سير الشخوص والأمكنة والمدن في كتب ليبية

عندما تتاح لنا فرصة الاقتراب أو الصداقة مع كاتب ما، فإننا نتعرف على تاريخه الشخصي وبسهولة، نقبض على هذا التاريخ بين تفاصيل العمل الإبداعي الذي لا يمكن أن يكون مجرد خيال صرف دون تدخل خبرات الكاتب وتجاربه في كتابة العمل، هنا نعرض لبعض الكتب الليبية التي شكلت سيرة المكان أو مبدعها جزءا من العمل، رغم الإصرار من جانب الكتّاب على أنهم لا يكتبون سيرة وإنما هم يكتبون شبه سيرة ذاتية.
الاثنين 2015/09/21
عمر أبوالقاسم الككلي: سيرة المكان كما كل البشر مشحونة بالفردوس المفقود

يعتبر الناقد محمد الترهوني أن موضوع كتابة سيرة المكان يقع في المسافة بين شخصية الكاتب وشخصية السارد، في هذه المسافة بالذات يمكن تفسير كل العمل الروائي بالرجوع إلى اللغة التي اختارها الكاتب للعمل، فوضع قيود على هذه اللغة يعني أن الكاتب يحاول الاختباء تحت التراب أو بين الحشائش.

يقول الترهوني:” هل يجب أن يكتب الكاتب عن الأشياء من حوله؟ هل يجب أن يكتب عن نفسه؟ هل يجب أن يكون من عامة الناس وهو يتكلم عن نفسه؟ هل يجب أن يكون حكيما، مجنونا، حقيقيا أو مجرد قوة كامنة من الخيال؟ يمكن الطعن في كل إجابة عن أي سؤال من هذه الأسئلة، الطعن يعني الشك، هناك دائما حالة من التردد، وعدم اليقين، حضور وغياب الكاتب أمر لا مفر منه، بين الكاتب والسارد علاقة لا غنى عنها، لكن لا يمكن العثور على السارد والكاتب في نفس المكان”.

ويضيف “إذا قلنا أن العمل وهمي فهذا يعني أننا نقول: هذا العمل يقوم بازدراء المغزى، وإذا قلنا أن العمل ما هو إلا إحدى التجارب الحيوية والمهمة بالنسبة إلى الكاتب فهذا يعني أننا نقول: أن الكاتب موجود لكن يدفن نفسه تحت طبقات من اللغة، والعالم، والوجود اليومي. في زمن الأساطير كانت كتابة السيرة الذاتية مقتصرة على ما لا يمكن التحقق منه، أو تحديدا على الشخصيات شبه الأسطورية”.

ويتابع قوله “الرواية اليوم تحمل نفس بذور هذه الكتابة الأسطورية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل مع سرد روائي كحقيقة موضوعية عن الشخص الذي كتب الرواية، الاعتراف الكامل مستحيل، يمكن الاعتراف لكن بدهاء. يقال مثلا أن ريكتيس صديق شتاينبك الحميم والذي مات بصورة حزينة للغاية هو لوك في كل روايات شتاينبك، هو الشخصية الحكيمة، المثالية، ومفكر لا يعرف الغائية، لا أحد يستطيع تأكيد هذه المعلومة لنا حتى شتاينبك نفسه، يمكن الطعن بسهولة في مثل هذا التفسير”.

الكتابة والتذكر

يشير محمد الترهوني إلى أن شتاينبك نفسه قال “أتذكر طفولتي جيدا، وأتذكر الأسماء التي أطلقتها على النباتات والزهور السرية، في سن المراهقة كنت أعيش مع شخصيات من صنعي أنا، في عالم من اختراعي أنا، كتبت الكثير من القصص، والقصائد الشعرية في الطابق العلوي، ودخلت إلى جامعة ستانفورد عام 1919 تحقيقا لرغبة العائلة فقط، من يستطيع تأكيد أي حرف من هذه الكلمات، هل كان شتاينبك يتحدث عن نفسه؟ أو كان يتحدث عن نفسه بشكل روائي؟، هناك فائض من العاطفة في كل اعتراف، لكن هناك معنى أنطولوجي للعاطفة يجعلنا نحفظ السر إلى النهاية”.

أحيانا علينا أن نترك قضية المدفون في التراب وبين الحشائش غير محسومة، لكي تبقى رائحة السر طيبة

ويوضح الناقد محمد الترهوني هذه الزاوية مستشهدا بقول سقراط: إن “الموت وحده قادر على كشف كل الأسرار”، القراءة تلتحم مع مشهد حزين، لأن إقامة الحجة أمر صعب، والوصول إلى تفسير نهائي وقاطع موضوع ينتهي بالفشل في كل قراءة. يرفض الكاتب أن يكون ما كتبه هو سيرة ذاتية، أو شبه سيرة ذاتية لأسباب كثيرة، أهمها عدم حرمان الرواية من أن الحقيقة والخيال فيها لا يمكن لأيّ منهما أن يكون بديلا عن الآخر، لا بدّ من فهم قول زولا “كان الخيال فنا، أما اليوم فهو مجرد أداة”.

وبهذا يكون الإنكار هو الطريقة الوحيدة والمتماسكة إذا تعلق الأمر بحقيقة المكتوب، في عدم حرمان الرواية من هذه الميزة الشريرة، بعض التواضع الحميم من الكاتب والقارئ، وهناك سبب يتعلق بالآخرين، فمثلا عندما كتبت سيمون دي بوفوار روايتها “البيروقراطيون” عن علاقتها بنيلسون ألجرين تسببت في قطع العلاقة معه، لأنه اعتبر أن الرواية اعتداء سافر على خصوصية العلاقة، ولهذا السبب لم تكتب بوفوار أن سارتر قبيح الشكل، ولم يكتب سارتر أن بوفوار كانت لديها مجموعة سرية من النساء تمارس معهن العربدة بشكل دوري، أحيانا علينا أن نترك قضية المدفون في التراب وبين الحشائش غير محسومة، لكي تبقى رائحة السر طيبة.

مثقف في زنزانة

في كتاب “سِجْنيّات”، لا يرهق القاص عمر أبوالقاسم الككلي القارئ بتاريخه الشخصي داخل زنزانة قضى بين جدرانها ما يقارب عشر سنوات، لكنه يثير فضوله لمتابعة صفحات تروي تجارب إنسانية لرفاق تلك الزنزانة.

الكوميديا تختلط بالتراجيديا عبر سخرية موجعة

الكتاب يقتنص الوقائع الهامشية من حياة السجن، فتختلط الكوميديا بالتراجيديا عبر سخرية موجعة، وهي تروي تجربة السجين المثقف عمر الككلي داخل أسوار سجن بوسليم في مدينة طرابلس الليبية. إنها تجربة امتدت عشر سنوات في ثمانينات القرن العشرين، وقد كتب عنها بعد أكثر من عشرين عاما.

ويتساءل عمر الككلي ما الذي يتحتّم على السجين فعله لحماية كيانه؟ كيف يمكن لإنسان ان يقضي أربعا وعشرين ساعة يوميا داخل زنزانة بشبّاك واحد في السقف وأسرّة حديد وحمام مشترك مع مئات الأشخاص بأمزجتهم المختلفة وأفكارهم المتعددة؟ لهذا السجين رأي وللآخر رأي مختلف، هذا متطرف وذاك تكفيري… حالات إنسانية عدة يقدمها الكاتب فتدفع القارئ أحيانا إلى الضحك، حين يصف كيف تفرض عليك الحياة هناك مثلا، بإمكاناتها البسيطة جدا، اختراع مكيّف متنقّل.

إنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهن القارئ أنه سيقرأ كتابا عن عذابات السجن ليكتشف من ثم أنّها كتابة مغايرة لزنازين لا تشهد القسوة والآلام فقط، وإنما تجسد عالما آخر يصنعه السجين كنوع من المقاومة للموت والحبس الانفرادي.

في كتابه “سيرة بني غازي” يكتب الروائي أحمد الفيتوري سيرة مدينة بنغازي التي شكلت البدايات مع علاقته بالكتابة حيث كانت محطته الأولى منطقته “الصابري” والتي تغنت بها الأغاني الشعبية بـ”الصابري عرجون الفل”، وما تبرزه هذه السيرة أنها تحاول أن تكون حية متفردة، مبنية على سرد نثري لذاكرة مسهبة في الحكي، أيضا يحتفي الكتاب بسيرة شخصيات بنغازية معاصرة.

من يقرأ “سيرة بني غازي” يصاب بحالة نوستالوجيا. ولكن الروائي أحمد الفيتوري يرفض الفكرة موضحا بأنها “ليست حنينا عاطفيا لكنها كما كل البشر مشحونة بما يدعوه نيتشه بالعود الأبدي أو الفردوس المفقود في كل ميثولوجيا، فالبشر لا يملكون إلا ما مضى وتسرب من أياديهم وطبع النفوس، لكن اللحظة غائمة، والمستقبل لا وجود له”. ويضيف: “البنية السردية كما خريطة كل ذاكرة مشوبة بالعتمة وغياب السياق المنطقي المحكم، فالمكان يبرر نفسه وهو الراوي والمروي، السيرة هنا قناع طوطمي يؤدي مهمة مركزية بأن كل سرد هو سيرة، وكل سيرة سرد، المكان كائن حي وبهذا هو سرد لسيرة معينة في مدينة هي بشر وأفعال وحكايا”.

القراءة تلتحم مع مشهد حزين لأن إقامة الحجة أمر صعب، والوصول إلى تفسير نهائي موضوع ينتهي بالفشل

في رواية “آزاتسي” يقدم الروائي مجاهد البوسيفي سيرة للمكان والشخوص والأوطان الذين التقى بهم في مركز اللجوء الإنساني بهولندا من خلال علاقات إنسانية متباينة أجبرتها ظروف الحياة على تقبل الآخر طالما جمعهم مكان واحد. وهنا يحضر العالم كله ولا تحضر هولندا إلا نادرا لتبقى ليبيا هي المهيمنة على الأحداث.

هل سالم بطل الرواية يحمل بعضا من ملامح مبدعها؟ بالطبع الإجابة ستكون لا، وأوضح مجاهد البوسيفي “أعرف أن كثيرين الآن مشغولون بإيجاد تطبيقات واقعية لأشخاص الرواية وأحداثها، لكنني مضطر لتخييب مسعاهم وإخبارهم أن الرواية ليس لها علاقة بي إلا كوني كاتبها، لطالما قلت إن ما يحدث في ليبيا يمكن أن يُخرج أعمالا سردية مفتوحة على الخيال وحتى السحر، وعندما عشت تجربة اللجوء رأيت -بشكل ما- إن ما يحدث في ذلك المركز المليء بطالبي اللجوء أيضا ينطبق عليهم نفس الشيء. علينا أن نختار مواضيع كتبنا بناء على مقاييس فنية قاسية وليس عواطف بشرية زائلة”.

جنة الإخوان

الروائي صلاح الحداد في روايته “ألسنة اللهب” يتناول بالنقد حركة الإخوان المسلمين الليبيين من خلال “شبه سيرة ذاتية” حسب قوله، من خلال شخصية حسن الذي دفعته ظروف اليتم والحرمان والضياع والفقر والبؤس للبحث عن الخلاص والحقيقة والجنة، التي وجدها في ما بعد مجتمعة عند التنظيم السري. بيد أنه سرعان ما تحول الخلاص إلى وهم، وتحولت الجنة إلى جهنم. لم يكن حسن مدركا أن الوهم سيقوده إلى الحقيقة وأن الجنة ستقوده إلى جهنم، صلاح الحداد قدم استقالته منذ عشر سنوات من الجماعة عندما اكتشف أنها دكان للحشاشين، وأنه لا عدالة فيها ولا ديمقراطية ولا حرية.

14