سير في الدرب المختلف

نحتاج إلى الكثير من العمل والجهد، نحتاج إلى القطع مع العشوائية والتخبط والعلم، نحن العرب بحاجة ماسة إلى التخلص من "عقد" الماضي ونفض غبار الأساليب البالية.
الأربعاء 2018/07/18
مشاركة عربية مخيبة للآمال

انتهى العرس، فهل استوعب الجميع الدرس؟ انتهى الحفل المونديال في بلاد الروس، ففرح من تألق وتفوق وخاب رجاء من سقط وفشل، اليوم ثمة بعض الكلام والكثير من الدروس التي قدمها المونديال الروسي، كلام كثير وعبر هي بالأساس تتعلق بتلك المشاركة العربية الباهتة وذلك الحضور الضعيف في مونديال كان الجميع يأمل أن يكون استثنائيا ومرجعيا في تاريخ الظهور العربي المونديالي، خاصة وأن نسخة 2018 شهدت لأول مرة مشاركة أربعة منتخبات تمثل الكرة العربية.

لكن خرج الجميع بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها، ودّع العرب المسابقة منذ الأدوار الأولى وبسرعة قياسية، غادر الجماعة دون أثر وبلا أي بصمة يمكن أن تنبني عليها أسس المستقبل، ببساطة هو مونديال للنسيان بالنسبة للمنتخبات العربية وكذلك الأفريقية.

فما تجلى في كأس العالم لهذه السنة أوضح وبيّن وجود بون شاسع بين الموجود والمنشود، بين مستوى كرتنا العربية ونظيرتها الأوروبية، ربما نحتاج إلى سنوات ضوئية علّنا نلحق بالركب، ونغدو شعوبا قادرة على المنافسة بقوة والمراهنة على الذهاب بعيدا في البطولة دون مركب نقص وبلا خوف أو وجل.

نحتاج إلى الكثير من العمل والجهد، نحتاج إلى القطع مع العشوائية والتخبط والعلم، نحن العرب بحاجة ماسة إلى التخلص من “عقد” الماضي ونفض غبار الأساليب البالية، ربما نستطيع حينها أن نتفاءل ويحق لنا الحلم، حينها فقط يمكن أن ننجح في زرع البسمة في أغلب الوجوه العربية “الكالحة” المتعطشة لنصف فرحة كروية.

ما حصل في المونديال يعطي الدرس الجليل ويقيم الدليل على أن لا شيء أقوى من الإيمان والتحلي بالقوة، لا شيء أهم من التخطيط المدروس والعمل المنظم كي نصبح قادرين على المشي فوق “سطح القمر” مع المتألقين، لكن علينا قبل كل شيء أن نصبر طويلا ونكافح كثيرا ونؤمن بأن موعد الحصاد قد يتأخر، لكن بلا شك فإن الزرع سيثمر.

هذا المونديال قدم لنا الدروس والعبر، وما تحقق مثلا مع المنتخب الكرواتي يعانق المستحيل ويمتزج معه، ليقدم لوحة فنية مستحدثة وفريدة، بل متفردة تعطي الدليل على أن النجاح الحق يكمن في جوهر المرء كلما تخلص من “آثامه” وأخطائه وأسس للمستقبل.

هذا المنتخب الكرواتي الحديث نسبيا مع المشاركات المونديالية قياسا بمنتخبات قوية ومدارس عريقة، بدأ العمل والتطلع إلى المستقل منذ أقل من 30 عاما فقط، مباشرة بعد استقلال هذه الدولة، استثمر الجميع هناك في العنصر البشري، كان هناك مخطط كامل لتنشئة أجيال متعاقبة من اللاعبين الموهوبين.

نجحت المساعي سريعا، فتألق هذا المنتخب في أول مشاركة مونديالية سنة 1998 عندما بلغ المربع الذهبي بفضل جيل ذهبي قاده دافور شوكر، ثم تواصل العمل المدروس، تواصل الاهتمام بالقاعدة، كانت مدراس نشيطة تنجب اللاعبين الجيدين، ومن ثمة تبدأ المرحلة الثانية وهي “تصديرهم” نحو دوريات أقوى نسبيا من الدوري الكرواتي.

تواصل العمل لسنوات وعقود، والمحصلة حاليا وجود عدد كبير للغاية من اللاعبين الكروات المتألقين في أعتى الأندية وأعرق الدوريات، إذ لا مجال اليوم للحديث عن الصدفة بعد بلوغ هذا المنتخب الكرواتي المشهد الختامي.

أما نحن العرب ماذا حصلنا من المونديال؟ هل خططنا للتغيير؟ هل كانت المحاسبة والتقييم موضوعيين؟ هل ثمة من قدم خارطة طريق تجعلنا قادرين على اللحاق بالركب العالمي؟ لا أعتقد ذلك للأسف. فالكل انهمك في توجيه سياط الجلد تجاه اللاعبين والمدربين والإداريين دون وعي بأن الخلل والنقص ليس وليد اللحظة، بل هو خلل يشبه “المرض المزمن”، هو مرض التقاعس والتواكل ونسيان أصول العمل القاعدي المدروس.

فرنسا نجحت حاليا وسابقا بفضل مدارس التكوين، وإسبانيا نجحت كذلك بالطريقة ذاتها، أما ألمانيا فإنها لم تترك أي شيء للصدفة فتوجت بدورها سابقا وحتى بعد سقوطها المدوي في هذا المونديال فإنها ستعود أقوى بلا شك، كذلك الحال بالنسبة للبرازيل، تلك البلاد التي “تفرخ” اللاعبين بالملايين.

أما نحن العرب، ماذا نحن فاعلون؟ فقط نحن على الدرب المختلف مازلنا سائرين.

22