سيغريد كاغ: الأكثر معرفة بجرائم الأسد

السبت 2014/06/14
كاغ رئيسة بعثة نزع الكيميائي المرشحة لخلافة الإبراهيمي

أكثر من مفصل في حياة سيغريد كاغ، يجعلها أكثر الدبلوماسيين الغربيين معرفة بالشرق وتناقضاته، فالهولندية مختلطة الثقافات، كانت قد تولّعت بالشرق من أيام والدها الموسيقي الذي عاش في مصر ودرس في الجامعة الأميركية في القاهرة، لترتبط فيما بعد بأحد الدبلوماسيين الفلسطينيين، بعد أن التقته في القدس أثناء عملها في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ولتعمل في نطاق الشرق الأوسط مع الملكة رانية ملكة الأردن، ولتحصل على لقب “المرأة الحديدية التي لا تخشى المهام الصعبة”.


فلسفة العلاقات الدولية


اكتسبت كاغ خبراتها بخطوات واثقة من خلال عملها كمساعدة للأمين العام للأمم المتحدة، ومديرة لمكتب العلاقات الخارجية والدفاع في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكان لها أن تختار دراسة الفلسفة والعلاقات الدولية، لتحصل على درجة الماجستير فيهما من كلية سانت أنتوني في أكسفورد، لتنتقل على الفور للعمل في وزارة الخارجية الهولندية، ولكن كاغ لم تغرق كثيراً في العمل الدبلوماسي بقدر ما انفتحت على العلاقات ما بين دول العالم ودرست تناقضاتها، كما أتاح لها هذا عملها في شركة رويال داتش شل في لندن، قبل أن تتفرغ للعمل بدءاً من العام 1994 مع المنظمة الدولية رئيسة لجهاز الجهات المانحة في شؤون الهجرة، ومديرة لبرنامج العلاقات الخارجية في الأونروا، مسؤولة عن قطاع الأراضي الفلسطينية ولبنان والأردن وسوريا، ولتصبح على اطلاع كامل بأوضاع اللاجئين والنازحين مغطية النواحي التعليمية والغذائية والإنسانية لتلك المجتمعات المتضررة بسبب الأحداث الكبرى في الشرق، متسلحة بست لغات عالمية، الهولندية، الإنكليزية، الفرنسية، الإسبانية، الألمانية والعربية.


ملعب الشرق الأوسط


يقول دبلوماسيون مقربون من سيغريد كاغ إنها ليست متحمسة لخلافة الإبراهيمي، ولكنها قد تقبل إذا ما مورست عليها ضغوط دولية

عملت كاغ في الإدارة الإقليمية لليونسيف لمنطقة الشرق الأوسط، خلال الأعوام من 2007 وحتى 2010، وأصبحت مساعداً لمدير البرنامج ومديرة لمكتب العلاقات الخارجية والدفاع في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتنتظر سنوات ثلاث قبل تشرين الأول أكتوبر من العام 2013 حين قام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون باتخاذ قرار بتعيينها كرئيسة لبعثة الأمم المتحدة المكلفة بتدمير الترسانة الكيميائية التي يمتلكها نظام بشار الأسد، بعد أن قام باستخدامها ضد المدنيين في الغوطة الشرقية والغربية في ريف دمشق، وأدت إلى وقوع آلاف الضحايا، وبعد أن قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة عقابية عسكرية ضد نظام الأسد، لولا المقترح الروسي الذي قضى بنزع سلاح الدمار الشامل من قبضة الأسد والذي وافق عليه الرئيس باراك أوباما.


برنامج نزع سلاح الأسد الكيميائي


أدارت سيغريد كاغ، فريقاً مكوناً من 120 خبيراً من بينهم قرابة الـ 15 امرأة، أشرفوا جميعاً على عمليات تدمير السلاح الكيميائي وفق برنامج محدد أريد له أن ينتهي في أواسط العام 2014 الحالي، وكتبت عنها وكالة الصحافة الفرنسية أنها لا تنام، وأنها تعمل ليل نهار على مشروع تدمير السلاح الكيميائي السوري، وقامت مؤخراً بإبلاغ مجلس الأمن عن حاجتها إلى وقت إضافي للتخلص من نسبة 7.2 بالمئة الباقية من الأسلحة الكيميائية السورية، وكشفت عن وعود قدمها لها نظام الأسد بتذليل صعوبات واجهتها في مهمتها من قبل، وأنها تلاقي احتراماً كبيراً من قبل السوريين، ورغم أن التقارير الاستخباراتية الغربية أكدت أن نظام الأسد لم يفصح عن كامل مخزونه من الأسلحة الكيميائية، إلا أن كاغ قالت إن هناك مراجعة تتم في الوقت الراهن، لبيان مدى دقة تقرير النظام السوري.

طارت كاغ ما بين عواصم العالم من أجل النجاح في مهمتها، وترحّلت بين الشرق الأوسط وأوروبا ونيويورك وموسكو وواشنطن، وواجهت الموت تحت قذائف الهاون المتبادلة ما بين جيش الأسد والمعارضة السورية داخل الأراضي السورية، وقالت: ” قذائف هاون سقطت في محيط الفندق الذي أنزل فيه وأعمل منه مما جعلني مضطرة لصرف موظفين لم يكونوا قادرين على التعامل مع هكذا وضع، يجب الحفاظ على الهدوء وأن يبقى المرء متماسكا”.

واصلت كاغ تكليفها وحطت رحالها على متن البوارج الحربية التي تنقل السلاح الكيميائي لتدميره بعيداً عن سوريا، وكانت فخورة بإعلان نجاحها بأنها تمكنت حتى اللحظة من التخلص من 93 بالمئة من حجم الترسانة الكيميائية السورية، وتعيش سيغريد كاغ في القدس الشرقية في هذه الفترة لتكون قريبة من نطاق المهمة التي كلفت بها، لكون الحياة في دمشق ستجعلها عرضة للخطر المستمر.


استقالة الإبراهيمي


أدارت كاغ فريقاً مكوناً من 120 خبيراً من بينهم قرابة الـ 15 امرأة، أشرفوا جميعاً على عمليات تدمير السلاح الكيميائي وفق برنامج محدد أريد له أن ينتهي في أواسط العام 2014 الحالي، ونجحت في التخلص من 93 بالمئة منها

توالت التقارير والتسريبات التي تتحدث عن ترشيح سيغريد كاغ لخلافة الأخضر الإبراهيمي في مهمته كمبعوث دولي وعربي لمتابعة الملف السوري، ولتطبيق اتفاق جنيف1، الذي توافقت عليه كل من الولايات المتحدة وروسيا، وكان الإبراهيمي قد قدّم استقالته من منصبه احتجاجاً على عدم جدية الغرب كما قال في إنهاء الصراع الدائر في سوريا، بعد أن انتقد بشدة ما سماها بمهزلة الانتخابات الرئاسية في سوريا والتي تعني عدم التزام نظام الأسد بمبادئ جنيف1 وعلى رأسها الانتقال السلمي للسلطة، وتشكيل هيئة حكم مشتركة ما بين المعارضة وهياكل الدولة القائمة الآن في سوريا. وقد أكد الإبراهيمي في سلسلة من اللقاءات الصحفية والتلفزيونية مؤخراً بعد إعلانه استقالته، إن مصر “ينبغي أن يكون لها دور كبير في منطقة الشرق الأوسط، ولا يمكن الاستغناء عنه، سيما في الأزمة السورية”، وأضاف إن “الطرق مسدودة” الآن لحل الأزمة السورية، وأوضح أن مفاوضات “جنيف 2” التي عقدت قبل أشهر “وصلت إلى الطريق المسدود”، وأن الوفد الحكومي السوري “قال علنًا إن أوضاعهم العسكرية ستتحسن، وأنهم سينتصرون قبل آخر العام الجاري وليسوا بحاجة إلى مفاوضات”.

وكان الإبراهيمي قد بقي، طيلة العامين الماضيين، يؤكد على أنه حصل على ضمانات كافية، وأنه يطبق قواعد في الوساطة ستفضي دون شك لحل الأزمة السورية، ولكنه في نهاية المطاف قال إنه لم يعد يملك سوى استقالته التي هي موقف للفت أنظار العالم للانتباه إلى القضية السورية، وقال الإبراهيمي، في مقابلة مع قناة سي إن إن: “استقلت لأنني لم أكن سأصل إلى أي مكان، وهذه كانت الطريقة الوحيدة بالنسبة إليّ للاعتراض على إهمال المجتمع الدولي والإقليمي للوضع في سوريا”،وأضاف الإبراهيمي: “هل يصدّق أحدٌ حقاً بأنه (بشار الأسد) ليست لديه فكرة عن البراميل المتفجرة التي تقذفها قواته المسلحة كل يوم؟ المدافع والدبابات التي تقصف المدن، من المستحيل ألا يكون على علم بذلك”، وأخطر ما قاله الإبراهيمي عن الأوضاع في سوريا كان وصفه لها بأنها لو «أهملت، فإنها تصبح كالجرح الملتهب، وإن لم تقم بما يلزم لعلاجه فإنه سيستمر بالانتشار، ولن ينتشر داخل البلد فحسب بل سيملأ أرجاء المنطقة”، وقارن تحذيراته الحالية بتلك التي أطلقها قبل هجمات 11 أيلول، وقال «هذا ما كنت أحاول إيصاله في سبتمبر ـ أيلول من العام 1999 لكن لم يستمع إليَّ أحد، وفي عام 2001 فهم الناس ما كنت أحاول قوله”.


المهمة الصعبة الجديدة


اكتسبت كاغ خبراتها من خلال عملها كمساعدة للأمين العام للأمم المتحدة، ومديرة لمكتب العلاقات الخارجية والدفاع في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكان لها أن تختار دراسة الفلسفة والعلاقات الدولية، لتحصل على درجة الماجستير فيهما من كلية سانت أنتوني في أكسفورد

وكان الروس أول من كشف عن أن كاغ من بين الأسماء المرشحة للقيام بمهمة المبعوث الأممي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي. إضافة إلى الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى ووزير الخارجية التونسي الأسبق كمال مرجان، ونقلاً عن مصدر في الأمم المتحدة فإن “عدداً من البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة أعربوا عن ترحيبهم بأن يتم تعيين سيغريد كاغ خلفاً للإبراهيمي”، لأن كاغ تعرف المنطقة جيداً وتجيد العربية بطلاقة ولديها خبرة عمل طويلة في منظمة اليونسيف والبرنامج الإنمائي وفي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. علماً أن كاغ و”منذ بداية الأزمة السورية كانت بعثتها هي الوحيدة التي عادت بنتائج، صحيح أن العمل لم ينته بعد لكن تقدماً ملموساً حصل”، ويقول الدبلوماسيون أن كاغ لم تتحمس لهذا الاقتراح فهي ” تريد العمل في الشرق الأوسط لكن ليس في سوريا وقد أوضحت هذه النقطة”.

ولم يستبعدوا أن تقبل كاغ بهذه المهمة في نهاية المطاف. ترث سيغريد كاغ تركة الإبراهيمي في التعامل مع نظام استبدادي قصف شعبه بالطائرات والمدافع والدبابات، واستعمل ضده الكيميائي الذي كلفت هي شخصياً بالإشراف على انتزاعه من قبضته، تتم حماية هذا النظام من قبل روسيا والصين وإيران التي تشارك في الحرب بصورة مباشرة، ويعتقد المراقبون أن بإمكان المرأة التي توصف بالحديدية، وسيدة المهام الصعبة، أن تخمد نيران الحرب الدائرة في سوريا، بحكم معرفتها وعلاقاتها الوثيقة بالأطراف كافة.

12