"سيرينا" محاولة فاشلة للموازنة بين الشخصية والرمز

هناك فارق كبير بين الفيلمين الأخيرين للمخرجة الدنماركية سوزان بيير، “فرصة ثانية” و”سيرينا”. فيلم “فرصة ثانية” فيلم دنماركي تدور أحداثه في البيئة التي تعرفها المخرجة جيدا، كما أنه يعتمد على سيناريو متين وعلى رسمه للشخصيات في علاقاتها ببعضها البعض وبالمحيط الذي تدور فيه الأحداث. إنه يصور دراما اجتماعية نفسية تصل تدريجيا إلى الرعب، ولكن دون أن تفقد إيقاعها الإنساني وموضوعها الكفيل بجذب المشاهدين حول العالم رغم اختلاف الثقافات.
الجمعة 2015/05/01
جنيفر لورانس قدمت أداء أحاديا متكلفا

أتى الفيلم الثاني للمخرجة الدنماركية سوزان بيير المعنون بـ”سيرينا”، والذي بدأت عروضه أخيرا، بسيناريو مشتت في اتجاهات متعددة، رغم استناده إلى رواية الكاتب رون راش، التي صدرت قبل ست سنوات، إلاّ أن طموح كاتب السيناريو كريستوفر كايل لتقديم دراما نفسية واجتماعية مثيرة، ترتبط أيضا بفترة الكساد الاقتصادي التي تدور فيها أحداثه خلال أواخر العشرينات من القرن العشرين، بعثر كل شيء.

فلا يصبح الفيلم بالتالي فيلما من أفلام المطاردة البوليسية، ولا فيلما عن الصراع وشهوة المال لدى الطبقة الرأسمالية الجامحة في الولايات المتحدة رغم الأزمة الاقتصادية الضارية، ولا هو في النهاية، نجح في أن يجعله فيلما من أفلام الدراما النفسية التي تكتسب أبعادا رمزية، بل بدا تائها وسط مختلف الثيمات والاتجاهات.

المشكلة الثانية أن فيلم “سيرينا” جاء فاقدا للهوية، رغم أميركية الشخصيات والأحداث، فالمخرجة سوزان بيير لم تنجح في السيطرة على الأحداث بحيث تعكس رؤية خاصة لهذا العالم الذي تصوره الرواية، كما فشلت في جعل الفيلم من أفلام دراسة الشخصية، بسبب انحرافه في اتجاه أسطرة الشخصية وبالتالي إخراجها من دائرة الواقع.

يحدث لقاء عابر بين بطل الفيلم جورج بمبرتون (برادلي كوبر) مع سيرينا (جنيفر لورانس) أثناء ركوبهما الخيل، خلال زيارة جورج لشقيقته في كولورادو، وتبدأ العلاقة بينهما بعبارة لا مكان لها سوى في كتب الخيال، عندما يقول جورج لسيرينا مباشرة ودون أي مقدمات من فوق ظهر الفرس: “أعتقد أننا يجب أن نتزوج”!

وفي المشهد التالي مباشرة نرى حفل زواجهما، ثم ينتقلان من كولورادو إلى كارولينا الشمالية، إلى منطقة الجبال حيث يمتلك جورج ضيعة واسعة من الأراضي البكر المليئة بالأشجار، وفيها مئات العمال يعملون في قطع الأشجار، فهو يتاجر في عروق الأشجار، كما يقوم أيضا بتشييد خط جديد للسكة الحديدية في البلدة الوليدة ضمن سياق تأسيس مجتمعات الغرب الحديثة في أميركا.

وجوه متعددة للمشاكل

بمجرد وصول سيرينا إلى الضيعة، تنفجر المشاكل في وجه جورج. أولا هناك شريكه بوكانان الذي يصدم بخبر زواجه المفاجئ فقد كان على ما يبدو، يتطلع لإقامة “علاقة خاصة” معه، كما أنه شريكه ومستشاره المالي، لكن الاثنين يديران الأمور المالية معا بطريقة تشوبها بعض المخالفات الخطيرة.

المخرجة سوزان بيير انحرفت في اتجاه أسطرة الشخصية فأخرجت الفيلم من دائرة الواقع

من ناحية أخرى، تظهر راشيل وهي امرأة من الطبقة العاملة، كان جورج قد أقام معها علاقة جسدية أسفرت عن طفل رضيع تحمله راشيل على كتفها، وتواجه الأب في إصرار، تريد أن تقول إن لها حقوقا لولدها لديه.

في الوقت نفسه، تكشف سيرينا عن جانب آخر غير متوقع في شخصية امرأة جميلة مثلها، فهي تنتمي إلى عائلة ذات باع في تجارة الأشجار، ومن أول لحظة تبدي اهتماما بقيادة العمل في الموقع، وسط العمال، وتتدخل في الكثير من الأمور في عمل الشـركة.

ويعلن جورج أمام الجميع أنها شريكة له، وليست مجرد زوجة، ما يثير قلق وغيرة الكثيرين وفي مقدمتهم بوكانان.

وهناك مأمور البلدة ماكدويل الذي يريد أن يقيم بالتعاون مع بعض القادرين في المنطقة، حديقة كبيرة في الأرض التي يشغلها جورج بمبرتون، والمأمور أيضا يشك في وجود الكثير من التلاعب، كما يحاول استمالة العمال إليه مستنكرا ما يقع من حوادث دامية أثناء العمل تؤدي إلى مصرع وإصابة الكثير من العمال.

هذه الشخصيات كان من الممكن أن تصنع دراما قوية تبرز فيها فكرة الصراع الاجتماعي بين الطبقات، وتبرز شراهة الرأسمالية وتلاعباتها واستغلالها، لو عرفت سوزان بيير كيف تستخدم شخصية سيرينا وتجعلها مرادفا لليدي ماكبث مثلا، المرأة التي تزين الشر لرفيقها وتدفعه دفعا إلى مصيره التراجيدي. في المقابل ينحرف السيناريو في اتجاه المبالغات المتعمدة التي تريد أن تضفي على الشخصية الرئيسية ملامح أسطورية باعتبارها مرادفا للشر المطلق، وبالتالي تصبح منذ اللحظة التي تطأ فيها قدماها أرض البلدة، منبعا للشر، فهي تدفع زوجها إلى قطع علاقته بشريكه، والشريك الذي يجد أنه استبعد من دائرة المقربين من جورج، يتفاوض مع المأمور على إقناع جورج بقبول العرض المقدم لبيع الضيعة التي يمتلكها، والذهاب إلى البرازيل للعيش في قطعة الأرض التي اشتراها هناك منذ فترة.

رمز الشيطان

يرفض جورج فكرة الرحيل، ويتشبث بفكرة البقاء تحت إلحاح زوجته التي تشعر أيضا بتهديد من وجود ابن له من امرأة أخرى، وبعد أن تتمكن سيرينا من إنقاذ حياة أحد العاملين في الموقع يدعى جالواي، وهو رجل مضطرب عقليا، يصبح جالواي هذا عبدا لها، يؤمن بقدراتها الخارقة أو ربما بكونها تحمل “رسالة شيطانية” معينة.

أسلوب الإخراج يتأرجح بين الفيلم البوليسي والرومانسي والواقعي كما يميل إلى القفزات غير المفهومة بين الشخصيات بسبب اضطراب تركيب الفيلم

فيسخّر نفسه في خدمة مخططاتها، ويحاول قتل الرجل الذي سرق ملفات الفساد في الشركة لتسليمها إلى القضاء وتسهيل مهمة الاستيلاء على الضيعة لتشييد الحديقة، ثم يحاول قتل راشيل وابنها، لكن جورج ينقذها في النهاية قبل أن يلقى مصرعه بعد أن يهاجمه فهد متوحش، كان جورج يبحث عنه، باعتباره رمزا للشر منذ بداية الفيلم بعد أن تسلل إلى المنطقة وأخذ يفترس قطعان الماشية.

منذ لحظة تعرض سيرينا للإجهاض، تتحول إلى شخصية غير واقعية، أي إلى رمز أو “شيطان”، رغم أن السيناريو حاول في البداية تقديم دوافع نفسية واضحة لبعض سلوكياتها، عندما تروي لجورج كيف أنها تعرضت مع أسرتها لحريق شب في منزل العائلة، فقضى على جميع أفرادها، لكنها تمكنت من الفرار وأخذت تبتعد عن المنزل الذي اشتعلت فيه النيران، بينما ظلت تسمع صرخات والديها دون أن تفعل شيئا لإنقاذهما.

من خلال خلفية هذه الشخصية، يريد الفيلم أن يقول إنها شخصية تعاني من الاضطراب العقلي بسبب هذه الحادثة، لكنها أيضا تمتلك قلبا باردا ميتا لا يعرف سوى الشر والاستحواذ وتدمير الآخرين. ويستخدم السيناريو فكرة إصرار سيرينا على الإتيان بصقر كبير إلى المزرعة، تستخدمه في اصطياد الثعابين الذين تعتقد أنهم وراء قتل الماشية، كإشارة رمزية إلى عقليتها المسيطرة المضطربة وجنونها الذي لا يعرف حدودا.

ولعل من أكثر مناطق السيناريو فشلا في الإقناع أنه يجعل مأمور الشرطة في البلدة، وهو الحارس الطبيعي -تاريخيا وعمليا ومن خلال الرشوة- لكبار الملاك في تلك المنطقة، خلال تلك الفترة من التاريخ الأميركي، يصبح المدافع عن حقوق العمال والفقراء.

ويضطرب أسلوب الإخراج ويتأرجح بين أسلوب الفيلم البوليسي والرومانسي والواقعي، كما يميل إلى القفزات غير المفهومة بين الشخصيات، بسبب اضطراب تركيب الفيلم خاصة في الجزء الأخير منه.

ونتيجة سطحية الشخصيات وأحاديتها وعدم النجاح في تكثيف شخصية البطلة، بحيث تصبح من المقنع أن نراها كشخصية يقودها الجشع إلى الخلل العقلي الذي يدفعها إلى ارتكاب كل الشرور دون وازع -على غرار شخصية “ترينا ماكتيغ” في فيلم “الجشع” لإريك فون ستروهايم (1925)- يصبح أداء جنيفر لورانس، أحاديا، نمطيا متكلفا.

أما أداء برادلي كوبر فجاء باردا خاليا من الحرارة المفترضة في رجل يجد عالمه الذي شيده بالتحايل والاستغلال، ينهار تدريجيا أمام عينيه.

وتبقى الميزة الوحيدة في الفيلم هي ذلك التصوير الخلاب الذي ينجح في خلق مساحات جيدة للحركة، ويستخدم ببراعة الشاشة العريضة للإحاطة بكل تفاصيل المكان، كما توفرت في مواقع مناسبة أمكن الوصول إليها في براغ والريف التشيكي، وليس في الغرب الأميركي كما يفترض.

16