سيزان والفن الإيطالي بين التأثر والتأثير

سيزان عرف بلوحات تصور مشاهد هادئة أو طبيعة ميّتة، ولكنه وجد في الفن الإيطالي شدّة تذكر بأعماله الأولى.
الاثنين 2020/03/16
الشفافية سمة ظلت تسبق الموضوع في أعمال سيزان

حتى مطلع يوليو / تموز القادم، ينظم متحف مارموتان موني بباريس معرضا فنيا يتناول تأثر الفرنسي سيزان بالفن الإيطالي، وخاصة فناني البندقية ونابولي وروما، رغم أنه لم يزر إيطاليا مطلقا، بل اكتفى بمشاهدتها في متحف اللوفر.

المعرض الذي يقام حاليا في متحف مارموتان موني بباريس لا يتناول تجربة بول سيزان (1839-1906) في حدّ ذاتها، بقدر ما ينظر إليها من زاوية علاقة صاحبها بالفن الإيطالي، وتأثره بأعلام القرنين السادس عشر والسابع عشر أمثال تينتوريتّو، وجاكوبو باسّانو، والغريكو، ولوكا جوردانو، ثم تأثيره في الأجيال الجديدة ممثلة في أومبرتو بوتشوني، وكارلو كارّا، وجورجو مورانديني، وماريو سيروني ممن أداروا الظهر للتكعيبية الفرنسية.

الطريف أن سيزان لم يزر إيطاليا مطلقا، فقد أقام في سبعينات القرن التاسع عشر قرب صديقه كميل بيسارو في ضاحيتي بونتواز ثم أوفير الواقعتين على ضفاف نهر الواز، بعد أن تبنى تجربة الانطباعيين، وشاركهم بعض معارضهم، ولكن ثقافته الكلاسيكية وإحساسه الفطري بالأشكال المبنية جعلاه ينأى شيئا فشيئا عن المقاربة الانطباعية، واكتشف في جمال مشاهد منطقة البروفانس قرب جبال الآلب طريقا آخر. وبينما كان زملاؤه يعتقدون أن إيطاليا لم تعد سوى مخزن لقطع بالية، بحث هو عن ضالته في المشهد الروماني عند نيكولا بوسّان، أكثر الفنانين الفرنسيين تمثلا لروما، وكذلك عند فناني فينيسيا مثل تينتوريتي، وفناني نابولي مثل خوسي دي ريبيرا (الإسباني الأصل) ليستلهم أسس رؤيته المجددة.

لم يكتشف أعمالهم على عين المكان، بل من خلال زياراته المتكررة إلى متحف اللوفر. وكان لا يرسم مشاهداته، بل يكتفي بتأمل لوحات الكبار، والتشبع بأساليبهم وطرق تصرفهم في الضوء واللون، ليبدع أعماله الخاصة. كان يبحث عن سبل إلغاء الفكرة، ومعنى الخط نفسه، قائلا “لا توجد خطوط في الطبيعة، ولا مجال لأن توجد في اللوحة”. لم يكن سيزان يُعد رسوما تخطيطية، عبر مراحل متتالية تبدأ بالمسودة ثم الرسم، ثم التأطير، وصولا إلى استعمال الفرشة والألوان، إذ أخذ عن الفينيسيين اللمسة، التي تعوض في نظره الخط والشكل والصبغة واللون والفروق. فهي التي تكيّف اللوحة، والفن التشكيلي برمته.

عندما استقر سيزان في إيكس أن بروفانس جنوب فرنسا بدءا من عام 1880، صارت لوحاته أقل عنفا

عرف سيزان بلوحات تصور مشاهد هادئة أو طبيعة ميّتة، ولكنه وجد في الفن الإيطالي شدّة تذكر بأعماله الأولى، إذ كانت تصور العنف والالتواء والعذاب في نوع من الاحتفال الطقوسي الرهيب، كما في لوحة “المرأة المخنوقة” التي تستلهم الجانب التراجيدي عند تينتوريتّي في تصويره لمشهد طريق الصليب. ولوحته عن غسل الميت تحيل على لوحة “إنزال المسيح من الصليب” لخوسي دي ريبيرا. أو في البورتريه الذي رسمه لأمه عام 1870، ففيه صدى للوحة “النبيّ يقرأ” لرسام مجهول عاش ما بين 1630 و1650 في نابولي وكان يوقع لوحته باسم “سيد إعلان الرعاة”. ورغم أن سيزان لا يستنسخ الأعمال التي يشاهدها كما أسلفنا، فإن تحاليل الكتل المائلة أو العمودية للوحاته تكشف عن شبه كبير في البنى والديناميات.

عندما استقر سيزان في إيكس أن بروفانس جنوب فرنسا بداية من عام 1880، صارت لوحاته أقل عنفا، وصارت لمسة مشاهده البروفانسية أكثر رصانة وكلاسيكية وتعبيرا عن الدواخل، ولكن البعد الرومانسي حسب تعبير مؤرخ الفن ألان تابيي ظل حاضرا، فقد حرص دائما على إيجاد انفعالات تشكيلية تعكس المشاعر التي تعتريه. ومن ثَمّ، لم يعد للموضوع كبير أهمية، وسواء تعلق الأمر بسابحات أو مشهد طبيعي فالمقاربة تظل هي نفسها، إذ يمكن أن يرسم وجها بطريقة طبيعة ميتة، كما فعل مع زوجته حين رسمها مثل آلة إعداد القهوة، لأن الرسم في تصوره لا يكمن في ما نشاهد، بل في ما وراءه. وعندما رسم طبيعة ميتة تمثل جمجمة، لم تكن غايته تثبيت موضوع ما كي لا يغمره النسيان، لأن غايته هي الجمجمة نفسها، حيث استعملها لرسم التفاح والأباريق وكل ما يدخل في مفهومه للتضمين، بخلاف سلفاتور روزا الذي يبدو كمن يسخر من الموت حين يضع جمجمة مفتوحة الفم وهي تغني أمام مدوَّنة موسيقية.

ولئن تأثر سيزان بالفن الإيطالي، فإن فناني النوفيتشنتو، أمثال بوتشوني ومورنديني وبيرانديلو وسيروني، الذين شكلوا في مطلع القرن العشرين حركة تناهض الطلائعية والمستقبلية وتسعى إلى تصوير الانسجام في لوحاتها، تأثروا به إلى حدّ بعيد، فقد أحدثوا قطيعة مع اللوحات الدينية والميثولوجية ليتبنّوا الثيمات الأثيرة لدى سيزان كالمناظر الطبيعية، والوجوه الآدمية، والطبيعة الميتة.

وقد ركز منظمو المعرض على تلك الثنائية التي ميزت تجربة سيزان في علاقته بالفن الإيطالي، ونعني بها تأثره بأعلام النهضة الإيطالية وما بعدها، وتأثيره هو في الجيل الذي ظهر في مطلع القرن الماضي، حيث وضعت نحو ستين لوحة لسيزان من جهة وللفنانين الإيطاليين السابقين واللاحقين من جهة ثانية، للوقوف على مدى تفاعل الجانبين، وإن كان المعرض في أساسه مركزا على جانب من تجربة بول سيزان، هذا الفنان الذي انتمى في بدايته إلى الانطباعيين قبل أن يتجه وجهة أخرى ليخط مجراه وفق أحاسيسه ومشاعره، ورؤيته الجمالية.

16