يعبّر عبداللطيف الوراري في كتابه، الصادر عن “منشورات سليكي أخوين” بطنجة، بدعم من وزارة الثقافة المغربية، عن حالة الفقد التي عاشها الطفل الذي أضاع أباه ولما يجفَّ حليب أمه على شفاه أبنائها.

ورغم كل محطات الحرمان والمكابدة ظل الكاتب محافظا على انتشائه بلحظات الفرح والحب والدهشة. يربّت على الجراح التي كالها له الزمن ويزرع بين شقوقها بذور الشعر والأمل والمستقبل “يوما على ظهر يوم أدرج وأسقط/ ألهو وأبكي/ أمرض وأتعافى/ ثم سرعان ما تفتحت عيناي على عالم أتخيله أشبه بالسحر والخرافة: مساقط الماء/ مواسم الحصاد الذي لم ينقطع وما يعقبه”.

تجارب مؤلمة في الطفولة التي لم تجد ملعقة ذهبية تملأ فمه بما يلذ ويطيب، ولكنها كانت حافلة بأشواك كثيرة

الكاتب وهو يسترجع سيرته لا يقول كل شيء ولا ينصاع إلى البحث في دروبها عن التفاصيل، ولكنّه وفي نفس الوقت لا يتعمّد إخفاء أيِّ شيء لقناعة تبدو عميقة بأن كل لحظة طيلة تلك الحياة، تستحقّ الاحتفاء “لتشتغل أمّي من جديد في معمل النسيج كأيِّ أسطورة كُتب عليها أن تعيش الوحدة مرة أخرى، ولكنها لا تمل من مفاجآت السرد وتوالي البرق فيه”، أو “وأين اختفى عندما كانت أسناننا تصطكُّ من برد الليالي القارس بمقربة منها، ونعدم ما نتدفأ به؟”.

هذه شذرات من سيرة ذاتية ولكنها أيضا جماعيّة، وذلك بابٌ آخر مشرع على قراءات وعوالم أكثر إدهاشا وعمقا وتمثيلا لتجربة جيل كامل.

من منظوره، يرى الشاعر والمترجم المغربي نورالدين الزويتني أنه قد لا نبالغ أو نجانب صواب العنوان إذا نحن استبدلنا في مُخيّلتنا عبارة ضوء ودخان بعبارة سيرة الشاعر بصيغة التعريف، فأهم ما يطالعك في هذه الشذرات المكتوبة بحبر اللوعة والحنين والصدق والبساطة والشعر، هو صورة شخص لا يفتأ يتقمّصك رغما عنك بين هذا الفصل وذاك.

وهو يعرض أهم محتوى السيرة وتوتر الذاتي والجمعي فيه، الزويتني يقول “فهنا الولادة وطقوسها، اليتم، الشغب الطفولي، التنقل من جغرافيا إلى جغرافيا، ذكريات التمدرس الأولى، الأسواق الأسبوعية، كتاب ‘اقرأ’، العشق الأول وخيباته الأولى، انبثاق جذوة الشعر، كتاب ‘ميزان الذهب’، وغيرها من الأشياء والأحداث والمواقف التي يرسمها الشاعر والناقد عبداللطيف الوراري ليس فقط كسارد لسيرته الخاصة، ولكن أيضا بوصفه شاعرا يغوص في عمق تلك الأحاسيس الخام التي يمتزج فيها الخاص مع ما هو جوهري وكوني، أي ذلك النبع الروحي الذي يمتح منه الشعراء والفنانون”.

حالة الفقد

سيرة الشاعر

تتساءل الأديبة والباحثة الأكاديمية العالية ماء العينين، وهي تقرأ سيرة الوراري “لماذا يفكر الأديب أو الإنسان عموما في كتابة سيرته الذاتية؟” وكتبت تقول “سؤال يراودني ويلح عليّ كلما أقبلت على قراءة هذا الجنس الإبداعي المخاتل. ولهذا أجدني دائما أبحث عن الجواب في ثنايا ما أقرأه. قد يكون هذا جزءا من السؤال الأكبر لماذا نكتب؟ وقد يعود إلى ‘قناعات’ منهجية حتى وإن لم تكن صارمة ولكنها حاضرة. لست من المؤمنين بـ ‘موت المؤلف’، وكثيرا ما أجدني في مهمّة البحث عنه من خلال ما يكتب، ولا أقصد طبعا ‘حرفية’ ما يكتب”.

أما الشاعر والقاص المغربي أحمد بنميمون، فقد كتب “قرأت ‘ضوء ودخان’ فلم يرعني فيها ما ذكره عن معاناته في مراحل حياته الأولى من يُتم شخصي ووجودي، وتقلب في مراحل دراسية كان فيها منذ حفظه القرآن والتحاقه بصفوف المدرسة، وما كان يبديه من تفوق في المستويات، ولا حتى في اختياره الشعر في وسط لم يكن يعرف أي معنى لهذه الكلمة، لكن الذي راعني فيها هو حديثه الذي لا يمكن أن يكون إلا صادقا عن لقائه أول مرة بالشِّعر حين استوقفه كتاب ‘ميزان الذهب’، وكيف قرأه، وهو يحلُّ جداوله ليمتلك منذ البدء حصانة لن يضيع بعدها على درب الشعر، وليصبح أحد أقوى أصواتنا الشعرية بعد أن عرف كيف يطعمها بما اذَّخره عبر سلسلة من التجارب المؤلمة في الطفولة التي لم تجد ملعقة ذهبية تملأ فمه بما يلذ ويطيب، ولكنها كانت حافلة بأشواك كثيرة”.

16