سيرة كوستا غافراس رحلة عجيبة في عالم السينما

المخرج الفرنسي يعدّ واحدا من الذين صنعوا مجد السينما العالمية خلال الخمسين سنة الأخيرة، وفضح في أفلامه مظالم الأنظمة الشيوعية واليمينية.
الأربعاء 2018/04/11
سينمائي ناصر القضايا العادلة

تبدو سيرة المخرج العالمي كوستا غافراس الصادرة حديثا عن دار”السوي” الفرنسية المرموقة بعنوان ”اِذهب إلى حيث من المستحيل أن تذهب” كما لو أنها رحلة ممتعة وعجيبة في عالم السينما الفرنسية والعالمية تتخللها أحداث هامة ومغامرات مثيرة.

فهذا الفنان المهم الذي يبلغ الآن من العمر 85 عاما، أخرج العديد من الأفلام الناجحة فنيا وجماهيريا، وتعرف على مشاهير النجوم أمثال مارلون براندو وجاك ليمون ورومي شنايدر وإليزابيت تايلور وآخرين كثيرين، وتمكن من أن يكون واحدا من الذين صنعوا مجد السينما العالمية خلال الخمسين سنة الأخيرة.

بداية الرحلة

في بداية الكتاب يروي كوستا غافراس أحداثا عاشها في طفولته ومراهقته في مقاطعة أركاديا باليونان. فقد كان في الخامسة عشرة من عمره لما اندلعت في بلاده حرب أهلية مدمرة. وبسبب معارضة والده للنظام الملكي، لم يتمكن الفتى من مواصلة دراسته. لذا بادر بالهجرة إلى باريس وهو في التاسعة عشرة من عمره لينتسب إلى قسم الآداب في جامعة السوربون المرموقة.

وفي تلك الفترة كانت باريس تعيش ولادة حركات فكرية وفلسفية وفنية جديدة سوف لن تلبث أن تعيد للثقافة الفرنسية إشراقتها وإشعاعها الأوروبي والعالمي. ولم تمنع الدراسة كوستا غافراس من متابعة ما كان يحدث من حوله في مجالات الفنون والآداب، وفي عالم السينما بالخصوص. ولكي يزداد تعمقا في معرفة تلك الجوانب، عمل غافراس مع مخرجين كبار أمثال رني كلير وجان بايكر وجاك ديمي وهنري فرناي.

في سيرته يروي كوستا غافراس تفاصيل لقاءاته مع نجوم السينما العالمية الذين تعرف عليهم أو عمل معهم
 

وقد بدأ كوستا غافراس مسيرته السينمائية بفيلم “Cresus” الذي أنجزه مع الكاتب الفرنسي جان جيونو. وتدور أحداث هذا الفيلم الذي لعب دور البطولة فيه النجم الفرنسي فارنانديل في الجنوب الفرنسي، وتحديدا في قرية “مونوسك”، مسقط رأس الكاتب المذكور.

ويقول كوستا غافراس إن قرية “مونوسك” التي استوحى منها جان جيونو جل مواضيع رواياته، تقع في منطقة “متوحشة، لها جمال يقطع الأنفاس”، وفيها يبدو شروق الشمس وغروبها كما لو أنه من الزمن “الإنجيلي”.

ويضيف غافراس قائلا ”في الصباح، كانت المشاهد الطبيعية التي نمر بها مبللة بالندى. وكانت الأماكن المنخفضة مغطاة بغلالة من الضباب الخفيف والشفاف، ولها نعومة ساكنة وغريبة. وكان جان، الذي يحب أن أسميه جان، يعلق على كل مشهد نمر به. وكانت له قصة لكل أثر قديم ولكل مرعى ولكل كوخ، وكل قصة من تلك القصص لها علاقة بالكائنات البشرية بأفراحها وأتراحها”.

وفي عام 1965 أنجز كوستا غافراس فيلمه الخاص الأول “خانة القتلة” الذي مكنه من توطيد علاقته بفنانين كبيرين هما إيف مونتان وزوجته النجمة سيمون سينيوريه.

وفي مذكراته يروي أنه أخذ يتردد على شقتهما المتواضعة في باريس كما لو أنه ابنهما المدلل. وكانت سيمون سينيوريه تحب أن يحدثها عن اليونان “بلاد الشعراء والفلسفة”. وبفضل فيلم “خانة القتلة” المستوحى من رواية بوليسية، استطاع غافراس أن يفرض نفسه في عالم السينما الفرنسية كمخرج “طموح، ذكي وصاحب أسلوب متميز”.

احتلال هوليوود

رحلة ممتعة وعجيبة في عالم السينما الفرنسية والعالمية
رحلة ممتعة وعجيبة في عالم السينما الفرنسية والعالمية

كان على كوستا غافراس أن ينتظر نهاية الستينات من القرن الماضي لكي يحقق لنفسه شهرة عالمية بفضل فيلم “Z” الذي أنجزه عام 1969. وقد استوحى موضوع هذا الفيلم من رواية للكاتب اليوناني فاسيليس فاسيليكوس التي يروي فيها قصة اغتيال المعارض اليوناني لامباركيس في أثينا عام 1963 من قبل عصابات يمينية متطرفة. وقد قبل الكاتب الإسباني خورخي سامبرون كتابة السيناريو ليتم إخراج الفيلم في الجزائر.

وبسبب النجاح العالمي الواسع الذي حققه هذا الفيلم المناهض للأنظمة الدكتاتورية ولعصاباتها الإرهابية، وإحرازه على السعفة الذهبية في مهرجان كان، قرر كوستا غافراس أن تكون أفلامه الأخرى ملتزمة هي أيضا، ومستوحاة من قضايا سياسية ساخنة.

لذلك لم يتردد في إخراج فيلم “الاعتراف” المستوحى من فصل مؤلم من حياة جاك لندن الذي كان وزيرا للخارجية في النظام الشيوعي الذي كان يحكم ما كان يسميه بتشيكوسلوفاكيا في ذلك الوقت.

 وبتحريض من جهاز الاستخبارات السوفييتية، قامت السلطات التشيكوسلوفاكية باعتقال جاك لندن بتهمة الخيانة، وأخضعته لعمليات تعذيب وحشية. وكان من الطبيعي أن يشن الشيوعيون الفرنسيون هجومات عنيفة على غافراس لأنه تجرأ على فضح مظالم الأنظمة الشيوعية خصوصا في الفترة الستالينية (نسبة إلى ستالين).

وفي فيلمه الآخر “حالة حصار”، قام غافراس بإدانة جرائم وكالة الاستخبارات الأميركية في العديد من بلدان أميركا اللاتينية. أما فيلم “Missing” فقد خصصه للانقلاب الذي دبرته الإدارة الأميركية ضد نظام الاشتراكي سالفادور اللندي في الشيلي عام 1973. وكان غافراس قد التقى الرئيس الشيلي قبل الانقلاب بفترة قصيرة.

ومتحدثا عن ذلك اللقاء، كتب يقول ”بعد أن سألني عن الأوضاع في فرنسا، وعن ميشال (زوجته)، وعن أبنائي عرض عليّ فكرته عن الاشتراكية بحسب الطريقة الشيلية، وهي اشتراكية ‘ديمقراطية وحرة‘ بحسب تعبيره. وستكون حرة بالنسبة إلى الجميع، سواء بالنسبة إلى المعارضة أو الصحافة أو الفن أو الدين. وقد شدد على كلمتي‘حرة‘ و‘حرية‘ كما لو أنه يرغب في أن يوحي لي بأنه لا يعارض نقدي للأنظمة الشيوعية في فيلم ‘الاعتراف‘. ثم راح يستعرض الهجومات التي تشنها الإدارة الأميركية عليه وعلى نظامه. كما استعرض تهجمات الأوروبيين وأكاذيبهم السياسية”.

ويروي غافراس أن الرئيس الشيلي رفض مغادرة بلاده عند اشتداد الحصار عليه، ولم يستجب لدعوة الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي اقترح إرسال طائرة خاصة لجلبه إلى العاصمة الجزائرية. وقد نال فيلم “MIssing” السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1982. واعتبرته الصحافة الأميركية من أفضل الأفلام السياسية العالمية.

ويروي كوستا غافراس تفاصيل لقاءاته مع نجوم السينما العالمية الذين تعرف عليهم، أو عمل معهم سواء في فرنسا أو في هوليوود التي “غزاها” في الثمانينات.

14