سيرة فنان لبناني وتأثير الحرب والعالم المعاصر على تجربته الإبداعية

حياة الفنان العصامي، المختلف والرافض لما هو قائم، مثيرة للاهتمام، والغموض الذي تحويه أقرب إلى جرعة سحريّة تجذب الكثيرين للكتابة عنها أو التورط فيها، في روايته الأولى “دفاتر نوح”، الصادرة عن دار “سائر المشرق” لهذا العام، يقدم الفنان والصحفي عبدالحليم حمود سيرة متخيّلة لفنان عصامي باسم نوح كمال الدين وزوجته تَلي، تتقاطع في الرواية السيرة الشخصية مع تاريخ لبنان بالإضافة إلى تاريخ النضال ضد المستعمر الإسرائيلي إلى جانب محاولة انتقاد المجتمع المعاصر القائم على التسليع والتعليب.
السبت 2015/07/04
بطل الرواية فنان عصامي يحاول انتقاد مجتمع السلع والأيقونات التجارية

تطرح رواية “دفاتر نوح”، لمؤلفها عبدالحليم حمود، منذ العنوان المفارقة المتخيّلة التي يفترضها الكاتب، وهي الاختلاف بين نوح كمال الدين الفنان ونوح بوغنّام المقاوم الجزائري الذي كان صديقا لعباس كمال الدين والذي سمّى ابنه على اسمه تيمنا به.

الرواية ترسم العلاقة بين نوح وزوجته تلي لنكتشف على لسانها أو لسان الراوي تاريخهما الشخصي، فنوح ابن الفدائي فنان عصامي يحاول انتقاد مجتمع السلع والأيقونات التجاريّة التي تشبه الآلهة، كما كانت له قصة حب عاشها مع جارته منال الأشقر التي حولت حياته إلى جحيم، إلى جانب ذلك نتعرف على زوجته المترجمة والكاتبة تلي وقصة الاغتصاب التي تعرضت لها على يد قريبها فؤاد الذي يظهر لاحقا في الرواية عبر اقتحامه لمنزل نوح وتلي، وتمزيقه لبعض لوحات نوح، كما تحضر منال بصورة متقطعة في الرواية حيث نكتشف في النهاية أنها السبب في إطلاق شهرة نوح.

هذه التفاصيل تتخلل سيرة النجاح التي يمر بها نوح من بيروت إلى باريس، وتحوله من فنان مغمور إلى فنان عالمي ذائع الصيت ثم خياره الشخصي بأن يغتال نفسه فنيا وفكريا في عمله الأخير بمقبرة عظماء فرنسا، نتيجة تحوله هو الآخر إلى أيقونة بسبب المال والشهرة.

رواية هزيلة

دفاتر نوح لا تمتلك بنية رواية بالمعنى الاحترافي، إذ أن هناك العديد من الملاحظات التي توجّه لها، فالحبكة غير متماسكة لأنها تقوم على المصادفات ما يجعل الأحداث وردود أفعال الشخصيات تبرز فجأة بصورة غير متماسكة نظرا لأن طبيعة الشخصيات لا تبدو واقعية، بل هي أقرب إلى تكثيف لكليشيه الفنان الرومانسي وعشيقته التي تهيم به، فالأحاديث بينهم ولو كانت حول فنجان قهوة مليئة بالشعر والتأمل والإحالات الفكرية والأدبية التي لا تتعدّى السطحية.

الرواية لا تناقش عمق الأفكار المطروحة على لسان الفنان، بل تكتفي بذكر المعروف والواضح منها، حتى أن الراوي يتدخل بين قوسين في حديث عن “الداهشية” التي ظهرت في لبنان خلال بدايات القرن العشرين عبر اقتباس مقطع من موقع ويكيبيديا للتعريف بها مع تعديل طفيف جدا، يمكن أن يعزى ذلك لكونه اقتباسا، لكن انسحاب الأحاديث المليئة بالحذلقة الأدبية على أغلب الرواية جعل كلّا من نوح وتلي أقرب إلى كليشيهات مبتذلة تردّد الأسماء المشهورة من فوكو وبورديو ودريدا ما جعلهما ترسيخا للنمط والصورة التقليدية، ولا يرتبط ذلك بفكرة الكاتب عن تدمير الأيقونة.

"دفاتر نوح" قصة متخيلة عن الفنان ورحلة نجاحه المأساوية

يستعرض حمود في الرواية كيفية صناعة الأيقونة المتمثلة بنوح، ثم تدميرها، الأمر يتعلق بلغة الشخصيات التي تبدو متشابهة ومليئة بالرومانسية الحالمة، لنرى نوحا وزوجته يتنقلان بين الأفكار والمذاهب الأدبية، كما أن اللغة الوصفية العالية التي تزخر بها الرواية والتي لا تبدو أكثر من بهرجة لا ترسم ملامح المكان بدقة، خصوصا حين الانتقال إلى باريس التي يبدو فضاء وصفها أقل غنى من بيروت، بالإضافة إلى الأفكار المختلفة للوحات التي يستعرضها نوح والتي تبدو مثيرة للاهتمام لو كنّا نراها لا نقرأ عنها.

فرضية الدفاتر المرتبطة برغبة نوح بتدوين جنونه إثر نصيحة تلقاها في صغره من مدرسة اللغة العربيّة هي نوع من نرجسية الفنان والتي تمتد لتصل إلى نوح بوغنّام، الذي هو أيضا يتحول إلى أيقونة نتيجة الدفاتر التي حصل عليها نوح الفنان من أبيه والتي تحوي سيرة حياة المجاهد المليئة والغزيرة بالنتاج البطولي، لنراه -المجاهد- يتحول إلى أيقونة أو شخصية أسطورية للمناضل البطل، وهذا يتناقض مع فكرة تدمير الأيقونات التي تطرحها الرواية، فكل أيقونة أو علامة سواء كانت تجارية أو نضالية أو ثورية لا بدّ من أن تفكك وتخضع للمحاكمة كي لا تتحول إلى صنم.

أبطال وهميون

الرواية تحوي نزعة من الرومانسية اللامنطقية، فتسارع الأحداث الذي يحصل فجأة يبدو وكأن الكاتب يريد حشو الرواية بالأسماء والآراء والأفكار، فنوح يوظف كامل مبنى غاليري لافاييت الأشهر في فرنسا في أعماله كما يرسم الكاريكاتور في صحيفة شارلي إيبدو ويصمم أغلفة كتب لدار غاليمار، وفجأة تتحول زوجته إلى باحثة في مجال النسوية، هذه المصادفات والسرعة تجعل التقنية الروائية تتراجع لنرى أنفسنا أمام حكاية لم يتمكن الكاتب من الإمساك بالأدوات السردية لتحويلها إلى رواية.

الحبكات الفرعية التي تتعلق بقصة منال وفؤاد وحتى نوح الجزائري لا تبدو ذات أهمية، إذ يمكن الاستغناء عنها أو توليف “مصادفات” أكثر إتقانا بحيث لا تبدو الحبكات الفرعية السابقة مجانية في بناء الأحداث المرتبطة بحياة نوح، فحتى قصص والده عن الحرب في لبنان ضدّ إسرائيل لا تقدّم أيّ جديد لبنية الرواية.

16