سير الكتّاب بين الحقيقة والزيف

عندما نقرأ سير الأعلام في الغرب لا نملك إلا أن نُعجب بنبرة الصدق التي يتوخَّونها في سرد سيرتهم، دون مساحيق، فهم لا يستحون من ذكر نقائص وأخطاء شابت مسيرتهم.
الخميس 2019/07/25
جورج ساندرز ممن رووا حياتهم دون خجل

عندما ندوّن سيرتنا، هل نقول الحقيقة كاملة، أم نخضعها لأهوائنا ونرجسيتنا فنجمّلها ما أمكن التجميل، ونغفل عن حقائق كثيرة بدعوى أنها تمسّ حياة من نعرف، لكون الكتابة عن الذات هي أيضا كتابة عن الآخرين؟

نشفق على بعض رجال السياسة حين يدّعون النضال ضد الجور والعسف في هذه الحقبة أو تلك وينسبون إلى ذواتهم الكريمة بطولات وهميّة، ونحن أولى بالشفقة. نشفق على السياسي لأنه يُقسِم ثم يَحنَث، ويَعِد ثم يُخلِف، ويُعاهد ثم يَنقُض، رغم أن ذلك من طبيعة عمله كما بيّن مكيافيلي وباسكال وسارتر، لأن “الصدق، كما تقول حنة أرندت، لم يكن قط في عداد الفضائل السياسية، فالكذب كان دائما وسيلة مشروعة في الشؤون السياسية”؛ وننسى أننا، نحن الكتاب، لا نَفضُله في شيء، فنحن نكذب حتى وإن كنا نمارس حرفة لا تضطرنا إلى الكذب والمغالطة، فنجمّل نشأتنا، ونزيّن تكويننا، ونُشيد بمواقفنا، ونعدّد فتوحاتنا، ونَجحد حقّ من ساندنا، ونغفل عن ذكر الجوانب المظلمة في حياتنا.

يتبدى ذلك في الحوارات الصحافية التي تعقد معنا، وفي السير الذاتية التي ندوّنها، وأغلبها لا يخلو من تلفيق وتزوير وتعتيم؛ فنحن نخجل أن نبوح بكل ما وسم مسيرتنا، خوفا من خدش حياء الأقرباء وربما فضح أسرار يتكتمون عليها، لأن الكتابة عن الذات هي أيضا كتابة عن الآخرين، ولكننا لا نخجل من مجانبة الحقيقة ومن عاشرونا لا يزالون على قيد الحياة، فنشوّه حقائق، ونبتر معلومات، ونغمط فضل الآخرين علينا بلا حياء. وذلك ما عناه غابرييل غارسيا ماركيز بقوله “كل كتابة عن الذات هي بنية أدبية، كذب مطليّ بماء الذهب”.

راودت ساندرز رغبة الكتابة في آسيا لسبب لا يذكره، والتحق بالمجاهدين في أفغانستان رغبة في تقليد هيمنغواي دون أن تأتي مغامرته بما كان يرجو

لكم تذرّعنا بسطوة السلطة في شتى أوجهها لنبرّر سكوتنا عن جورها واستبدادها، وانصرافنا إلى مواضيع لا تُحْلي ولا تُمِرّ إيثارا للسلامة، ولكن بمَ نبرّر مجانبة الصدق في ما نكتب ونصرّح وندوّن، حتى ونحن في معزل عن السياسة؟ هل من العار أن ينشأ الواحد منا في أسرة مُعدَمة بقرية مُهمَلة أو حيّ بائس؟ وهل من العيب أن يعترف بأن مدرّسيه أجمعوا على كسله وخموله وضعف تحصيله؟ وهل من الشّيْن أن يقرّ بأنه وجد العون والنصح في بداياته من هذا الشخص أو ذاك، أو أنه جاء إلى الكتابة عن طريق الصدفة، أو أن نصوصه الأولى لم تكن تشي بموهبة؟

عندما نقرأ سير الأعلام في الغرب لا نملك إلا أن نُعجب بنبرة الصدق التي يتوخَّونها في سرد سيرتهم، دون مساحيق، فهم لا يستحون من ذكر نقائص وأخطاء شابت مسيرتهم، فتشرشل يعترف في مذكراته بأن درجاته المدرسية كانت من الضحالة ما حمل أباه على القول “نتائجك المدرسية يا ابني لعنة للذكاء”، وأينشتاين يروي أن أساتذته في مونيخ كانوا ينعتونه بالكسل والضعف في المواد العلمية، وقس على ذلك بعض الكتاب أمثال زولا، وجان كوكتو، وجان جيونو، ومالرو الذين لا يخجلون من سرد الظروف التي كانت سببا في انقطاعهم المبكّر عن الدراسة، وحتى طردهم منها شأن بلزاك، بل إن جان جيني لا يجد غضاضة في الإقرار بأنه بدأ السرقة في سن العاشرة، والكتابة وهو في السجن.

بعضهم لا يكتفي بالكشف عما عاشه من خيبات، بل يعرّي حتى عملية الخلق لديه، فلا يدّعي في هذه أو تلك بطولة ولا عبقرية. هذا مثلا الأميركي جورج ساندرز لا يخجل أن يروي حياته بتفاصيلها، منذ أن كان تلميذا خاملا لا حلم له سوى أن يصبح نجم “روك”، فقد كان يكره المطالعة ولم يقرأ سوى “أطلس هازّا كتفيه” لآين راند بإيعاز من صديق، وكان يمينيّا يصوّت لرونالد ريغان.

نحن نخجل أن نبوح بكل ما وسم مسيرتنا، خوفا من خدش حياء الأقرباء وربما فضح أسرار يتكتمون عليها

راودت ساندرز رغبة الكتابة في آسيا لسبب لا يذكره، والتحق بالمجاهدين في أفغانستان رغبة في تقليد هيمنغواي دون أن تأتي مغامرته بما كان يرجو، ثم حاول تقليد سومرست موم دون جدوى، واضطر بعد عودته معدما من رحلته الآسيوية إلى ممارسة حِرف عديدة، من قصّاب وحاجب وساقِفُ مبان إلى حارس عمارة يحبر الأوراق ليلا متشبّها تارة بجويس، وطورا بمالكوم لوري، وأنتج رواية لم تَلْقَ الرواج المنشود. ثم التحق بورشة كتابة لم يتعلّم فيها كتابة الرواية وإن كان لها الفضل في مقابلة المرأة التي ستصبح شريكة حياته، ما اضطره بعد الزواج إلى العمل محرّرا تقنيّا في شركة لصناعة الأدوية لكسب قوته وقوت أسرته، واقتنع بأنه لا يملك ما يمكن أن يجعل منه كاتبا، خصوصا أنه لا يقرأ إلا قليلا، إلى أن جاء يوم وقعت فيه زوجته على جذاذات كان يخطها في أوقات فراغه، أضحكتها كثيرا، فقال في نفسه “لم لا أكتب نصوصا مُسلّية، بدل الحرص على التشبه بالكبار الغابرين؟”.

وفي عام 1996 أقبل على تأليف “عظمةُ مدينةِ ألعاب وانحطاطُها” وهو كتاب مزج فيه القصة بالرواية، والهزل بالجد، والواقع بالفنتازيا، والثقافة الشعبية بالحداثة، وجويس بآل سيمبسون أبطال سلسلة الصور المتحركة، فأحدث دون تنظير مسبق ثورة في الكتابة السردية الأميركية، وقطيعة مع الأدب الروائي السائد، ونال اعتراف النقاد والأدباء. ابتسمت له الحياة بعد سلسلة من الفشل حين فتحت له إحدى الجامعات أبوابها، ثم نال الثراء والشهرة العالمية بفضل روايته الأولى “لنكولن في باردو” (وباردو في بوذية التّبت هي حيّز بين الحياة والموت) بعد أن فازت بجائزة مان بوكر عام 2017 واحتلت موقعا متميزا في قائمة الكتب الأكثر مبيعا.

كل ذلك يعترف به ساندرز دون مواربة، في أحاديثه ولقاءاته، شأن السواد الأعظم من الكتاب، أولئك الذين يملكون الجرأة على البوح، وحتى على تعديل تصريحاتهم إن حادوا عن الحقيقة في فترة ما. جاء في مذكرات ماركيز قوله “لا أذكر اليومَ عددَ الحوارات التي كنت ضحِيَّتَها طَوال خمسين عاما في كل مكان من العالم. معظم تلك التي لم أستطع تجنُّبها، بغضّ النظر عن الموضوع الذي تطرحه، ينبغي اعتبارها جزءا هامّا من أعمالي التخييلية، لأنها ليست سوى أشياء مختلَقة عن حياتي”.

15