سيغموند فرويد عبقري أم دجال

الأحد 2014/10/26
اليزابيث رودينسكو: كاتبة تحلل أكبر المحللين النفسيين

باريس - لا يزال سيغموند فرويد (1856-1939) محل جدال بين الأنصار والخصوم، بين محللين نفسانيين يستمسكون بكتاباته النظرية وكأنها نصوص مقدسة من جهة، وبين خصوم ينكرون فتوحاته ويتهمونه بالتأرجح بين فكر الأنوار والقوى المظلمة من جهة أخرى. والسبب تغاضي الطرفين عن وضع الرجل وسيرته وإنجازاته في مسارها التاريخي، وهو ما نهضت له الباحثة إليزابيت رودينسكو، المتخصصة في تاريخ التحليل النفسي، في كتاب “فرويد في زمنه وزمننا” الصادر مؤخرا عن دار سوي.

تعتبر إليزابيت رودينسكو من أهم مؤرخي التحليل النفسي، وقد نشرت في هذا المجال مؤلفات مرجعية مثل “تاريخ التحليل النفسي في فرنسا” و”معجم التحليل النفسي” و”جاك لاكان، تاريخ منظومة فكرية”، أي أنها تمتلك من الأدوات والمواد ما يجعلها مؤهلة لتفكيك أسطورة فرويد ووضعها في إطارها الأقرب إلى الواقع.

وكتابها الذي بين يدينا يندرج ضمن الدراسات التي جمعت بين التاريخ والبيوغرافيا في تناول شخصية فرويد، وهي دراسات بدأها أرنست جونس بعد خمس عشرة سنة من وفاة منظر التحليل النفسي، وتواصلت مع هنري إلّينبرغر وكارل شورسكه وجاك لو ردير وخاصة بيتر غراي. والدافع إلى وضعه كما جاء على لسان المؤلفة تصاعدُ النزعة المعادية للفرويدية عداءً لا يستند إلى الحقائق التاريخية، حتى بعد أن صار أرشيف صاحبها طوع اليد منذ دخوله المجال العام عام 2010، وتعنّت أنصاره في اعتباره عبقريَّ عصره، ومبتدعَ علم لم يسبقه إليه أحد. حتى اختلط الحابل بالنابل، وصرنا نجد من يشبّهه بكوبرنيكس أو غاليلي أو كريستوف كولومبس باعتباره مكتشف قارة مجهولة هي مجموع الخصائص المتعلقة بالجنس، والهادي إلى وسيلة حل عقد الحياة النفسية، مثلما نجد من يعتبره دجالا، شيطاني الأهواء، مقترف محارم، وكذابا ومزوّرا ورجعيا وفاشيا. ولعل أبرز دافع لديها كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري (غروب معبودٍ-الخرافة الفرويدية) حيث رأى في التحليل النفسي “هذيانا جماعيا مدعوما بسلسلة من الأساطير”.

الدافع إلى وضعه كما جاء على لسان المؤلفة تصاعد النزعة المعادية للفرويدية عداء لا يستند إلى الحقائق التاريخية


العلم الجديد


والحق أن ما تلقاه الفرويدية من عداء هو نتيجة حتمية للأسطورة التي عاشت عليها زمنا طويلا حركةُ التحليل النفسي، فقد قدّمت فرويد كبطل مجيد، ورائد حطّم الأفكار المسبقة وفرض نظرية جديدة، وهي أسطورة ساهم هو ذاته في بنائها، حين شبه نفسه بكوبرنيكس وداروين. وتدعّمت بأسطورة ثانية وهي أن مولد “العلم الجديد” تم داخل نفسانية فرويد، أي أن اكتشافه تلك “القارة المجهولة” كما يقول أنصاره نجم عن فهمه للاوعيه الخاص دون مساعدة أحد.

في الأعوام الأخيرة، أصبحت صورة رائد التحليل النفسي مشوشة، تتأرجح بين أيقونة فاتنة يعبدها مريدوها، وأخرى دميمة لا يتوانى أعداء الأصنام عن حرقها. لذلك اختارت رودينسكو أن تعرض عرضا نقديا حياة فرويد وتشكُّل كتاباته والثورة الرمزية التي دفع إليها، وتُقدّمه بوصفه مخففَ أوجاع عدد من النساء والرجال، ومفجّرَ قناعاتِ من سبقوه عن الوعي تفجيرا نجد آثاره في فرضه ميثولوجيا الأصول على الذاتية المعاصرة، من ناحية، ولكنها تبين من ناحية أخرى كيف أخطأ النظر إلى التجديد الأدبي لمعاصريه، وعاش يجهل فنون عصره، واتخذ مواقف أيديولوجية وسياسية محافظة وحتى رجعية، من ذلك مثلا الإهداء الذي وقّعه لبنيتو موسلّيني ذاكرا فيه أنه يرى في رجل السلطة بطلا للثقافة، أو قوله إن الحكم لا يستقيم إلا بقبضة قوية، وهو ما فنّدته التجارب الديمقراطية في الغرب.
فرويد متأثر بفكر الأنوار


أبواب الكتاب


لم تترك رودينسكو شاردة ولا واردة من حياة رائد التحليل النفسي في كتاب يتوزع على أربعة أبواب هي: “حياة فرويد” ويشمل البدايات والوجدانيات والعواصف والطموحات. و”فرويد، الفتح” ويتناول تطور التحليل النفسي والمريدين والمنشقين واكتشاف أميركا. و”فرويد في مقامه” ويعرض للأسرة والكلاب والموجودات وفن الأريكة أي الإصغاء إلى اعترافات الخاضعين للعلاج النفسي، والعلاقات مع ميلاني كلين وماري بونابرت ولو أندرياس سالومي. أما الباب الرابع فهو بعنوان “فرويد في الأزمنة الأخيرة” ويعالج مسائل الطب، والتميمة والدين، والنازية، والمرض والموت. وتؤكد أن الغاية من وضع الكتاب هي فهم الرجل أكثر من الحكم عليه، وقد حرصت أن تقدمه كما هو، بلا رتوش، في زمنه الذي كان فيه قامة شامخة حتى في المجال الأدبي، (والمعروف أنه كان يجيد العبرية واليديشية واليونانية واللاتينية والبرتغالية ويتقن عدة لغات قراءة وكتابة، كالإنكليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية فضلا عن الألمانية التي كان يكتبها بأسلوب لا يضاهيه فيه سوى نيتشه على رأي ألفريدا يلينيكه، المتوجة بجائزة نوبل للآداب. وقد ألف فيها ما يقارب عشرين مصنفا، وأكثر من ثلاثمئة مقال علاوة على الملاحظات والرسائل التي تعدّ بالآلاف)، وفي زمننا الذي صار ينظر فيه إلى التحليل النفسي كاجتهاد يستفيد من العلم والطبّ دون أن يكون منهما.


أخطاء فرويد


وهي إذ تذكّر بالحياة التي كان يحياها فرويد في فيينا، في وقت احتدت فيه معاداة السامية وتراجع النظام البطريركي، وبرزت الرغبة الأنثوية، وتصور علاقاته بزوار عيادته من الطبقة البورجوازية اليهودية، تجلو من أطوارها عدة مفارقات وسمت شخصيته، فهو يهودي بلا ربّ (أي غير مؤمن)، متأثر بفكر الأنوار ومنجذب إلى القوى الرجعية والاستبدادية، موزع بين المثالية العلمية والانبهار بقوى الخيال الخلاق. والمفارقة الكبرى أن هذا الرجل الذي كان يحب أن يحيا بين النساء، وأفنى عمره لمنح مفهوم الجنس بعدا نفسيا كونيا إلى حدّ اعتباره جوهرَ النشاط البشري، لم يعرف تقريبا سوى الاستمناء والتعفف، بعد أن نفر من مضاجعة زوجته منذ 1893، بدعوى أنه لم يعد يحتمل أن يكون سببا في الأوجاع التي تنتابها عند الولادة. أي أن الحياة الجنسية لأكبر منظر معاصر للجنس لم تدم أكثر من تسع سنوات.

والخلاصة أن الباحثة سلطت الضوء على ولادة فكر مجدد وراديكالي، لم يرم صاحبه من ورائه خلق منظومة أو مذهب، بل أراده حركة تفتح الباب لعلاج ما يعجز الطب العيادي عن علاجه، وبينت أخطاءه سواء في تشخيص الأعراض أو في مواقفه السياسية التي نحت منحى الحياد المريب، وتناقضاته بين النظرية والواقع المعيش، حتى في حياته الشخصية.

12