سيرة قفة

الأمر في مجمله لا يتعلق بأي تكافل اجتماعي، اللهم قلة من أصحاب القلوب الرقيقة حقا، وهم فئة غير مرئية من مانحي الأقفاف غير الشفافة، غير المعنونة، وغير المشروطة.
الثلاثاء 2019/05/14
تجنيد مصورين أكفاء للموائد الاستعراضية

في أحد الأحياء الفقيرة، وقع إلغاء توزيع وجبات الإفطار على المحتاجين بسبب عطل طارئ في الكاميرا. ليس من اللائق أيها الفقير أن تأكل خارج “الكادر” ودون أن تبتسم للكاميرا، أو حتى بعيدا عن جهاز الميكروفون الذي سوف ينقل بدقة أصوات المضغ والاحتساء.. وعبارات الشكر والدعاء لولي النعمة قبل البسملة والحمدلة.

أجهزة التصوير وصحون النقل الحي والمباشر على الشاشات أولى من صحون الطعام. هي إكسسوارات لا غنى عنها في تلك التجمعات التي سميت تحريفا بـ”موائد الرحمن”.. إنها أهم من المياه والعصائر والتمور والمناديل، وحتى الصيام نفسه، بالنسبة لمن أولموا لمحتاجين لا يشبعون إلا في شهر الصيام، و”يتحلّون” بالحلويات في بداية شوّال ثم يمضون نحو بقية العام بدموع الحسرة والفراق، والبطون الخاوية.

يُجنّد لمثل هذه المواعيد المسائية مصورون أكفاء، يلتقطون المشاهد عبر “شاريوهات” و”كرينوهات” احترافية كما في بلاتوهات التصوير التلفزيوني والسينمائي، يكثرون من “زومات الإين والآوت” على وجوه حفرت فيها أزاميل الوجع والحرمان. كل هذه المشاهد “المتقنة فنيا” يشاهدها، أيضا، فقراء آخرون، مكابرون في بيوتهم، على خلفية صوتية من الأدعية الدعائية فيقول طفل لأبيه الفقير “بابا لماذا لا تأخذنا في نزهة إلى هناك؟”.

وبالتوازي مع مثل هذه المناسبات، يروج وينشط مصطلح يستفيد منه “أصحاب القلوب الرقيقة” من المنتفعين والصائدين في مستنقع الفقر والخصاصة، وهو”القفة” فيقال قفة الصائم، قفة العيد، قفة الزكاة، قفة العودة المدرسية، قفة السجين (غير السياسي طبعا).. وهلمّ جرا من “الأقفاف” التي يمكن اختصارها بـ”قفة الناخب” وسط سوق شراء الذمم وبورصة المال السياسي.

مهلا، الأمر في مجمله لا يتعلق بأي تكافل اجتماعي، اللهم قلة من أصحاب القلوب الرقيقة حقا، وهم فئة غير مرئية من مانحي الأقفاف غير الشفافة، غير المعنونة، وغير المشروطة.

حاملو الأقفاف يعنون في القاموس الشعبي التونسي، أصحاب الوشاية من المنافقين والمتقربين لأهل السلطة، ويسمونهم اختصارا بـ”القفافين”.

الأصل في التسمية أنه كان -ولا يزال- لأهل الجاه تابعون يحملون لهم القفة في الأسواق ويتولون التفاوض مع البائعين، وحتى العراك والتصدق للمحتاجين، نيابة عن أسيادهم.. وإلى الآن، لا يزال هؤلاء “القفافون” يشرفون على موائد الإفطار الاستعراضية فيأتون بكاميرات التصوير، ينظمون صفوف الفقراء، يحابون البعض منهم دون آخرين، وقد يحبسون الوجبات عن أفواه الفقراء الصائمين إن حصل عطل فني طارئ.

24