سيغنال برايفت ماسنجر برنامج خارق لمواجهة انتهاك الخصوصية

السبت 2016/11/05
سيغنال برايفت ماسنجر تشفير يجعلك تتفحص هوية من تحادثه

إسطنبول- منذ أن قام إدوارد سنودن المتعاقد التقني والعميل الموظف السابق لدى وكالة المخابرات المركزية الأميركية بتفجير الفضيحة الشهيرة حول قيام الوكالة بالتجسس على مستخدمي الإنترنت، بات هاجس الخصوصية مسيطراً على مستخدمي أدوات الاتصال من هواتف وتطبيقات التراسل الفوري، خاصة وأن الأخطار الأمنية التي تتهدد الكثير من بلدان العالم، جعلت تفكير الحكومات والأجهزة الأمنية التابعة لها بممارسة نوع من الرقابة التي تشمل حقها في التنصت على مكالمات الأفراد ومحادثاتهم أمراً لا يقابل بالرفض من قبل عموم الناس.

الأصل في القضية هو أن احترام الخصوصية مبدأ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان، ولكن اختراق الخصوصية هذا لم يكن دائما مبنياً على رغبة الحكومات بدفع الخطر الإرهابي عن الناس، بل كان مبنياً في أغلب الأحيان على تعاظم فكرة السيطرة والتحكم. وفي البلدان التي تحكمها أنظمة دكتاتورية، لا يبقى هناك أيّ معنى لحقوق الإنسان، فتقييد الحريات يعني في أحد معانيه قدرة الأجهزة الأمنية على مراقبة كل ما يفعله الصحافيون والناشطون.

وفي الجهة المقابلة، بات الحصول على وسائل تواصل آمنة غير قابلة للاختراق هاجساً مسيطراً لدى التقنيين الذين تؤرّقهم مسألة احترام الخصوصية، فدأب هؤلاء على تطوير التطبيقات التي تجعل المرء يفلت في محادثاته الشخصية ورسائله من عيون المراقبين، بالتوازي مع تحوّل هذه المسألة إلى نقطة مفاضلة لدى جمهور مستخدمي هذه التطبيقات حول العالم، الأمر الذي جعل الشركات الكبرى التي تحوز ملكيتها تبذل جهوداً كبرى من أجل تقديم أعلى درجات تشفير البيانات، ووضعها في خدمة المستخدمين.

وهنا يتذكر المتابعون التنافس الكبير بين تطبيق “واتس آب” الذي بات جزءاً من أملاك شركة فيسبوك، وبين تطبيق “تلغرام”، فبعد أن ظهر هذا الأخير على خارطة التطبيقات تحول جزء من المستخدمين نحوه، ما سرّع خطوات التطوير لدى “واتس آب” الذي أعلن منذ عدة شهور عن أنه بات يطبق نظام تشفير المحادثات.

إذن، مسألة التشفير لم تعد مجرد اجتهاد تقني، بل باتت قضية أساسية تتحكم بتسويق هذه التطبيقات والبرمجيات، ولكن هل يكفي أن يعلن مشغلو التطبيق عن اتّباعهم لها من أجل إقناع فئة الصحافيين والناشطين الأكثر استهدافاً من قبل الرقابة باستخدامها؟ لهؤلاء أيضاً مجموعات عمل تحاول مساعدتهم من أجل عدم الوقوع في شباك المتحكّمين والمسيطرين، وعلى عاتق هؤلاء تقع مسؤولية دراسة واقع الأمر، ولا بد للمعنيين من أن يأخذوا بنصيحتهم.

"سيغنال برايفت ماسنجر" تطبيق للاتصالات الآمنة أنشأته شركة "أوبن وسبر سستمز" التابعة لمجموعة من النشطاء في مجال الخصوصية وأمن المعلومات وهو يوفر اتصالات آمنة ومشفرة بتشفير "زد أر تي بي" غير قابل للتجسس، علاوة على أنه مجاني ومفتوح المصدر

وقد كان من اللافت في نهاية العام 2015 أن يوجه التقنيون في المؤسسات المعنية بالحفاظ على أمن الصحافيين والناشطين المستخدمين بعدم استخدام تطبيقات التراسل الفوري الشائعة بين الناس مثل “واتس آب” و”تلغرام”، وغيرهما والتوجه نحو تطبيق “سيغنال برايفت ماسنجر” والنصح به، بوصفه التطبيق الأعلى تشفيراً حتى الآن.

ما هو سيغنال برايفت ماسنجر

تضمنت قائمة “عدة الأمن الإلكتروني” الموجهة للناشطين في قطاع غزة التي أعدتها شركة سايبركوف المتخصصة بالأمن المعلوماتي منذ منتصف العام 2014 عدداً من التطبيقات التي يجب على المستخدمين حصر عملهم من خلالها، ومن بين هذه التطبيقات جاء تطبيق “سيغنال برايفت ماسنجر”، ولكن القوائم الأخرى التي قدمها تقنيون آخرون في العام الماضي أبرزت تقدم موقع وفعالية هذا التطبيق في سياق الحرب القائمة بين مؤسسات الرقابة الأمنية وبين الناشطين.

وجاء في تعريف “سيغنال برايفت ماسنجر” أنه تطبيق للاتصالات الآمنة أنشأته شركة “أوبِن وِسبر سِسْتِمز” التابعة لمجموعة من النشطاء في مجال الخصوصية وأمن المعلومات، يوفر اتصالات آمنة ومشفرة بتشفير “زد أر تي بي” غير قابل للتجسس، وهو مجاني ومفتوح المصدر. أما دليل “سلامتك للأمن الرقمي” الموجه للمستخدم العادي والمتقدم لتقنيات المعلومات على السواء، والذي قامت بإعداده مجموعة من الخبراء في مجال أمن المعلومات في مؤسسة سيدكيف، فقد وجه المستخدمين إلى “سيغنال برايفت ماسنجر” نظراً إلى تميزه بمواصفات خاصة فهو “بعكس الكثير من تطبيقات التراسل والاتصال الصوتي يعتمد التطبيقات المذكورة من ‘أوبِن وِسبر سِسْتِمز’، وطريقة التشفير ‘إند تو إند’، ما يعني أنه لا يمكن لأيّ جهة أن تتنصت على اتصال الإنترنت بين المتصلين أو أن تعرف محتوى المكالمة أو أن تقرأ الرسائل والصور المتبادلة”.

تطبيق “سيغنال برايفت ماسنجر” الذي يمكن للمستخدمين في الوقت الراهن استخدامه من خلال هواتفهم الذكية جرى تطويره من قبل الشركة عبر العديد من المراحل. ففي البداية قامت الشركة بإصدار تطبيق “ريد فون” للاتصالات الصوتية المشفرة وتطبيق “تيكست سيكيور” للمراسلات النصية المشفرة على أجهزة أندرويد. بعد ذلك قامت بإصدار تطبيق “سيغنال” الذي يدمج المكالمات الصوتية والمراسلات النصية المشفرة في تطبيق واحد على الأجهزة العاملة بـ”أي أو أس” مثل الآيفون والآيباد.

وكان متوافقاً مع تطبيقي “ريد فون” و”تيكست سيكيور” وبالعكس. أي كان بالإمكان إجراء مكالمات بين هذه التطبيقات. وفي النهاية قامت الشركة بدمج التطبيقات الثلاثة تحت اسم “سيغنال برايفت ماسنجر” منذ نوفمبر العام 2015. بلغ عدد تحميلات التطبيق ثلاثة ملايين عملية تحميل بعد ثلاثة أيام من توفره لمستخدمي أجهزة أندرويد و أي أو إس، وقد أرجع البعض التلقي الجيد له إلى تميزه بالسرعة في الأداء وإلى كونه خفيفا على الأجهزة.

وعادت الشركة في شهر أبريل من العام الحالي لتطلق نسخة الويندوز التجريبية من التطبيق، والتي تمكّن مستخدمي أجهزة الكومبيوتر من استعمال “سيغنال برايفت ماسنجر” في عملهم، وقد جاءت هذه الإضافة على شكل تطبيق يضيفه المستخدم لمتصفح كروم، وليس كتطبيق مستقل، ما يعني أن المستخدمين بإمكانهم استعمال النسخة الجديدة على كافة الأجهزة التي تعمل بنظام التشغيل ويندوز، أو أجهزة كروم بوك.

إدوارد سنودن نفسه يقول إنه يستخدم برنامج "سيغنال برايفت ماسنجر" وذلك في تغريدة نشرها على موقع تويتر
مذكرة تأمر بالكتمان
نقل موقع غلوبال فويزس أن عملية تطوير البرامج والتطبيقات المشفرة لن تمر دون صخب على ما يبدو، وضمن هذا السياق قالت جريدة واشنطن بوست إن منتجي تطبيق رسائل الجوال المشفرة “سيغنال برايفت ماسنجر” تلقوا أول مذكرة استدعاء لهم من هيئة المحلفين الاتحادية لهذا العام للإدلاء ببيانات تخص أحد عملائهم، لكنهم لم يقدموا سوى قدر ضئيل من المعلومات إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي.

من جهتها أعلنت شركة “أوبِن وِسبر سِسْتِمز″، الشركة المنتجة لـ”سيغنال برايفت ماسنجر”، للحكومة أنَّها لا تجمع ولا تحتفظ بالبيانات الوصفية المطلوبة في المذكرة، ولا تحفظ سوى وقت وتاريخ إنشاء الحساب وتوقيت آخر اتصال للمستخدم بخوادم سيغنال.

وكان مرفقاً مع المذكرة أمرٌ بالكتمان يطالب “أوبِن وِسبر سِسْتِمز″ بألَّا تنشر علناً أيّ معلومات عنها، لكن أمر المذكرة افتُضِحَ إثر احتجاج قانوني قدمته “أوبِن وِسبر سِسْتِمز″ والاتحاد الأميركي للحريات المدنية.

وقد حرصت الشركة في سياق هذه العملية على فعل الإضافة أمنياً أيضاً حيث تحتاج عملية تنصيب التطبيق الجديد من المستخدم رغم سهولتها قراءة رمز الاستجابة السريع “كيو أر كود” بواسطة الهاتف الجوال ليتم استيراد مفاتيح التشفير والرسائل. وقد كان من اللافت جداً لجمهور المستخدمين أن يقول سنودن نفسه إنه يستخدم برنامج “سيغنال برايفت ماسنجر” وذلك في تغريدة نشرها على موقع تويتر بعد أيام قليلة من إطلاق البرنامج بين المستخدمين.

واتس آب وسيغنال برايفت ماسنجر

قامت شركة فيسبوك بالاعتماد على البنية التقنية لـ”سيغنال برايفت ماسنجر” من أجل تطوير تطبيق واتس آب نفسه. بعد أن بات تحصينه ضد الاختراق مطلباً أساسياً، كان يمكن للملايين من المستخدمين أن ينفضّوا عنه بسبب ضعف قدراته على مواجهة المخترقين، وقد أعلنت شركة “أوبِن وِسبر سِسْتِمز” عن تبنيها لهذه الخطوة على مدونتها بالقول “لدينا وسائل لدعم ميزة التشفير على جميع المنصات بشكل كامل، ولكن نحن نتحرك بسرعة نحو عالم سيحصل فيه جميع مستخدمي واتس آب على ميزة التشفير نهاية إلى النهاية افتراضياً”.

ولكن الخبراء التقنيين ظلوا يؤكدون على نصيحتهم بضرورة التوجه إلى البرنامج الأصلي، وقد جاء في مقالة كتبها كل من ماريا كزينو وكريس واكر ترجمها محمد المسقطي في موقع سيبر أراب “إنّ التشفير ليس السمة الوحيدة التي توحي بالأمن. فبالإضافة إلى عواملٍ أخرى، يعتمد أيضاً مدى أمن التطبيق على كيفية دمج بروتوكول التشفير. فعندما يكون البرنامج مفتوح المصدر، نتمكّن من إعادة فحصه ورؤية كيف تم استخدامه والتأكد من عدم وجود أيّ رمز مؤذٍ. فيما تتطلب البرامج مغلقة المصدر، من ناحية أخرى، الوثوق بادّعاء المطوّرين.

يعتمد تطبيق واتس آب على بروتوكول تطبيق ‘سيغنال برايفت ماسنجر’ الذي هو معيار مفتوح يشفّر محادثات المستخدمين، لكن التطبيق نفسه مغلق المصدر. نحن نثق بأن شركة ‘أوبِن وِسبر سِسْتِمز” قد أدمجت بروتوكول تطبيق ‘سيغنال برايفت ماسنجر’ في تطبيق واتس آب بشكلٍ صحيح. لكن طبيعة التطبيق مغلقة المصدر تمنعنا من تحديد سمات التطبيق الأخرى التي قد تؤثر على سلامتنا. من جانبٍ آخر، إن تطبيق ‘سيغنال برايفت ماسنجر’ مفتوح المصدر، ونتيجةً لذلك، يمكننا التأكد من أن محادثاتنا مُشفّرة بشكلٍ صحيح وإعادة معاينة أمن التطبيق الإجمالي”.

ماسنجر فيسبوك وسيغنال

خطوات دعم التشفير التي بدأتها شركة فيسبوك وصلت إلى الماسنجر الذي يستخدمه المشتركون في شبكتها العملاقة، فأعلنت قبل شهرين تقريباً عن إطلاق خاصية “المحادثات السرية”، التي تعتمد خاصية تمكّن التشفير التام بين الأطراف أو مثل المبنية على بروتوكول “سيغنال برايفت ماسنجر”.

الخاصية التجريبية هذه لم تقم فيسبوك بإتاحتها لجميع المستخدمين حتى الآن، حيث جرى توضيح تفاصيلها في وثيقة يجدها هؤلاء في مركز المساعدة على موقع فيسبوك، إذ لا تتوفر المحادثات السرية حاليًا إلا لتطبيق ماسنجر على نظامي”أي أو أس” وأندرويد، ولهذا فإنها لا تظهر في دردشة فيسبوك أو عبر موقع مسنجر دوت كوم، ولا تتوفر كذلك إلا من الجهاز الذي يقوم المستخدم بإنشاء المحادثة منه والجهاز الذي يستخدمه المتلقي لفتح المحادثة.

وفي تفاصيل عملية التشفير فقد تمّت إتاحة إمكانية لتحقق المستخدمين من بعضهم قبل بدء الاتصال المشفر، حيث يتوفر لدى الشخصين المشاركين في محادثة سرية مفتاح جهاز يمكن مقارنته في التحقق من تشفير الرسائل من طرف إلى آخر. وتبين فيسبوك في توضيحاتها حول هذه النقطة أن عملية التحقق الاختيارية لن تؤثر على عملية التشفير التي ستتم سواء قام المستخدمان بمقارنة مفاتيح الأجهزة أم لا.

14