سيرمون مصور فوتوغرافي عراقي شاب يطارد الظواهر النادرة

السبت 2017/04/29
سيرمون يضفي لمسة كلدانية على الشفق القطبي

ستوكهولم- الشغف أن تدمر قصور الرمل التي بنيتها لتعيد بناءها من جديد، ليتجدد الشغف وتتجدد متعة التحطيم الطفولية لكل ألعابنا الأثيرة على قلوبنا، أن تروي حكايات من تحبهم ألف مرة وتعيد صياغة حنينك لهم من جديد، وتصبح على بعد تفاصيل صغيرة من ذكراهم دون أن تمل من ذلك أبدا. أن تطرق أبوابا وأنت تدرك أن لا أحد يسكن خلفها، ولكنك تمارس طقسا من طقوس الشوق لغائب أو راحل أو ميت.

الشغف لدى سيرمون شابي أن تزيل الغبار عن صور لا تحمل إلا الوجع والحنين، ولكنها تستفز ما تبقى من خلاياك التي لم تعصف بها حياة لاهثة بلا بريق. أن تصرخ ملء حنجرتك صرخة لا تستقر إلا في ثنايا الصدى، ولكنك تسخر من جبنك الممتد إلى عقود من الخوف.

تحديات المهاجر العراقي

شابي لا يدمر قصور الرمل وحسب، بل يلملم تفاصيل المشهد ويرسم بعدسة لماّحة ما يفيض به الأفق الأسكندنافي البارد من شهب وألوان ولوحات فنية.

سيرمون مصور فوتوغرافي عراقي يلتصق بكاميرته بكل الشغف بحثا عن اللحظة، ليقبض عليها متلبسة في بؤرة عدسته. هذا الشغف قاده ليغامر كثيرا و يسهر كثيرا بانتظار أن يرصد ظاهرة الشفق القطبي في وسط مملكة السويد. على الرغم من أن الكثير من المصورين المحترفين السويديين أشفقوا عليه من ذلك لأن الأرقام والإحصائيات تقول إن وسط السويد لا يمكن أن تلتقط فيه الشفق القطبي.

يومها ابتسم سيرمون وأومأ للملل والإحباط ساخرا، حتى حانت اللحظة في ليلة باردة توقفت فيها الكاميرا عن العمل أكثر من مرة وكأن مفاصلها تجمدت من شدة البرودة، لكنه عاد ليلتها إلى منزله بحصيلة دافئة من شغف الشفق القطبي.

في الثامنة من عمره كان سيرمون على موعد مع مفترق طرق، لم يدرك كنهه حينها بالتأكيد، لأن والده أهداه كاميرا بمناسبة الأعياد، تفحصها منتبها إلى أن الأب كان يملك عدة كاميرات لكنه لم يكن يزاول مهنة التصوير.

وكطفل يلهو بدميته الجديدة بدأ بتصوير كل شيء يجده أمامه، في الجامعة وفي كلية الإعلام تحديدا كانت مادة التصوير الصحافي تثير اهتمامه فطور نفسه بها حتى في خضم عمله الصحافي في العراق في مجال الإعلام المقروء والمرئي.

ولأن الغربة باتت وشما على جبين العراقيين منذ عقود مضت فقد امتطى الشتات نحو السويد بحثا عن فضاءات جديدة لحياة جديدة وأحلام جديدة وطموحات جديدة. ولأنه كان يرصد كل أخبار الشفق القطبي متمنيا أن يراه بالعين المجردة، بحث ونقّب في المراجع والمواقع الإلكترونية منتظرا الصدفة التي قادته في ليلة شتائية عام 2015 في مدينة اسكلستونا بوسط السويد، فالتقطت عدسته لونا أخضر في الأفق. اتصل بأصدقائه من المصورين الفوتوغرافيين السويديين متسائلا هل هذا هو الشفق القطبي؟

جاء الرد بالنفي، لأنهم يعلمون أن الشفق القطبي لا يظهر في سماء وسط السويد، لكن الاجابة النافية هذه لم تفتت في عضد سيرمون، بل زادته مطاردة لحلمه، حتى قرأ في الموقع الرسمي لوكالة ناسا أن عاصفة شمسية ستتجه لكوكب الأرض، إنها بمجرد الاحتكاك بالمجال الجوي للأرض في الليل ستتشكل الألوان والموجات المذهلة، فلم يكن من سيرمون إلا أن تأبط كاميرته وانطلق ينتظر الشفق القطبي، وبعد أكثر من 600 صورة التقطها كان الشفق القطبي في وسط السويد يستقر في ذاكرة رقمية حملها بعناية، وأعلن من خلالها للسويديين أنه قبض على الشفق القطبي متلبسا في وسط السويد.

انعكاس أعماق المصور

الدهشة والإعجاب والتقدير كان حال وسائل الإعلام السويدية والاسكندنافية، فاحتفت صحيفة إسكيلستونا كوريرين المحلية والتلفزيون السويدي والقناة الرابعة وشركة كانون اسكندنافيا بذلك، مؤكدة أنها الصور الأولى التي يمكن من خلالها مشاهدة الشفق القطبي في مناطق وسط السويد.

هذا الإنجاز اللافت والمتفرد كان فاتحة خير على المصور العراقي الشاب، فأصبح أكثر ثقة بأنه قادر على إقامة معارض للتصوير الضوئي لتكون تجربته في متناول الجميع، ففي أبريل عام 2016 أقام معرضا مشتركا مع مصورين سويديين وحمل المعرض عنوان “انعكاس”.

كانت لسيرمون فيه خمس لوحات تتناول الانعكاس الداخلي لشخصية المصور وانعكاسات ظاهرة الشفق القطبي النادر الحدوث في منطقة وسط السويد، وبعد شهر من ذلك كان معرضه الشخصي الأول وقدم فيه 12 صورة، تضمنت ظاهرة الشفق القطبي النادرة وكذلك ظواهر طبيعية أخرى كتزامن اكتمال القمر مع عيد رأس السنة فهذه الظاهرة لا تتكرر إلا كل 33 سنة، وتلفحت عشر صور بعتمة الليل لأن المصور اختار الليل زمنا للتصوير فتلونت الصور بحديث النجوم وأمطار الشهب ودرب التبانة.

المعرض الثالث في صيف 2016 وكان مشتركا مع المصور السويدي ميكائيل خوتين وانحصرت لوحات المعرض بظاهرة الشفق القطبي في اسكلستونا وسط السويد.

من أجل الآخرين

وكما ترك سيرمون بصمه بعدسته المترقبة والمراقبة في الذاكرة السويدية، فقد قرر منذ مجيئه إلى بلاد الثلج ألا يستكين ولا يستسلم لكآبة الثلج الثقيل في شتاء اسكندنافي لا ينتهي، بل اجتهد كثيرا ليتقن اللغة الجديدة من أجل الآخرين، أبناء بلده الأصلي، وأبناء البلد الجديد الذي وصلوا إليه، ليصبح عنصرا فاعلا في مشروع الاندماج الذي تعمل عليه باهتمام كبير الدولة السويدية لدمج المهاجرين في المجتمع الجديد الذي وفدوا إليه.

انضم سيرمون إلى العمل في حكومة اسكلستونا في مجال الاندماج وتحديدا في مشروع كان لهذه المدينة السويدية عصا السبق فيه؛ فكرة برنامج “صديق اللغة”.

فمنذ العام 2007 وهذا البرنامج يقوم على إتاحة الفرصة لمن يرغب من السويديين في مساعدة شخص قادم جديد على الحصول على بداية جيدة في وطنه الجديد، ليتعرف أكثر فأكثر على التقاليد السويدية والثقافة السويدية واللغة السويدية، مما يساهم في مساعدة المهاجرين على تسريع انخراطهم واندماجهم في المجتمع الجديد.

معرض سيرمون الأول فيه 12 صورة، تتضمن ظاهرة الشفق القطبي النادرة

وبعد عشر سنوات على انطلاقة هذا المشروع الرائد وتعميمه على 132 بلدية ومركز في أنحاء السويد، كان على سيرمون أن يقود هذه التجربة وهذا البرنامج في مدينة ستريغنس الصغيرة والبديعة الجمال. ليعمق هذا البرنامج ويبعث في مفاصله وتفاصيله حيوية كبيرة، وليزداد عدد المشاركين فيه ويلتقون ببعضهم البعض بشكل أفراد أو مجموعات، وكذلك في حفلات ثقافية وأمسيات أدبية وفنية ينظمها البرنامج، إضافة إلى إفتتاح ما يسمى بــ”مقاهي اللغة” التي أصبحت منتشرة بعدة أماكن في السويد والهدف منها إيجاد مراكز لمساعدة القادمين الجدد في تحسين لغتهم ومساعدتهم في الدراسة والواجبات الدراسية في المراحل الأولى لتعلم اللغة.

شيطان التفاصيل البديعة

يقول سيرمون في أحد حواراته “كانت الأشكال الهندسية التي تكونها النجوم هاجسي الليلي قبل النوم. وغالبا ما أرسم أشكالها بيدي أو أحصيها إلى أن لا أجد نهاية. الشفق القطبي ما هو إلا حالة نادرة لا يستطيع كل الناس أن يروها دائما لذلك كان هدفي الأول أن أنقل جمال الطبيعة المدفون إلى أنظار الجميع”.

ويضيف “أنا أسافر من منطقة إلى أخرى من أجل التخييم في البرد القارس بين حدود فنلندا وشمال السويد، لكونها المنطقة الوحيدة التي تشهد هذه الظاهرة كل عقد من الزمن. كان الأمر يجري بصعوبة كبيرة فقد قمت بالسفر لمسافات طويلة جريا وراء أهم الظواهر الكونية التي شهدتها سماء السويد إلى أن وصلت إلى النتيجة هذه”.

يُقال إن “الشيطان يسكن في التفاصيل”، لكن الشغف أحيانا هو من يسكن في التفاصيل. فتبدو اللوحة مكتملة الأجزاء شفافة واضحة بلا رتوش أو فوتوشوب، ويصنع الشغف الفارق، وهذا ما باحت به ملامح وجه سيرمون مصورا مبدعا، وصديقا للغة، وواثقا بأن للحكاية تفاصيل جديدة لم تكتب بعد قد تكون الأجمل.

13