سيرة كاتب أنهكته الزنازين ومزقته القيود والأغلال

أدب السجون، هو نوع من أنواع الأدب الذي يُعنى بتصوير الحياة داخل الزنازين وخلف القضبان ويناقش الظلم الذي يتعرض له السجناء، والأسباب التي أودت بهم إلى السجن، حيث يقوم السجناء أنفسهم بتدوين يومياتهم وتوثيق كل ما مرّوا به من أحداث مريرة وبشعة، ورواية “يوميات غوانتانامو”، للكاتب الموريتاني محمدو ولد صلاحي، الصادرة حديثا، عن دار “الساقي”، تنضوي ضمن هذا الإطار، حيث يروي لنا ولد صلاحي سيرته ومعاناته داخل أشهر سجن في العالم ونعني به “غوانتانامو”.
السبت 2015/10/31
صراع الإبداع مع عالم السياسة في إطار قاتم وجو رهيب

استغرق المحامون والمدافعون عن الحريات حوالي ست سنوات من الجهود والمرافعات كي ترى “يوميات غوانتانامو” النور، المخطوط الذي كتبه الموريتاني محمدو ولد صلاحي عن تجربته في سجن غوانتانامو بقي حبيس مكاتب المخابرات والرقابة لست سنوات إلى أن تم الإفراج عنه عام 2012 وسمح بنشره للعلن، حيث قامت مجلة “سلايت” بنشر مقتطفات منه عام 2013، ثم لينشر بصورة كاملة بصيغة كتاب خلال هذا العام بعد أن قام الكاتب والناشط لاري سيمز بتحريره، وقد صدرت الترجمة العربية من الكتاب عن دار الساقي للمترجم عمر رسول هذا العام أيضا، ليكون الكتاب وثيقة تاريخيّة تضاف إلى تاريخ الظلم والتمييز العنصري ضد العرب والمسلمين من قبل حكومة الولايات المتحدة مكتوبة بيد معتقل مازال إلى هذه اللحظة في غوانتانامو.

“يوميات غوانتانامو” يحكي قصة المهندس الموريتاني محمدو ولد صلاحي المولود عام 1970، الذي عاد إلى بلاده عام 2001 بعد إنهاء دراسته لهندسة الميكانيك، يستدعى بعدها ولد صلاحي من قبل المخابرات الموريتانية للتحقيق معه بخصوص الاشتباه في مشاركته في “مؤامرة الألفية” ضد الولايات المتحدة، لتقوم الحكومة الأميركية بعدها بالتعاون مع الحكومات العربية بنقله إلى سجون متعددة، حيث خضع للتحقيق في الأردن من قبل المخابرات الأردنيّة ثم ينقل إلى قاعدة باغرام الأميركيّة في أفغانستان ليُحقق معه أيضا، ولينتهي به الأمر عام 2002 في سجن غوانتانامو حيث سيسجن دون تهمة واضحة ضده.

سيرة مرعبة

ولد صلاحي تدرب في معسكرات القاعدة في أفغانستان بين عامي 1991 و1992 واشترك في الجهاد ضد الشيوعيين، ثم ما لبث أن قطع علاقاته مع التنظيم حين بدأ الاقتتال الداخلي بين أعضاء التنظيم وخصوصا في ظل صراع طالبان على السلطة، ليعود بعدها إلى ألمانيا للدراسة، كذلك عند تواجده في كندا كان على معرفة سطحية جدا ببعض المتشددين، كل هذه التفاصيل جعلته “أخطر الإرهابيين الموجودين في سجن غوانتانامو” حسب تعبير المحققين الأميركيين.

الرحلة التي قطعها ولد صلاحي بسبب الاشتباه به من قبل حكومة الولايات المتحدة تخللها التعذيب الجسدي والنفسي

وهناك في السجن عاش أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي كما هو مذكور في اليوميات، إلى جانب حديثه وسخطه على بعض الحكومات العربية التي تورطت في خطفه وتهريبه عبر القارات “في انتهاك واضح لسيادة موريتانيا التي سلمت أحد مواطنيها لحكومة أخرى” هذه الاختراقات والصفعات المتتالية للإنسانية ولحقوق الإنسان تجعل القارئ يقف مشدوها أمام العنف الذي يمكن أن يمارس ضد الفرد في حال اشتبه بمعاداته للعم سام.

لا يمكن إنكار الجهد الذي قام به لاري سيمز كي يرى الكتاب النور، فبالإضافة إلى عمله من أجل حرية ولد صلاحي، نراه يتحدث في المقدمة عن الصعوبات التي واجهها في تحويل المخطوط إلى نص صالح للنشر ضمن كتاب، بالإضافة إلى محاولته لإيضاح اللبس في بعض الفقرات، فـ”قد تم تحرير الكتاب مرتين، مرة من قبل الحكومة الأميركية حيث وضعت أكثر من 2500 خط أسود كنوع من الرقابة على نص محمدو”.

وعمل سيمز بعدها على إعادة صياغة المخطوط وإضافة الحواشي المأخوذة من جلسات الاستماع التي خضع لها ولد صلاحي إلى جانب ذكره للمقالات الصحفية المنشورة والتي ترتبط بنص صلاحي في محاولة لتوضيح بعض التفاصيل التي يتحدث عنها الأخير، وخصوصا تلك التي ترتبط بأسماء المحققين أو صفاتهم أو رتبهم والتي أزيلت من النص الأصلي بفعل الرقابة.

قدرة مميزة على بناء الشخصيات وتوصيف تصرفاتها

الرحلة التي قطعها ولد صلاحي نتيجة الاشتباه به من قبل حكومة الولايات المتحدة كانت عبر ثلاث قارات جوا، يتخللها التعذيب الجسدي والنفسي سواء على أيدي مُعتقليه العرب أو الأميركان، لينتهي به الأمر في غوانتانامو، هناك، داخل المعتقل، يتحدث ولد صلاحي عن الطريقة التي يتعامل بها الحراس معه ومع السجناء الآخرين، فمشاعر الكراهية له وللعرب لا تبدو منطقية إلا في ظل التعصب والانغلاق الذي يَحكم الحراس والمحققين، إذ يصفهم بالمرتبكين، لظَنّهم أن كل المسلمين في العالم يتآمرون على الولايات المتحدة.

عناصر روائية

يوميات غوانتانامو وثيقة مكتوبة بعناية من قبل ولد صلاحي، والذي يرى فيها المحرر سيمز عوامل روائية، ترتبط بقدرة ولد صلاحي على بناء الشخصيات وتوصيف تصرفاتها وما تمر به، بالإضافة إلى حضور حس الدعابة الساخر الذي يمتلكه ولد صلاحي، إذ نراه يَهزأ من محققيه أحيانا ومن الأسئلة التي يمطرونه بها والتي لا تبدو منطقية، بالإضافة إلى اكتشافه للأفخاخ التي حاول المحققون إيقاعه فيها ليدلي باعترافات كاذبة، إذ حاولوا إلصاق أي تهمة به فقط لاشتباههم ببعض التفاصيل المتعلقة بحياته السابقة والتي لا تبدو منطقية لهم، بالرغم من أنهم انتهكوا خصوصياته وكل ما يرتبط بحياته.

ولد صلاحي فقد حريته في غياهب السجون منذ عام 2002، وبالرغم من إصدار قرار بإطلاق سراحه من قبل المحكمة الفيدرالية في 2010 إلا أن الحكومة الأميركية قدمت طلب استئناف ومازال إلى الآن في السجن إثر ذلك، كما يذكر سيمز أن ولد صلاحي تحدث عن إنهائه كتابة هذه اليوميات أمام هيئة إعادة النظر الإدارية في غوانتانامو خلال جلسة الاستماع ووصف كتابه هذا بقوله “إنه كتاب ممتع للغاية كما أعتقد”.

16