سيرغي لافروف.. رجل "اللاءات" الجديد يعيد الاعتبار إلى النفوذ السوفياتي

السبت 2013/09/14
لافروف يسحب البساط من تحت أقدام نظيره الأميركي

موسكو-فعلها الدبّ الروسي ووضع الجميع، حلفاء وخصوما، أمام الأمر الواقع، حين اقترح وزير خارجية روسيا، الدبلوماسي المخضرم سيرغي لافروف، وضع الترسانة الكيميائية السورية تحت إشراف دولي ليسجّل بذلك هدفا ويبعد عن حليفته دمشق شبح الضربة العسكرية ولو إلى حين. وقد وصف مراقبون ومحللون سياسيون مبادرة روسيا بوضع الأسلحة السورية تحت رقابة دولية بالحبل الذي رماه الرئيس الروسي بوتين للرئيس الأميركي باراك أوباما لإنقاذه وإخراجه.

أوباما كان في موقف محرج بعد الحصار الشعبي والدولي لقرار الضربة، فجاءت المبادرة الروسية التي اتفق عليها الزعيمان، حسب ما تم الكشف عنه لاحقاً، لتخلق الحل الذي يحفظ ماء وجه الرئيس الأميركي الذي "احتفظ بحق" شن العدوان لإجبار النظام السوري على التجاوب مع مقترح موسكو والتخلي عن أسلحته الكيميائية.

في قمّة التحضيرات النفسية والإعلامية لتوجيه ضربة عسكرية ضد سوريا، برز وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ملوّحا بمبادرة لحلّ المعضلة السورية.

رغم جولاته المارطونية ودوره في الملف السوري لم يبرز اسم لافروف بالقوة التي برز بها إثر الإعلان عن المبادرة الروسية، ليجسّد وزير الخارجية الروسي مفاجأة دبلوماسية، دعّمت موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الحالم بإعادة أمجاد الدولة الروسية القوية.

هذا الدبلوماسي المحنك الذي تخرج من المدرسة السوفياتية سنة 1972 استغل الفرصة واقترح مخرجا مشرفا للروس والأميركيين على السواء عندما أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن النظام السوري سيتجنب الضربات إذا سلّم الأسرة الدولية ترسانته الكيميائية.

بينما كان الرئيس الأميركي أوباما يجاهد من أجل الوصول إلى حلّ يحفظ ماء وجهه وبينما كان يستجدي أعضاء الكونغرس الأميركي ليتفادى قرارا مشابها للقرار البرلمان البريطاني القاضي برفض التدخّل العسكري في سوريا، فتح الدبّ الروسي جرابه ليخرج بمقترح نال ثقة النظام السوري وأغلب الأطراف الإقليمية والدولية المتورّطة في المعضلة السورية.

هذه المبادرة كانت بمثابة الحبل الذي أنقذ أوباما من الغرق، على حد وصف المراقبين. وكتب غورغي ميرسكي، الباحث في المعهد الروسي للاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية على مدونته، أن "لافروف أنقذ أوباما"، معتبرا أن مبادرته هي "القرار الوحيد الذكي والمفيد فعلا للدبلوماسية الروسية منذ اندلاع النزاع في سوريا قبل عامين ونصف العام".

برز لافروف بشكل لافت خلال الأزمة السورية، بسبب موقف بلاده الداعم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وقد أثارت مواقفه وتصريحاته في هذا السياق الكثير من الجدل والانتقادات على الصعيدين الدولي والعربي، قبل أن يعلن المبادرة الروسية الأخيرة لحل الصراع الدائر في سوريا منذ أكثر من عامين.

وكتب فلاديمير دوبيان عن لافروف، في صحيفة لومند الفرنسية، قائلا "إن الدبلوماسية الروسية، بقيادة بوتين ولافروف سجّلت عددا من النقاط باقتراحها وضع ترسانة السلاح الكيميائي تحت الرقابة الدولية. ويبدو أن الكرملين استعاد زمام المبادرة وذلك على نقيض التأويلات التي فسرت صمت بوتين في نهاية آب بأنه إذعان للضربة العسكرية الأوروبية. لقد عادت موسكو إلى قلب العملية السياسية في الشرق الأوسط. وها هو فلاديمير بوتين بعد أيام من قمة بطرسبرغ يسحب البساط من تحت أقدام أوباما وفرنسوا هولاند اللذين بذل وزيرا خارجيتهما جهودا كبيرة من أجل تشكيل ائتلاف يدعم العملية العسكرية ضد النظام في دمشق".

ومعروف عن لافروف، الرجل الممشوق القامة الذي يتولى حقيبة وزارة الخارجية منذ 2004، تصلّب مواقفه في الملف السوري، مما حدا بالبعض إلى وصفه، منذ بدء الأزمة السورية، "برجل اللاءات" الجديد، وقد كان هذا اللقب كنية لاندري غروميكو، وزير الخارجية في العهد السوفياتي المعروف بتعنته خلال الحرب الباردة.

سيرغي لافروف
مولود في 21 آذار/مارس 1950 في موسكو، لأب من أصول أرمنية من تبليسي وأم روسية من جورجيا.

تدرب في المدرسة السوفياتية وتخرج من معهد العلاقات الدولية المرموق في موسكو، ويتكلم الفرنسية والإنكليزية والسنغالية. وبدأ مسيرته المهنية في السفارة السوفياتية في سريلانكا. وبعد أن خدم في دائرة المنظمات الدولية في وزارة الخارجية، عين في 1981 السكرتير الأول في ممثلية الاتحاد السوفياتي لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وفي 1992 تمت ترقيته إلى منصب نائب وزير. وفي 1994 عاد إلى نيويورك بوصفه الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة. وفي آذار-مارس 2004 عينه فلاديمير بوتين وزيرا للخارجية خلفا لايغور ايفانوف.

ثعلب الخارجية الروسية، في العهد الرئاسي الثالث لفلاديمير بوتين، يعرف تماما ثغرات الغرب، اكتسبها على مدى أكثر من 40 سنة في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. وقد أقام في الولايات المتّحدة الأميركية أكثر من 15 عاما، حيث شغل منصب ممثّل روسيا لدى منظّمة الأمم المتّحدة في مقرّها بنيويورك.

ومعرفة لافروف الجيّدة بالغرب جعلت، هذا الروسي ذا الأصول الأرمينية، بيدقا هاما في حكومة بوتين، الحالم بعودة أمجاد القياصرة والسوفييت. وقد وصفه دبلوماسي غربي بـ "أنه داهية ومحترف جدا"، وعلى اطلاع واسع بالأعراف والقوانين الدبلوماسية مما جعله موضع تقدير في روسيا وفي الخارج.

وأضاف الدبلوماسي "إنه أحد أفضل الدبلوماسيين الذين عرفتهم روسيا. يعرف كل الآليات والإجراءات والقواعد ويستخدمها بامتياز". وسجّل لافروف حضوره في الصفوف الأمامية في مختلف الأحداث التي كانت فيها بلاده حاضرة كلاعب رئيسي، من الحرب مع جورجيا إلى النزاع في سوريا مرورا بملف إيران النووي وقضية مانييتسكي.

كان سيرغي لافروف عند انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية 1991، يتولى دائرة في وزارة الخارجية الروسية تحت إشراف الوزير الإصلاحي اندري كوزيريف. وكان الاتجاه في حينها مؤيدا للغرب، لكن ثقل روسيا على الساحة الدولية لم يعد له أية علاقة مع الاتحاد السوفياتي. وفي 1992 تمت ترقيته إلى منصب نائب وزير. وفي 1994 عاد إلى نيويورك بوصفه الممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة. وفي آذار-مارس 2004 عينه فلاديمير بوتين وزيرا للخارجية خلفا لايغور ايفانوف الذي كان عينه بوريس يلتسين في هذا المنصب.

واستطاع لافروف القادم من الحياة السياسية المدنية وليس العسكرية، أن يستمر على طريقة إيفانوف في قيادة الدبلوماسية الروسية، واشتهر بقدراته المتطورة في التفاوض حتى وصف في الأوساط الدبلوماسية العالمية بأنه المفاوض الصعب.

وحينما تولى ديمتري ميدفيدف رئاسة روسيا الاتحادية عام 2008، بقي لافروف في منصبه بسبب خبرته الطويلة كرئيس للدبلوماسية الروسية، وجدد له كوزير للخارجية بعودة الرئيس بوتين إلى سدة الرئاسة في الكرملين عام 2012. وساهم سيرغي لافروف إلى حد كبير في إسماع صوت روسيا الاتحادية بقوة كبيرة على الساحة الدولية.

ويقول غورغي كونادزيه المسؤول السابق الكبير في الوزارة إن لافروف كأي دبلوماسي "يطبق تعليمات القيادة بحذافيرها". وهذا الأمر صحيح خصوصا منذ أن عاد بوتين إلى الكرملين في 2012 بعد أن تولى رئاسة الوزراء لأربع سنوات لأسباب دستورية. وقال كاراغانوف "حتى وإن كان يطبق أوامر الرئيس، فإن الأخير يصغي إليه أيضا. لديه هامش من المناورة". ويشكّل بوتين ولافروف ثنائيا متكاملا في السياسية الروسية التي لم تخرج من العباءة السوفياتية، فالأول عسكري لا يرى إلا الجوانب العسكرية، والثاني مناور جيّد ولا يستبعد مراقبون أن يكون هو مهندس المبادرة الجديدة بخصوص سوريا.

بعيدا عن السياسة، ومن الجوانب الشخصية، يعرف عن لافروف أنه مدخن ويحب تناول الويسكي حسب الصحف الروسية، كما أنه من عشاق الرياضات الخطيرة ويعشق التجديف -وهو الرئيس الفخري لاتحاد روسيا- والرحلات في غابات سيبيريا. وخلف قناع الدبلوماسي الصلب يختفي قناع الشاعر صاحب القصائد الرومانسية الغنائية الذي يهوى العزف على الغيتار.

13