سير الكذابين بين رفّ الكتب

الأحد 2014/08/31
قصص تعالج إنسان هذا العصر في شكوكه وتردده

جديد الروائي الألماني برنارد شلينك صاحب الرواية الشهيرة “المقرئ” مجموعة قصصية بعنوان “كذبات صيف” ممهورة بصبغة سوداوية. قصص مصوغة بفنية عالية تعالج إنسان هذا العصر في شكوكه وتردده، خوفه وجبنه، وتحلل العلاقات الأسرية في حالات الشباب والشيخوخة، والعلاقات العاطفية في توهجها وانطفائها في نبرة تغلب عليها الكآبة ولا تترك بصيصا للأمل.

هي صورة عن الإنسان الغربي والإنسان بوجه عام، ذكرا كان أم أنثى، في صراعه اليومي مع أمور الحياة، معتادة كانت أم طارئة، يستوي في ذلك العامة والخاصة من علية المجتمع. كل شخوص القصص السبع التي تحويها المجموعة تجد نفسها في لحظة تواجه فيها الكذب، فاعلة أو ضحية، تكذب عن أنفة أو جبن أو خوف أو نسيان أو عادة مزمنة لا تجد منها فكاكا. وكأن الكاتب اختار تنويعات من سير الكاذبين.


◄ الوضع البشري


“عنق الزرافة” التي صدرت عن دار آكت سود في ترجمتها الفرنسية تحت عنوان «عدم ثبات النوع” هي رواية جديدة لجوديت شالنسكي وهي من أهم الأصوات في الأدب الألماني المعاصر. بطلتها إنغه لومارك، أستاذة بيولوجيا ورياضة في معهد بإحدى مدن ما كان يعرف بألمانيا الشرقية، وقد بدأت تفرغ من سكانها، بعد أن تقلصت فرص الخروج من الأزمة الاقتصادية، ولم يعد ثمة مجال سوى تربية النعام مثل زوجها فولفغانغ، أو الهجرة إلى أميركا مثل ابنتها كلاوديا.

حتى المدرسة الإعدادية التي تدرّس بها كانت تستعد للإغلاق بعد أن تناقص طلابها. ولكن إنغه ليست من الصنف المتذمر، بل كانت تنظر إلى مجريات الأحداث من زاوية العلم الذي تدرّسه. فكل شيء في نظرها محكوم بمسارات فيزيائية وكيماوية، وبميكانيزمات التطور والوراثة.


◄ الوجه الآخر للحقيقة


يواصل المحامي فرديناند فون كيراخ النبش في ملفات المحاكم للبحث عن القضايا المثيرة التي شغلت الرأي العام، والانطلاق منها لصياغة أعمال سردية جديرة بالاهتمام. فبعد “مذنبون” و”جرائم” صدرت له عن دار غاليمار بباريس رواية بعنوان “قضية كولّيني” تروي مقتل رجل الأعمال العجوز هانس ماير، وتولي المحامي الشاب كسبار لاينن الدفاع عن القاتل المزعوم وهو عامل سابق بدار مرسيدس يدعى فبريسيو كولّيني، الذي احتمى بالصمت ورفض الإدلاء بأيّ معلومة.

تحمس لاينن للقضية، خصوصا وأن القتيل جد أقرب أصدقائه، وحاول أن يعرف العلاقة التي تربط كولّيني، العامل البسيط ذي الأصول الإيطالية، بهانس ماير أحد أعيان المجتمع الألماني، وإذا البحث يقوده إلى تلافيف فصل مظلم من التاريخ الألماني، لا تمثل فيه قضية كولّيني سوى النهاية المحتومة.


◄ الباحث عن نفسه

رواية يمضي فيها السرد رتيبا


آخر ما ترجم للكاتب الألماني هانس أولريخ تريخل رواية “بحيرة غرونفالد”، شخصيتها المحورية بول هو بطل سلبي اختار الدراسة لأنه لا يحسن الأعمال اليدوية، ودراسة التاريخ لديه أسهل ألف مرة من تعلّم النجارة.

ورغم حصوله على شهادة جامعية وانخراطه في التدريس الجامعي، ظل أستاذا رديئا وشخصية هشة تدفعها الرغبة إلى إقامة علاقات مع نساء عابرات، ويدفعها الفضول إلى التنقل من كروزبرغ، حيث الأحياء التركية الفقيرة، إلى حدائق منطقة ساكس السفلى وحتى تجمعات العراة بالضفاف البرلينية، بحثا عن شيء ما، شيء في نفسه أولا وأخيرا، لم يستطع أن يعثر عليه.

رواية لا تعتمد التشويق ولا الإثارة، بل يمضي فيها السرد رتيبا، تتخلله إحالات إلى الرايخ الثالث أو فرانكو، توحي بانزياح نحو وجهة مشوقة، ولكنها تظل في النهاية إشارات عابرة، ولولا ما يتخلل فصولها من روح مرحة ساخرة لما شدت اهتمام القارئ.


◄ فظائع نظام تشاوسيسكو


هرتا مولر، الألمانية من أصل روماني الحاصلة على جائزة نوبل عام 2009، تعود أدراج منبتها في رواية ذات نفس شعري بليغ عنوانها “حيوان القلب” لتصور جور نظام تشاوسيسكو وآثاره على الفرد والجماعة، الشباب بخاصة، وتسائل قدرة الإنسان على الصمود في وجه العسف والقمع والاضطهاد لصيانة إنسانيته من الانسحاق والقبول بالأمر الواقع.

البطلة لولا تغادر جهتها هربا من البؤس، وتذهب إلى مدينة توميسوارا طلبا للعلم. وفي يوم توجد مشنوقة داخل خزانتها، وتشطب بعد موتها من الحزب الشيوعي بوصفها خائنة لمبادئه متمردة على فلسفته.

وهو ما يؤكد لصديقتها تيريزا، التي تنهض بالسرد، أنها قتلت مثلما قتل من قبلها الرفاق إدغر وكورت وجورج، وكلهم كانوا يرفضون هذا النظام الذي يخمد كل صوت مخالف ويسحق كل فرد مقاوم لا يؤمن بمقولات “الكونديكاتور” وسياسته.


◄ طاحونة الشيء المعتاد


في “إرث آدم” تستعيد أستريد روزنفيلد حيلة الوثيقة المتروكة من قبل قريب أو صديق قضى نحبه، لتصور أحداثا ووقائع توهم بأن الهالك عاشها أو شاهدها.

والوثيقة هنا كلمات مدونة تركها آدم عم أبي البطل إدوارد كوهين، قبل أن يهاجر إلى إنكلترا هربا من النازية ومن حرب وشيكة تستعد ألمانيا لشنها ضد جيرانها.

وتروي بطولات هذا العم الذي استطاع أن ينخرط في صفوف الضباط النازيين ويجازف باقتحام “غيتو” بفرسوفيا بحثا عن آنا، التي غيرت مجرى حياته.

الرواية من صنف الاشتغال على الذاكرة الذي دأب عليه الكتّاب اليهود، يحاولون من خلاله إذكاء عقدة الذنب لدى الغرب، للإمعان في ابتزازه ماديا وسياسيا، والتغطية على المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال ضد إخوتنا في فلسطين.
12