سيرجي بارادجانوف مخرج صور المشاهد في أفلامه كرسام

الأحد 2016/02/07
بارادجانوف.. شاعر السينما الذي منح الفيلم طعم الرمان

يعتبر المخرج الأرميني سيرجي بارادجانوف أحد عباقرة السينما الخالصة أو السينما الفنية الرفيعة وأستاذا من الأساتذة الذين قاموا بتطوير اللغة السينمائية. وتعد مشاهدة أفلامه بالنسبة إلى المشاهد المدرب على استقبال الأعمال البصرية الرفيعة، متعة للعين لا تعادلها متعة.

غير أن أفلام بارادجانوف ليست مجرد لوحات تشكيلية منفصلة، بل نماذج على قدرة هذا الفنان العظيم على استلهام الشعر والأسطورة والحكاية الرومانسية وإعادة تناولها من خلال نظرته الشخصية ورؤيته البصرية والتشكيلية الخاصة، وتطعيمها بما يناسبها من موسيقى وتعليق مصاحب من خارج الصورة أحيانا كما في فيلمه “عاشق قريب”، وتجسيد للحركة المرسومة جيدا، سواء حركة الكاميرا التعبيرية المجنونة التي لا تهدأ كما في فيلم “ظلال أسلافنا المنسيين”، أو حركة الممثلين والأشياء داخل الكادر السينمائي كما في فيلم “لون الرمان”.

ودراسة الأعمال الروائية الأربعة الكبيرة التي أخرجها هذا الفنان السينمائي الكبير هي أيضا متعة للدارسين ومتذوقي الفن عموما والفن السينمائي الرفيع بصفة خاصة.

وكما أن أفلام المخرج الروسي الراحل أندريه تاركوفسكي تلهم الإنسان الكثير من التأملات والأفكار الروحانية الخاصة حول مغزى الوجود وطبيعة العلاقة بين البشر وبينهم وبين المبدع الأكبر (الخالق العظيم) ومخلوقاته، تلهمنا أفلام بارداجانوف بالتأمل في معنى الجمال: جمال الصورة والتكوين وتجسيد الخيال الجامح والحركة والشعر.

بدايات الفنان

ولد سيرجي بارادجانوف في تيبليسي عاصمة جمهورية جورجيا في التاسع من يناير عام 1924، لأبوين ينتميان إلى عائلة أرمينية عريقة. وقد درس بارادجانوف السينما في الفترة من 1945 إلى 1952 في معهد موسكو السينمائي. وبعد تخرجه أخرج بارادجانوف ثمانية أفلام (منها فيلمان قصيران وفيلم تسجيلي) ربما يكون أهمها فيلم “رابسودي أوكرانية” (1958) الذي برزت فيه بدايات خافتة لمعالم أسلوب في التصوير سينضج ويتفجر فيما بعد.

أفلام بارادجانوف ليست مجرد لوحات تشكيلية منفصلة، بل نماذج على قدرة هذا الفنان العظيم على استلهام الشعر والأسطورة والحكاية الرومانسية وإعادة تناولها من خلال نظرته الشخصية ورؤيته البصرية والتشكيلية الخاصة

لم تلفت الأفلام الأولى التي أخرجها بارادجانوف الأنظار في إطار السينما السوفييتية السائدة بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه فاجأ العالم بأسره عام 1964 عندما أخرج فيلمه الأول الكبير “ظلال أسلافنا المنسيين” الذي عرف في فرنسا باسم “الجياد النارية”، وقد صوّره في أوكرانيا واقتبسه عن رواية كلاسيكية للكاتب الأوكراني ميخائيل كوتسيوبنسكي. وكان الصدى الذي أحدثه هذا الفيلم لدى جمهور السينما في العالم هائلا، بتكويناته اللونية غير المسبوقة، ولقطاته الجريئة، وإيقاعاته الخاصة في الحركة، وألوانه المدهشة، وقدرته على تجسيد الأحداث والمصائر بطريقة درامية صادمة. وقيل إن المخرج البولندي أندريه فايدا ركع على ركبتيه أمام بارادجانوف وقام بتقبيل يده تعبيرا عن إعجابه بهذا الفيلم.

وقال عنه المخرج والممثل الفرنسي روبير أوسين “إذا كان هناك فيلم يمكن أن نبعث به إلى حضارة أخرى كسفير لحضارتنا الإنسانية فهو فيلم “ظلال أسلافنا المنسيين”.

في عام 1968، نشرت مجلة “فيلم كومنت” الأميركية مقالين بقلم بارادجانوف يشرح فيهما كيف توصل إلى رؤيته في “ظلال أسلافنا المنسيين”. وجاء ضمن ما ذكره “إننا نحصر أنفسنا في نطاق محدود للغاية عندما نفكر بشكل ضيق تبعا لنظام تصنيف الأفلام. لذا فإنني أتناول الفرشاة باستمرار، إنه نوع آخر من التفكير، وبالتالي أفتح أمام نفسي طرقا مختلفة للاستقبال والتعبير عن الحياة”.

ويكشف بارادجانوف عن تأثره الكبير بالفيلم الروائي الطويل الأول لأندريه تاركوفسكي “طفولة إيفان”، فيقول إنه الفيلم الذي جعله يلجأ الى ذلك النوع من السينما التي عرف واشتهر بها فيما بعد “كان تاركوفسكي الذي يصغرني بإثني عشر عاما، معلمي وموجّهي. لقد كان أول من تعامل مع صور من الأحلام والذكريات في “طفولة إيفان” لكي يقدم الاستعارات والكنايات السينمائية. وقد ساعد تاركوفسكي الآخرين على فك رموز الكنايات الشعرية. وقد أصبحت أقوى بعد أن درست تاركوفسكي وقمت بعزف تنويعات أخرى مختلفة على لحنه”.

ويجسد أحد النقاد الفرق بين العملاقين فيقول إنه بينما كان تاركوفسكي يبحث عن “الحقيقة” كان بارداجانوف يبحث دائما عن “الجمال”.

وليس هناك أبلغ من تجسيد البحث عن الجمال في أعمال بارادجانوف من الطريقة التي يبدع بها في تصميم وإخراج مشاهده التي يرسمها عشرات المرات مجسدا فيها أحلامه. في فيلمه الأول “لون الرمان” (1969) الذي صوره في أرمينيا، ويروي فيه قصة الشاعر الأرميني “سيات نوفا” من القرن الثامن عشر، وكيف نضج من مجرد صبي يعمل في صبغ الملابس إلى أن وصل إلى بلاط الأمير الحاكم، ثم تحول الى شاعر. وينسج بارادجانوف فيلمه من مجموعة من الصور التي تشكل معا لوحات متعاقبة متناغمة، يعبّر من خلالها عن أكثر اللحظات حميمية وقوة بصرية في حياة الشاعر. والنتيجة أننا أمام لقطات أيقونية شديدة الشاعرية والأصالة تشع بالمعاني الروحية، وتتمتع بجمال داخلي مدهش حقا.

التراث الشعبي الآذري في فيلم "عاشق قريب"

السحر والموت

تدور أحداث فيلم “ظلال أسلافنا المنسيين” في إحدى قرى جبال الكربات بأوكرانيا خلال القرن السابع عشر، ويروي الفيلم قصة حياة “إيفان” من الطفولة إلى الموت، مرورا بالحب والسخط والحزن والشقاء والعودة إلى الحياة الطبيعية تدريجيا، ثم الزواج دون إنجاب، والبحث عن النجاة من خلال السحر، قبل أن يصل إلى الموت.

غير أننا لسنا أمام فيلم حزين يشيع الكآبة في النفس، بل عمل فني يفيض بالحيوية والحركة والحياة، ويمتلئ بلقطات تتأمل عبرها الكاميرا، في الطبيعة وكأن بارادجانوف يتطلع أيضا إلى الجمال الذي يحيط بحياتنا وربما لا نراه بسبب استغراقنا في البحث عن مخرج لمتاعبنا وعدم تحقيق ما كنا نصبو إليه.

إيفان الطفل، يفقد والده وشقيقه، سواء عن طريق الشجار أو بفعل القدر، وتبقى أمه، ثم يقابل معبودته الحسناء التي يقع في غرامها ويتزوجها لكنه يفقدها بعد أن تغرق في مياه النهر، ويتزوج امرأة أخرى شديدة الجمال، لكنه لا يشعر بالسعادة معها، فمازال شبح معشوقته الراحلة يتراءى له ويسيطر على ذهنه وخياله. لا ينجب إيفان من زوجته الجديدة، وتلجأ هي للسحرة لفك السحر حسبما تؤمن، وتعتقد أمه أن السر يكمن في الزوجة الراحلة التي مازالت تأسره.

وفي مشاهد شديدة الجرأة على السينما السوفييتية وقت إنتاج الفيلم، نشاهد أولا كيف يتجرد إيفان وحبيبته الأولى من ملابسهما ويلهوان في الغابة بين الأشجار مثل طفلين سعيدين، ثم نرى كيف تتعرى الزوجة الثانية “بالانا” من ملابسها وتهيم في الغابة ليلا، تتضرع إلى الأرواح التي تسكن الغابة أن تجعل إيفان يحبها. ويصور بارادجانوف أعمالا من السحر الأسطورية التي كانت تعدّ من المحرمات في السينما السوفييتية، كما نرى عندما يستخدم الساحر حصانين لمنع عاصفة مدمرة من الاقتراب من القرية، ثم كيف يستخدم قوته الخاصة في إغواء “بالانا” وممارسة الجنس معها بحيث يمنحها للمرة الأولى ما يعجز “إيفان” عن منحها إياه منذ زواجهما.

في كل أعمال بارادجانوف إحساس طاغ بالتعبد للخالق، والإعجاب غير المحدود الذي يكنه للخليقة: للإنسان والحيوان والطيور والطبيعة عموما

ويظل العنصر الأهم في الفيلم هو العنصر البصري، الحركات الصعبة للكاميرا التي تهبط من قمم الجبال وتسقط مع الأشجار التي تهوى، أو تتابع في حركات “الكرين” المعقدة المطاردات والشخصيات التي تهرب من مصائرها وسط المناظر الطبيعية المذهلة، أو الكاميرا الحرة المتحركة المحمولة على الكتف التي تجعل الصورة تهتز، مع إضافات من المؤثرات الخاصة لإضفاء طابع ضبابي على الصورة، ولقطات الوجوه الشبحية التي تتبدى لحظة العثور على جثة الزوجة الغارقة.

الحب والجمال

الحب والجمال هما جناحا أعمال بارادجانوف المتميزة كلها، وهما المدخل الأساسي لفهم شخصيته وتكوينه. الحب الذي يصوره كما لم يصوّره أحد في السينما من قبل، والجمال الآسر في كل لقطاته.

وفنان جامح بهذا الشكل كان يعمل في ظل السينما السوفييتية بتقاليدها الواقعية الاشتراكية كان لا بد وأن ينشأ الصدام بينه وبين السلطات في بلاده.

لقد حصلت أفلامه على 39 جائزة دولية، لكن السلطات الأرمينية بدأت تمارس اضطهاده منذ أن انتهى من إخراج فيلم “لون الرمان”، الذي حقق له شهرة عالمية كبيرة. فقد كتب بارادجانوف عدة سيناريوهات أراد تحقيقها غير أنها قوبلت بالرفض من جانب الحزب والسلطات الحكومية. وفي عام 1973 اعتقل بارادجانوف بتهمة الشذوذ الجنسي وتهم أخرى تتعلق بالمتاجرة في الآثار، وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، وقاد السينمائيون في الغرب حملة شديدة للمطالبة بإطلاق سراحه وهو ما تحقق عام 1977 مع منعه من العمل، لكن السلطات ظلت تعيد اعتقاله وسجنه بين فترة وأخرى، فقد سجن عام 1982 في تيبليسي عاصمة جورجيا دون تهمة محددة، لمدة أحد عشر شهرا، وفي عام 1984، مع بدايات سياسة “البريسترويكا” أو الانفتاح السياسي التي أعلنها غورباتشوف، سمح له بإخراج فيلم “أسطورة قلعة سورام” الذي صوّره في جورجيا، ثم “عاشق قريب” الذي صوّره في أذربيجان، عن قصيدة للشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف.

في "ظلال أسلافنا المنسيين" يستخدم بارادجانوف الأسطورة والسحر والخيال

بعد أن صور بارادجانوف أفلامه الثلاثة السابقة في أوكرانيا وجورجيا وأرمينيا، يذهب في فيلمه الرابع الكبير “عاشق قريب” (أخرج بارادجانوف في الواقع ثمانية أفلام روائية طويلة) إلى أذربيجان، مستهلما قصة قصيرة للكاتب الروسي ليرمنتوف، يطوّعها للفولكلور الشفوي الآذري، وتدور في الزمن البعيد، حول شاب يرغب في الزواج من حبيبته لكن والدها الجشع يرفض بسبب فقره، فيتفق مع حبيبته على الذهاب لتجربة حظه وجني ثروة يعود بها إلى والدها لكي يوافق على زواجهما.

وتتعهد له الفتاة أن تنتظر عودته لمدة ألف ليلة وليلة. يجوب الشاب البقاع والمدن المختلفة في أرجاء البلاد، ينشد الأغاني، يتعرض للكثير من المتاعب، يضطر إلى قبول ما لا يمكن قبوله، يتآمر عليه الطامعون في الاستيلاء على حبيبته ويشيعون أنه قُتل، يذهب للغناء في حفل زواج بين أصم وبكماء، يخوض الكثير من المغامرات التي يبدع بارادجانوف في تصويرها، مبرزا الثقافة الأذارية الخاصة: الصور واللوحات وأعمال السيراميك والملابس الفضفاضة الملونة، والموسيقى والأغاني الشعبية القديمة، مازجا الخيال بالحقيقة، الملائكة بقطيع الجمال الذين يرشهم “العاشق” بماء الرمان بعد وفاة صديقه الشاعر المتجول العجوز. إنه احتفال بالثقافة الشعبية كما لم نر من قبل.

الحس الديني

خلال فترات وجوده في السجن، رسم بارادجانوف وصنع عشرات الأيقونات الجميلة وعبّر عن نفسه بصنع الكثير من القطع الفنية باستخدام الزجاج والورق وسدادات العلب وحتى بعض المخلفات محوّلا إياها الى تحف فنية يمتلئ بها حاليا المتحف المخصص لأعماله في عاصمة بلاده، كما قام بتعليم فريق من السجناء الرسم وصنع القطع الفنية.

في كل أعمال بارادجانوف إحساس طاغ بالتعبد للخالق، والإعجاب غير المحدود الذي يكنه للخليقة: للإنسان والحيوان والطيور والطبيعة عموما. إنه مفتون بجمال الطبيعة وما تحتويه من مخلوقات. إنه البحث الشاق عن الكمال في الخلق.

لكنه لا يتعامل مع الإنسان بصورته العادية التي خلق عليها بل يدخل عليها رؤيته ونظرته من خلال الأشكال التي يختارها للملابس وللحركة والظلال والأضواء التي يسلطها عليها، وفضلا عن كل شيء استخدامه للألوان: الأحمر والأصفر والأزرق والأسود.

بارادجانوف نجح وتميز في صنع سينما "أخرى" غير تلك التي كانت سائدة قبله، سينما تخاطب العقل والقلب معا، العين والأذن، التأمل والإحساس. سينما لا تعتمد على الافتعال المصنوع رغم ما فيها من تلاعب بالشكل، بل على البساطة وعلى العودة إلى الجذور: جذور الثقافة الشعبية في الموسيقى والإيقاعات والغناء والشعر والحركة الاحتفالية.

توفي بارادجانوف عام 1990 عن 66 عاما وترك وراءه تراثا سينمائيا متنوعا يتميز بجمالياته الخاصة وصوره المدهشة، وقدرته على التعبير الجامح عن رؤيته بلا حدود.

ناقد سينمائي من مصر

16