سيف الرحبي شاعر من عُمان شهد القطا يغيب مع السراب

السبت 2015/01/03
سيف الرحبي الحالم في شعر يشبهه

أن يكون المرء أكثر شهرة من بلده فذلك يتأتى من واحد من سببين؛ إما أن يكون ذلك المرء استثنائيا في عطائه الإبداعي وفي موقفه من العالم، وفي تعدد الينابيع التي ينهل منها، وإما أن يكون ذكر بلده نادرا في نشرات الأخبار لخلو ذلك البلد من المشكلات التي يعاني منها سواه من البلدان والتي يعدّ بعضها كارثيا.


شاعر استثنائي في بلد استثنائي


في حالة الشاعر العماني سيف الرحبي فإن السببين يحضران معا ليقدّماه شاعرا لا يحتاج في الكثير من الأحيان أن تلحق به مواطنته، بالرغم من أنه في كل ما كتبه شعرا ونثرا كان العماني الأول في تماهيه مع سحر ذلك البلد الصامت، الذي تضفي عليه زرقة بحره الكثير من الغموض الرفيع.

حضور الرحبي في الثقافة العربية كان دائما استثنائيا، وغياب بلده عن نشرات الأخبار كان استثنائيا أيضا؛ فسيف يشبه بلده إلى حدّ كبير، من جهة تماهيه مع حضوره العربي من غير أن يكون خليجيا ولو مرة واحدة في حياته، وإذا أردنا الدقة فإن سيف هو الشخص الذي ليس لديه ما يخفيه والصديق الذي يكره الخيانة، كان دائما أقل غموضا من بلده.

لقد اختار منذ صباه أن يكون متمرّدا على الصمت المنافق، فكان ما في قلبه على لسانه، لا يزال حتى هذه اللحظة كذلك وهو الذي يعرف أن مكانته في بلده هي حصيلة كدح يومي، عاشه بين المنافي وهو يحلم بالعدالة الاجتماعية، انتماؤه إلى الشعر لا ينفي حقيقة أنه اليوم واحد من أكبر كتاب النثر في الوطن العربي، وهو ما يجعله يشفق على شعره مثلما يشفق على بلده الذي وهبه مهنة العيش في حيوات متخيلة.

لقد صنع سيف الرحبي مصيره بيديه؛ فارق السياسة يوم أدرك أنها مهنة العاجزين، غير أنه لم يستسلم لإغراءات الوظيفة وهو يعرف أنها الطريق الأرخص إلى الموت، حدثني عن حاسة البصر ذات مرة فقال “أسوأ ما يقع للمرء أن يكون غير قادر على القراءة”. الرحبي قارئ من طراز خاص، كان متأملا حياته قارئا فيما كانت الكلمات تحك أصابعه.


البندقية والزهرة


ولد سيف الرحبي في قرية سرور بولاية سمائل في المنطقة الداخلية من سلطنة عمان عام 1956، منذ العام 1980، وهو تاريخ صدور أول كتاب شعري “نورسة الجنوب”، سيكون من اليسير اقتفاء أثره بين المدن العربية، التي عاش فيها غريبا وهي مدن حلمه، غير أنها الغربة التي جلبت له الكثير من الصداقات، ووضعته على الخط الذي كان يحلم بالوصول إليه شاعرا وكاتبا، ومن قبلهما رائيا. لم يكن تمرّده السياسي إلا واجهة لتمرده الثقافي، الذي وجد له حاضنة في مدن عربية، أنقذته من الأصالة المحلية التي يكرهها حين ضمته إلى أبنائها القلقين.

لقد عاش الرحبي حياة ترحاله بعمق من ينقب بحثا عن الذهب، بشفافية من يرتجل نظرته الخاصة في مواجهة النفاق الجماعي. كان في لحظة صفائه نموذجا للامنتمي الذي قرّر إعادة صياغة العالم وفهرسته في إطار روحي خاص، كان ثوريا دائما غير أنه لم يعرف التعصب.

حين عاد إلى بلده بعد إنتاج كتب كثيرة كان عليه أن يستثمر حريته في مشروع خيالي، سينتقل به إلى قارة الفاتحين في مجال ثقافي لم يكن يفكر يوما ما في الذهاب إليه، كانت مجلة نزوى فكرته التي فاجأ بها نفسه

كانت هويته الإنسانية تنقذه من التطرف العقائدي، الذي كان ولا يزال ينظر إليه باستخفاف ابن الجبل الأخضر، الذي يعرف أن عين البندقية لن تطفئ زهرة. حين عاد إلى بلده بعد إنتاج كتب كثيرة كان عليه أن يستثمر حريته في مشروع خيالي، سينتقل به إلى قارة الفاتحين في مجال ثقافي لم يكن يفكر يوما ما في الذهاب إليه، كانت مجلة نزوى فكرته التي فاجأ بها نفسه.

في الوقت الذي ماتت فيه كل المجلات الأدبية في العالم العربي، أشرقت مجلة نزوى بشمس نهارها الأدبي المختلف.

هي روح سيف الرحبي التي تمدّدت على ورق لا يمت إلى دفاتره الشخصية بصلة، غير أنه يذكر به.

هي مشروعه الثقافي المبيت الذي يشبه إلى حدّ كبير المدينة العمانية التاريخية التي لا تزال تغص بأسرارها.

المدينة اللغز التي لا يزال فيها السحر ممكنا وبطريقة تقع في كل لحظة، لربّما كان سيف يحلم في غربته أن يضع يده على أحد أبواب تلك المدينة ليطل من خلاله على عالم الساحرات المتخيلات، فإذا به اليوم يفتح أمامنا كل الأبواب التي تقود إلى أرواحنا، ولكن المطابقة بين الاثنين، سيف ونزوى لن تكون منصفة.

فالشاعر المتمرد يأبى على نفسه أن تكون مشروعا عاما، حتى وإن كان ذلك المشروع يتقاطع وخياله، لم يحدّثني الرحبي يوما ما عن المجلة. هل حدثني عن الأدب؟ كانت لديه دائما أشياء أهم من المجلة وأكثر لمعانا من الأدب؛ الحياة! كان لديه دائما متسع من الوقت للحديث عن الحياة، السفر، الصداقة، النساء، الثياب، المدن، الحقائب، الخرائط، الشوارع والمقاهي، ولم يكن يحدثني عن الموتى.

كانت لديه رغبة دائمة في الاحتفاء بالأحياء، حقق في نزوى الشيء الكثير من تلك الرغبة، غير أنه حرص على أن لا تكون المجلة وصفته الجاهزة، تفاحته اليابسة التي يتأمل لمعانها، كانت نزوى تتجدد مثلما كان سيف نفسه يتجدد.

لن تكون نزوى واحدة من رعاياه، وهو أمر قرره الرحبي سلفا، وهو ما لم يفهمه الآخرون حين يقررون بأسى أن لا نزوى من غير سيف، الواقع هو الآخر يمكنه أن يقول ذلك.

مَن يقرأ لسيف الرحبي لا بد أن تسحره تلك العلاقة التي تنشأ بين رجل يحلم بأن تكون اللغة لعبته، وبين صورة ذلك الرجل في الحلم وقد صنعت منه اللغة رجلا آخر


الحالم في حياته شعرا


في شعره هناك الكثير من النثر، والعكس صحيح أيضا ففي نثره الكثير من الشعر.

سيف الرحبي رجل أدب، غير أنه رجل حياة أيضا، وما بينهما تمتدّ حياة ليست من كلمات فقط، بل كذلك من وقائع، ترتجل مساحاتها التي تسمح بالكثير من التأويل.

لقد عاش الرحبي حياته باعتبارها فكرة مرتجلة عن حياة سيعيشها يوما ما، شعره هو ابن تلك الحياة المرتجلة، أما نثره فهو حيلته في مواجهة حياة صار يعيشها بمتعة خارقة، إنه اليوم يسافر لكي يكتب حتى يرى نفسه يوم كان يكتب لكي يسافر. إنه يكتب في اتجاهين؛ ماضيه الذي لا يكذب تمرّده، وحاضره الذي يؤثث دنوه من أناه بالكثير من صور الشعر.
سيقول لنفسه همسا “لقد حلمت حياتي شعرا” حينها يقول إليه الصدى “بل إنك تستعيدها الآن مشهدا مشهدا نثرا”، لم يخرب الرحبي حياته في مكان ما، لذلك فإن كل الأمكنة التي عاش فيها يمكن أن تستقبله ثانية باعتباره واحدا من أبنائها.

هو ابن كل الأماكن التي عاش فيها، غير أنه في الدرجة الأساس ابن اللغة. بين دروب متاهاتها يستعيد بيتا عاش فيه، ونهارات لسعته شموسها، وأصدقاء تركوا بكرم ضحكاتهم مثل وديعة لديه ومضوا.

مَن يقرأ لسيف الرحبي لا بد أن تسحره تلك العلاقة التي تنشأ بين رجل يحلم بأن تكون اللغة لعبته، وبين صورة ذلك الرجل في الحلم وقد صنعت منه اللغة رجلا آخر. حين كنت أنصت إليه فيما كنا جالسين قريبا من مسبح فندق الأنتركونتنتال في مسقط، كان يخيل إليّ أن الرجل الجالس أمامي إنما يتحدّث بصوتين، أحدهما يكلم الآخر من غير أن يكونا معنيين بحكم مَن يسمع. لقد عاش سيف الرحبي حياة قرينه بما يسمح له بأن يحمله معه أينما يمضي، وهو مطمئن إلى أن حقيقته لن تخونه.


من قصائد سيف الرحبي



صحراء


في هذه الصحراء العاتية/ الصحراء التي تسيلُ مع الشمسٍ كثبانا وشياطينَ/ تناسلَ الأسلاف جَدّا بعد جَدّ/ ونبتْنا مصْل أشجارٍ صخريّة/ راكضين بين الشاطئ والجبال/ بأرجل حافيةٍ وقلبٍ مكلوم.

كبرنا مع الجمال والحمير/ قُدنا القطيع إلى مساقط الوادي/ وشاهدنا القطا تغيبُ مع السراب/ نصبْنا شباكا للثعالب/ وأخرى لوعول الغيب،/ وحين سافرنا إلى بلدان العالم/ لم نجد أثرا للأضحية في ثيابنا/ ولم نجد ضالّة الحنين.


رجل من الربع الخالي


بين ليلة وضحاها/ اكتشفت أنني ما زلت أمشي/ ألهث على رجلين غارقتين في النوم/ لا بريق مدينة يلوحُ/ ولا سراب استراحة.

على رجلين ثاويتين في النوم/ أنا الذي ظن بأنه وصل/ وعند أول مدخل/ تنفست رائحة قهوةٍ ونباح كلاب/ فكومت جسدي/ كحشد من المتعبين والجرحى/ لكني عرفتُ أن الضوء الشاحب/ يتسلل من رسغي/ خيط دمٍ يصلُ الشعاب بوديانها الأولى.


الليلة الأخيرة


في الليلة الأخيرة التي تشبهُ قلبا/ ينفجرُ على منعطفٍ/ في هذه الليلة/ أصغي بين أضلعي، لزئير الأجداد/ ذاهبين إلى الحرب/ مقتفين أثر الكلاب المندفعة كمبضع ينتهك صدر الصحراء/ لخيولهم تحملُ جثث الأعداء عبر المفازة/ لِلَمعانِ الأجنة والبطون المبقورة/ لجلبةٍ تحملُ الأفق ذريعة للحكاية/ لأولئك القادمين من أغوار السنين/ بحثا عن مكانٍ بين أضلعي والمسافة.

15