سيرحل الجنرال غير أن آثار جرائمه باقية

الثلاثاء 2013/10/01

كم هي كلفة إزاحة الرئيس السوداني عمر البشير من الحكم، بشريا وماديا؟

مثل سواه من الحكام العرب يبدو البشير متمسكا بالسلطة، رغم فشله في إدارتها، بل أن وجوده حاكما قد جلب للسودانيين كوارث مضافة، هم في غنى عنها، لكي يكونوا شعبا، هو من أكثر شعوب العالم تعاسة وسوء حظ.

الرئيس المطلوب للعدالة الدولية باعتباره مجرم حرب هو الوريث الحقيقي من جهة ما يشكله من عبء على السودان وشعبها لسلفه جعفر النميري وهو الذي حكم السودان ما بين 1969 و1985.

بقاء النميري في السلطة كان مكلفا. فالرئيس المهووس بنفسه كان قد انتقل من كونه يساريا إلى اعتماد الشريعة الإسلامية منهجا للحكم. فكان له في كل مرحلة ضحاياه من الجهة الأخرى، التي انتقل منها بخفة.

لقد شهدت حقبة النميري الكثير من المجازر، راح ضحيتها سياسيون معارضون. وبسبب سياسات النميري الاقتصادية، التي هي مرآة لمزاجه السوداوي المتقلب، فقد بدأ الاقتصاد السوداني مسيرته في اتجاه الهاوية. أما البشير فهو وإن انقلب على الإسلامويين بزعامة حسن الترابي الذين جاءوا به إلى الحكم، فإنه لا يزال مصرا على إلباس الدولة عباءة دينية، وهو ما أتخذ منه ذريعة لتبني مشروع انفصال الجنوب المسيحي. ولم تكن تلك الذريعة إلا كذبة.

كان الرجل قد سعى إلى إغواء الغرب عن طريق تخليه عن الجنوب، طمعا في أن تغض الولايات المتحدة الطرف عنه، وتتناسى مسألة القبض عليه وتسليمه إلى المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب. وهذا هو ما جرى مؤقتا، لكنه لن يستمر طويلا.

لم تكن إزاحة النميري مكلفة. انقلاب أبيض قاده عبدالرحمن سوار الذهب الذي كان وزيرا للدفاع يومها، أطاح به فيما كان مسافرا، ليسلم سوار الذهب السلطة في ما بعد إلى حكومة مدنية.

أما إزاحة البشير فقد لا تكون كذلك.

الاحتجاجات الشعبية التي تعم اليوم عموم السودان لن تكون إلا بداية لمسيرة طويلة، يكون هدفها الدائم إسقاط نظام البشير، والتخلص من أعبائه على المستويين الإقليمي والدولي.

لقد نجح الجنرال في أوقات سابقة في تهميش وإضعاف خصومه من المدنيين، وفي مقدمتهم مرشده وزعيمه الروحي الترابي الذي قضى سنوات منفيا في الدوحة. وعلى صعيد المؤسسة العسكرية فقد تعلم البشير من درس النميري الشيء الكثير، فصنع جيشا موال له بعد أن تخلص ممن يشك في ولائه من العسكريين، إضافة إلى وجود ميليشيات غير معلنة تدين له بالولاء، يستعملها في الوقت المناسب، كما حدث في إقليم دارفور.

فهل هذا يعني أن سقوط نظام البشير لن يكون ميسرا؟

يتفق الكثيرون أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها السودان اليوم، والتي كان الجزء الأعظم منها من صناعة النظام أو كان مسؤولا عنه، هي التي ستفضي بالنظام إلى أجله المحتوم. غير أن تلك النهاية ستكون هي الأخرى مكلفة، ولكنها مع ذلك لن تكون أكثر كلفة من استمرار النظام في الحكم.

إذا ما تطورت الاحتجاجات السلمية وهو ما أتوقعه، فلا يملك النظام سوى أن يستمر في مواجهتها بالعنف. ما رأيناه في الأيام الماضية أن النظام كان صريحا في تبني فعل القتل وسيلة لإسكات المعارضين. غير أن ما هو مؤكد أن هامش العنف المسموح به للنظام لن يكون كبيرا وواسعا.

فما وقع في سوريا لن يقع في السودان. لا لأن النظام السوداني لا يملك أصدقاء في العالم يقفون نيابة عنه في وجه القرارات الدولية كما هو حال النظام السوري، بل وأيضا لأن رأس النظام لا يزال مطلوبا للمحكمة الدولية باعتباره مجرم حرب.

إذا ما لجأ البشير إلى اعتماد القتل وسيلة للقضاء على المحتجين السلميين، فسيكون ذلك سببا كافيا لأن يلجأ المجتمع الدولي إلى اعتماد وسيلة مناسبة لإلقاء القبض عليه ومحاكمته. سيرحل الجنرال لكن آثار جرائمه في دارفور لن تمحى.

ولن ينسى السودانيون جريمته في تقسيم بلادهم.


كاتب عراقي

9