سيغمار غابرييل يقود السياسة الخارجية الأوروبية استراتيجيا

السبت 2017/07/08
سيغمار غابرييل وزير خارجية ألمانيا يلوح بورقة قدرات بلاده العسكرية

برلين- في أبوظبي قال سيغمار غابرييل وزير الخارجي الألماني، الأسبوع الماضي، بالحرف الواحد “نؤيد وجهة النظر الإماراتية بضرورة وضع نهاية لإيواء أو تمويل الإرهابيين” وقبل أن يبدأ جولته في المنطقة كان قد حذر لصحيفة “فرانكفورتر ألغماينه” الألمانية من أن الأزمة بين قطر والسعودية والإمارات والبحرين ومصر “قد تقود إلى حرب” حسب تعبيره.

وأوضح غابرييل قائلا “أعلم مدى خطورة الموقف، لكنني أعتقد أن هناك فرصا جيدة أيضا لإحراز تقدم”. مستبعداً “حلا قريبا” للأزمة الخليجية، موضحا أن لديه انطباعا بأن “جميع الأطراف تسعى إلى إيجاد مساحات للاتفاق”، لكن الأمر يبدو “بعيدا”.

وبخصوص مسألة تمويل الإرهاب بدا غابرييل صريحاً حين قال، إثر لقائه وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد، إن المؤسسات المالية العالمية مستعدة لدعم آليات مراقبة التحويلات المالية لأن “وقف الدعم المالي عن الجماعات الإرهابية أمر يهمّ الجميع”.

مصلحة ألمانيا

بات واضحاً أن ألمانيا تقود الدور الأوروبي في ملف قطر وتمويل الإرهاب وعلاقة الدوحة مع جيرانها الذين اتخذوا إجراءات حازمة تجاهها مطالبينها بتنفيذ عدة مطالب. لكن هل تفعل ألمانيا ذلك بعيداً عن الرؤية الألمانية الذاتية أم أنها تراعي مصالح الاتحاد الأوروبي كله في معالجة هذا الملف الذي يبدو أنه يتصاعد أكثر وأكثر، بعد الرد القطري الذي اعتبرته الرياض والمنامة وأبو ظبي والقاهرة سلبياً وفارغاً من أيّ مضمون.

في الأيام الأولى من هذا العام الحالي 2017 تسلّم سيغمار غابرييل وزارة الخارجية في جمهورية ألمانيا الاتحادية التي تسمى اختصاراً “أ. أ”، والمسؤولة عن العلاقات الخارجية للبلاد وعن علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، بعد أن كانت تدار من سكرتارية الخارجية زمناً طويلاً، وقد خلف غابرييل سياسياً ألمانيا بارزا في هذا الموقع، إنه فرانك فالتر شتاينمار الذي عرف كمهندس رئيسي لأجندة 2010 في حكومة شرودر المثيرة للجدل.

شتاينماير كانت قد لحقته سهام النقد لتساهله مع الروس والصينيين داخل ألمانيا وخارجها، وانتقد أيضا لتفضيله مصلحة ألمانيا التجارية على حقوق الإنسان، والذي أخيراً، تولّى منصب الرئيس الاتحادي لجمهورية ألمانيا الاتحادية منذ مارس الماضي تاركاً لغابرييل مهامه المتعددة ومن بين أصعبها رئاسته لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي ترأسها منذ عام 2006.

وبهذا يكون وزير الخارجية الألماني الجديد قد قبل بمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها المستشارة أنجيلا ميركل والسلطات الألمانية سواء على الصعيد الداخلي، وعلى رأسها أزمة اللجوء وما يثار حولها ولا سيما من اليمين الشوفيني المعارض لسياسة ميركل في هذا المجال وفي مجالات أخرى اقتصادية واجتماعية، أو على الصعيد الخارجي وما يتعلق منها بدور ألمانيا البارز في الحفاظ على وحدة وصلابة الاتحاد الأوروبي، ولا سيما بعد خروج بريطانيا المربك، وفي مواجهة سياسة ترامب المدمّرة للمناخ والبيئة ومجمل ما تواجهه دول الاتحاد من تحديات كمشاكل الإرهاب الذي بات هاجساً مقلقاً للجميع.

سيغمار غابرييل يستبق قمة مجموعة العشرين، التي انطلقت الجمعة الماضية، والتي تستضيفها هامبورغ الألمانية، يومي 7 و8 يوليو الجاري، وتتولى ألمانيا رئاسة المجموعة التي تسلمتها من الصين، معبرا عن قلق برلين من أن يبدأ ترامب حربا تجارية مع أوروبا. لكن أليس غابرييل هو الذي أسمع العالم صوت مخاوف ألمانيا والأوروبيين مما يدور في البيت الأبيض حين قال الشهر الماضي إن "الترامبية خطيرة للغاية"

غابرييل معروف بتمسّكه بضرورة تحوّل الطاقة في ألمانيا وفي العالم أجمع، ممّا يجعله متوافقاً مع توجهات ميركل التي تعوّل على شخصيته ودوره في هذا التحوّل الضروري والمطلوب من منظمات عالمية نصيرة للبيئة ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة، والعديد من دول العالم التي تتهددها أخطار بيئية ناتجة عن الصناعات الملوّثة للبيئة والتي تصرّ بعض الدول على العمل فيها، ضاربة عرض الحائط بحياة الملايين، وتتصدر هؤلاء إدارة ترامب.

ولد غابرييل في 12 سبتمبر عام 1959 وعاش في كنف أب يؤمن بالنازية وعلى قناعة تامة بها، وهو ما تسبّب له بطفولة صعبة، زاد من صعوبتها انفصال والديه. ولكنه استأنف الحياة وسرعان ما توجه إلى السياسة، ثمّ وصل إلى الحزب الألماني الاشتراكي الديمقراطي الاجتماعي أو الـ”إس بي دي”، من خلال منظمة الشباب “دي فالكن” التي تعني الصقور.

ومن خلال عمله كمدرّس في المدرسة الشعبية العليا في مدينته غوسلار، كان على تواصل مستمر مع المهاجرين القادمين ومع الشباب العاطلين عن العمل، قبل أن يتفرّغ للسياسة في ولايته نيدرزاكسن، ثم ومنذ 2005 في برلين تميز غابرييل كوزير اتحادي للبيئة في حكومة الائتلاف الكبير الأولى برئاسة ميركل، وناشطا من أجل مشروع تحوّل الطاقة الذي يعتبر واحدا من أهم مشروعات المستقبل في ألمانيا، كما سبق وأسلفنا، وقد رافق المشروع فيما بعد من خلال تسلّمه منصب وزير الاقتصاد والطاقة الألماني الاتحادي، حيث يأتي حوالي ثلث الطاقة الكهربائية في ألمانيا اليوم من مصادر الطاقة المتجددة، وحيث أخذت كثير من دول العالم النموذج الألماني مثالا تسير على خطاه.

أوروبي مر

وبعد انتخابات البوندستاغ الألماني في العام 2013 ساهم غابرييل بصفته رئيس حزب في الائتلاف الحكومي الكبير، وضمن حزبه كان يعمل من أجل مشاركة القواعد الحزبية في اتخاذ القرار، وقد نجح في تنظيم أول استفتاء من هذا النوع لقواعد حزبية يقام في ألمانيا.

“السلام وحقوق الإنسان، النمو النظيف بعيدا عن تلويث البيئة، العمل الجيد، الموضوعات الأساسية للسياسة لها دوما أبعاد خارجية ودولية”، هكذا يقول غابرييل الذي يتابع “نحن الألمان نتحمل حاليا مسؤولية خاصة فيما يتعلق بأوروبا”.

وعن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حذّر الوزير غابرييل عدة مرات، من أن الاتحاد الأوروبي “لن يتساهل ماليا مع بريطانيا” في مفاوضات بريكست، ملمّحاً إلى المساهمة المحدودة للندن في الموازنة الأوروبية والتي كانت توصلت إليها رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر.

وزير الخارجية الألماني قال “نؤيد وجهة النظر الإماراتية بضرورة وضع نهاية لإيواء أو تمويل الإرهابيين”

وقال غابرييل ربيع هذا العام، في جلسة في مجلس النواب الألماني غداة بدء آلية خروج بريطانيا من الكتلة الأوروبية إن “المفاوضات لن تكون سهلة بالتأكيد بالنسبة إلى الجانبين”، مضيفاً أنه “مهما كانت العلاقات الاقتصادية مهمة، يجب أولا ضمان الوضع القانوني ومصالح مواطنات ومواطني أوروبا في بريطانيا”.

قمة العشرين وشبح الترامبية

خلال الشهر الماضي، الذي مرّ صيفاً ساخناً على ألمانيا، قال غابرييل إنه لا يملك معلومات تشير إلى نية روسيا التأثير على العملية الانتخابية في ألمانيا، التي ستجرى يوم 24 سبتمبر المقبل. ونقلت سبوتنك الروسية أن مسؤولين أوروبيين عديدين يوجّهون لموسكو اتهامات حول رغبتها بالتأثير من خلال هجمات إلكترونية متطورة وحملات تضليل على النتائج الانتخابية المرتقبة في أوروبا 2017 وخصوصا في ألمانيا، على غرار ما أثير حول الاتهامات الموجهة إلى روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لصالح ترامب.

وكان غابرييل قد استبق قمة مجموعة العشرين التي انطلقت الجمعة الماضية، والتي تستضيفها هامبورغ الألمانية، يومي 7 و8 يوليو الجاري، حيث تتولى ألمانيا رئاسة المجموعة التي تسلمتها من الصين، بهدف التركيز على الإبداع التقني عالمياً. وعبّر غابرييل عن قلق برلين من أن يبدأ ترامب حرباً تجارية مع أوروبا. وأضاف أن بلاده ستواصل عبر الحوار السعي إلى وضع يكون بمقدور ألمانيا والولايات المتحدة فيه العمل سوياً.

لكن أليس غابرييل هو الذي أسمع العالم صوت مخاوف ألمانيا والأوروبيين مما يدور في البيت الأبيض، حين قال، خلال الشهر الماضي الساخن ذاته، إن “الترامبية خطيرة للغاية” في تصريحاته لصحيفة “هاندلبلاست”؟

ويشعر الأوروبيون بالتوجس من سياسات ترامب، فهم يتلمّسون الخطر من احتمال تفكك اتحادهم الأوروبي بسبب نزعة ترامب الشعبوية الانفصالية، ويشاركهم في ذلك الكنديون الذي يرون فيه شخصية خطرة بسبب قراراته السلبية التي تتعلق بالهجرة والاقتصاد والانبعاث الحراري وإلغاء الضمان الصحي.

الترامبية متعددة الأشكال أخذت تشغل بال الأوروبيين حقيقة، بعد أن برزت في أحزاب اليمين المتطرّف والدعوات للخروج من الاتحاد الأوروبي والتقارب مع روسيا والعداء للمهاجرين والمسلمين. لكنها أصيبت بتراجعات هامة في كل من النمسا وهولندا وفرنسا وصولاً إلى الانتخابات البريطانية التي أجريت مؤخراً.

الألمان واقتصاد العالم

يؤمن الألمان ومن بينهم الوزير غابرييل أن متغيرات الاقتصاد تحكم تحولات العالم السياسية، وفي مقاله المنشور على موقع “فورين أفيرز” من ترجمة مروة كامل، يطرح مارك بليث أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة براون تساؤلًا يقول لماذا كان فوز ترامب عملية بدأت منذ ثلاثين عامًا، ولن تتوقف عند هذا الحدّ؟ وكيف أن الوضع الحالي من فوز ترامب وغيره من أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا ما هو إلا تطور طبيعي في ضوء قانون غودهارت، وأن السياسات تنقض نفسها بمرور الوقت.

يشرح بليث أنه ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، قررت أميركا وحلفاؤها أن البطالة الجماعية المستمرة تعد تهديدًا وجوديًا للرأسمالية، فكان واجبًا تجنبها بأيّ ثمن. وكاستجابة لذلك، استهدفت الحكومات في كل مكان مبدأ “التوظيف الكامل” باعتباره متغير السياسة الرئيسية، وفي محاولتها للوصول إلى معدل بطالة بنسبة 4 بالمئة والحفاظ عليها يكمن سبب فشلها؛ وكانت المشكلة في تلك السياسة أنها بمرور الوقت كانت تمثل استهدافَ متغيّرٍ لفترة طويلة بما يكفي لتقويض قيمة المتغير نفسه، وهي الظاهرة المعروفة بقانون غودهارت.

ومنذ أزمة العام 2008 ضخت البنوك المركزية العظمى في العالم حوالي 12 تريليون دولار على الأقل في الاقتصاد العالمي، ولولا شراء البنك المركزي الأوروبي للأصول بكميات ضخمة في منطقة اليورو، لصار الركود الاقتصادي شاملًا. وهنا يبرز ترامب.

غابرييل كان قد حذر من أن الأزمة بين قطر والسعودية والإمارات والبحرين ومصر "قد تقود إلى حرب"

إن ما نراه هو انعكاس للسلطة بين الدائنين والمدينين، إذ قوّض النظام المناهض للتضخم على مدار الأعوام الثلاثين الماضية نفسه، وهو ما يمكننا أن نطلق عليه “ثأر غودهارت”. ويختتم بليث قائلًا “علينا أن ننصت للأبواق التي تنفخ في كل أنحاء العالم في الدول المتقدمة المثقلة بالديون والناخبين الذين يصوّتون لهم. فالثورة العالمية على النخب لا يدفعها فقط الاشمئزاز والخسارة والعنصرية، إنما يدفعها أيضًا الاقتصاد العالمي نفسه، تعدّ تلك ظاهرة مميزة لشيء واحد قبل أي شيء وهي أن حقبة النيوليبرالية انتهت وبدأت حقبة النيوناشيوناليزم أو القومية الجديدة”.

التفوق العسكري الألماني

يعود غابرييل مرة أخرى للحديث عن القومية الجديدة، فهو كان قد أعلن ربيع هذا العام، أن على ألمانيا “القيام بالمزيد” على صعيد النفقات العسكرية، لكنه تساءل هل تريد أوروبا فعلا أن تنفق ألمانيا 60 مليار يورو سنويا على جيشها؟ وبحسب ما نقلت وكالة فرانس برس قال غابرييل “ستكون هذه هي النتيجة إذا ما أنفقنا 2 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي، المستوى الذي يقترحه الحلف الأطلسي. سيعني ذلك تفوقنا العسكري في أوروبا، وأعتقد أن جيراننا لن يستسيغوا ذلك”.

وتتعرض برلين التي تنفق في الوقت الراهن 1.2 بالمئة من إجمالي ناتجها المحلي على الدفاع لانتقادات من واشنطن. يعتبر غابرييل أنه “من الحكمة أن تقتنع أوروبا بأن الفترة التي أخذت فيها الولايات المتحدة على عاتقها المجهود الدفاعي الأساسي قد ولّت”.

ويتضح تصوّر صانع السياسة الخارجية الألمانية لدور بلاده بجلاء من خلال استعراض مواقفه من القضايا الدولية، فقد عبر غابرييل عن موقف برلين من مقر الاتحاد الأفريقي قائلاً إن ألمانيا لن تؤيد مشروعاً لإنشاء مخيمات في ليبيا لاستضافة المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، بعد أن تم في فبراير من هذا العام توقيع اتفاق بين إيطاليا والحكومة الليبية بدعم من الأمم المتحدة، بحيث موّل الاتحاد الأوروبي بموجبه تلك المخيمات.

وأضاف غابرييل متحدثاً من العاصمة الأثيوبية أديس ابابا “إنّ هذا لا يتوافق مع الرؤية السياسية لألمانيا أو الاتحاد الأوروبي. ما نحاول القيام به بدلاً من ذلك، هو تحقيق الاستقرار في دول القارة”. والاتفاق المبرم بين إيطاليا وليبيا كان هدفه الحدّ من مغادرة المهاجرين غير الشرعيين من خلال إنشاء مخيمات لاستقبالهم وتشجيعهم على العودة إلى بلدانهم عندما لا يكون ممكناً لهم التقدّم بطلبات لجوء.

مع غابرييل والعالم الذي ينشأ من حول ألمانيا سيكون لهذه البلاد الشاسعة ذات الإمكانات الضخمة، قياساً بغالبية دول العالم وبالأخص جوارها الأوروبي، مستقبل مختلف ولذلك تحاول أن يكون لها دورٌ مهمّ في كل نزاع في الخارطة حتى لا تقتسم نتائج الصراعات وهي غائبة.

12