سيزيف يتخلص من الحجر

صدمة خروج فينغر من الأرسنال جاءت لتنهي مرحلة طويلة من تاريخ النادي اللندني الذي عاش في بعض الفترات بعض لمحات الفرح.
الأحد 2018/04/22
فينغر تخلّص من عذابات سيزيف وآلامه

حسب الميثولوجيا الإغريقية فإن سيزيف عانى العذاب الأبدي وبقي الدهر كله يتجرّع ويلات اختياراته التي أغضبت كثيرا كبير الآلهة زيوس، فلم يكن أمام هذا الكبير سوى تسليط عقوبة ماكرة توازي مكر ودهاء سيزيف، لقد أمره بأن يحمل صخرة كبيرة من أسفل الجبل ليصعد بها إلى القمة، وكلما اقترب من الوصول تتقهقر وتتدحرج الصخرة، وهكذا ظل سيزيف أبد الدهر، فلا هو تمكن من الصعود وارتاح ولا الآلهة صفحت عنه وأراحته من الحمل الذي أثقل كاهله.

في زمننا الراهن من المؤكد أن هناك أشخاصا يشبهون كثيرا سيزيف، بلا شك هناك من تشبّع بالعذاب والألم، فبات وكأنه لا يقدر على الخروج من بوتقة عذاباته التي لبسته دهرا فلبسها إلى الأبد.

اليوم استحضرت صورة المعذّب الأبدي سيزيف عندما تأكّد خروج المدرب الأبدي أرسين فينغر من أرسنال، أي نعم، لقد قرّر المدرب الدائم ترك المكان ووضع حد لعذاباته المستمرة منذ ما يزيد عن 22 عاما مع المدفعجية.

لقد تخلّص فينغر من الصخرة، وتنكّر بشكل رسمي ونهائي من عذاباته وكذلك من مصير سيزيف، لقد ظل يحاول جاهدا طوال السنوات الماضية أن يضم الصخرة إلى صدره دون أن يمسه شيء من ألم حملها الثقيل، لكنه لم يقدر، حاول الصمود أكثر، لكنه أيضا لم يقدر، فترك الصخرة وغادر قلعة “الغانرز”.

الخبر ليس عاديا، فالدوري الإنكليزي اهتز من هول سقوط الصخرة التي كان يحملها أرسين لأكثر من عقدين من الزمن، انتفض الجميع رغم إدراكهم الأكيد أن فينغر سيرمي هذه الصخرة اليوم أو خلال غد قريب، لكن صدمة السقوط حتى وإن كنا ننتظرها تكون قوية.

وصدمة خروج فينغر من الأرسنال جاءت لتنهي مرحلة طويلة من تاريخ النادي اللندني الذي عاش في بعض الفترات بعض لمحات الفرح، لكنه عانى طويلا ورزح وقتا أطول تحت وطأة الإخفاقات وعذابات سيزيف الكرة الإنكليزية.

كان أرسين الذي قبل طواعية حمل صخرة أرسنال منذ العام 1996 يأمل في نحت مسيرة ناصعة وجذّابة، ويبدو أن تألّق المدرب السابق لمانشستر يونايتد أليكس فيرغسون الذي حافظ على منصبه مع الفريق لفترة بلغت 27 عاما حقّق خلالها عدة مكاسب تاريخية سواء في المنافسات المحلية أو الأوروبية حفّزت المدرب الفرنسي فينغر على التمسّك طويلا بهذه الصخرة، علّه ينجح في الوصول بها إلى قمة الجبل العالي وقمة المجد الأوروبي، لكن هيهات..

عكس سيزيف الميثولوجيا الإغريقية الذي كان يعيش وحيدا ويتلقى عذاباته بعيدا، فإن سيزيف الكرة الإنكليزية كان محاطا بجمع كبير من أحباء وعشاق النادي اللندني، فتجرعوا معه كل ألوان الإخفاق والفشل

لقد حاول مرة ومرتين وظل على منواله الأعرج يسير حاملا هموم النادي اللندني مستعذبا هذا العذاب ومتلذّذا بالمحاولات الفاشلة المتكرّرة، لكنه في النهاية لم يفلح ولم يتحقّق حلمه المنشود بتحقيق بطولة قارية.

طيلة 20 عاما أمّن أرسين مشاركة أرسنال في مسابقة دوري الأبطال، واجه العديد من الفرق وبلغ في بعض المواسم مراحل متقدّمة للغاية، بل وتمكّن من قيادة “المدفعجية” إلى الدور النهائي، كان قريبا للغاية من وضع هذه الصخرة في القمة، لكنه فشل ذات نهائي سنة 2006 عندما تحطّمت أحلام أرسين ومعه صخرته أمام قوة برشلونة الإسباني.

ورغم كل الألم بعد السقطات الأوروبية المتكرّرة بما أن الفريق فشل أيضا مع فينغر في الحصول على كأس الكؤوس الأوروبية سنة 2000، رغم كل الأوجاع والمحاولات “السيزيفية” المتتالية، إلاّ أن هذه المحاولات بدت وكأنها عبثية وبلا أي فائدة، لقد كتب على فينغر طريق العذاب الأبدي مع أرسنال.

فالفشل الأوروبي تبعه إخفاق محلي، فالتتويج بلقب الدوري الممتاز انتهى منذ سنة 2004، وبعد ذلك لم يكن بمقدور فينغر إضافة لقب 4 في هذه المسابقة، لقد طارد الحلم طويلا، حاول بكل ما أوتي من خبرة وصبر وقوة، لكنه أخفق مرارا وتكرارا.

وعكس سيزيف الميثولوجيا الإغريقية الذي كان يعيش وحيدا ويتلقى عذاباته بعيدا، فإن سيزيف الكرة الإنكليزية كان محاطا بجمع كبير من أحباء وعشاق النادي اللندني، فتجرّعوا معه كل ألوان الإخفاق والفشل، لكن في كل مرة كان أرسين يقدّم وعودا جديدة ويفرض على إدارة أرسنال القيام بانتدابات جديدة ربما تساعده على حمل هذا الثقل الكبير.

وتحقق له ما أراد، فصرف النادي الكثير من الأموال طيلة المواسم الست الماضية، لكن حظ أرسين لم يكن أفضل من حظ سيزيف، فالصراع الأبدي تواصل والمعاناة استمرّت والفشل في حمل الصخرة إلى قمة الجبل كان العنوان الدائم في هذه العلاقة الأبدية السرمدية.

لم يكن فينغر مثل سيزيف صاحب قوة جسمانية وذهنية خرافية، بل هو بشر، وإن بلغ من العمر عتيا، وفقد عنفوان الشباب، بل وصل مرحلة الشيخوخة الرياضية، لذلك كان عليه أن يترجّل ويرحل، كان عليه اتخاذ القرار المرير والقاسي، الذي لا يوازي في مرارته حجم الإخفاقات والانكسارات الأبدية طيلة سنوات عديدة.

وفعلا قرّر أرسين فينغر وأعلن أنه سيتخلّص نهائيا وإلى الأبد من الصخرة التي أثقلت كاهله وقوّست ظهره دون أن يفلح في إيداعها مكانها النهائي، لقد تخلّص من عذابات سيزيف وآلامه، لكن ربما الأهم من ذلك أنه قد يكون ساهم في تخليص جماهير أرسنال من عذاب دام طويلا.

23