سيف الرحبي من الليل الإنكليزي إلى نهايات الليل الآسيوي

الشاعر سيف الرحبي يستكمل في كتابه "صالة استقبال الضواري" استراتيجيته في الكتابة حيث يجد فيها المساحة الرحبة للقول والتأمل واستدعاء مخزونه الثقافي.
السبت 2019/06/29
سيف الرحبي الراحل في الأمكنة والأزمنة من خلال نصوص مفتوحة

تتنوع مسارب الكتابة وتتداخل في تجربة الشاعر والكاتب سيف الرحبي، لكنها تظل مشغولة بالهواجس والقضايا الإنسانية الملحة في زمن التوحش والاستهلاك والتغريب، وكأن الشاعر في هذه السباحة بين ضفتي نهر الكتابة، يحاول أن يلغي المسافة بين نثر الحياة والقصيدة. وهو ما نجده في كتابه الأخير “صالة استقبال الضواري”.

لا يستطيع القارئ لكتابات الشاعر العماني سيف الرحبي الأخيرة إلا أن يجد كتابة عابرة للأجناس يمتزج فيها السرد والوصف مع التأمل والشعر، حيث يظل المكان هو الثيمة الأساس التي تكتسب دلالاتها من خلال ما تكتسبه من صفات على مستوى بنيتها الاستعارية أو الدلالية. ويتعزز هذا الحضور من خلال شعرية العنوان وعلاقات التعالق التي يقيمها بصورة دائمة مع الداخل، ما يجعله مفتاحا دائما للدخول إلى عالم التجربة.

وفي كتابه الجديد “صالة استقبال الضواري” تتبدى هذه الوظيفة للعنوان على المستويين الاستعاري والدلالي أو شعرية العنوان من خلال ما يؤسس له على مستوى أفق وتوجيه القراءة، إذ يحمل العنوان المكاني في بنيته اللغوية انزياحا يعكس التحولات التي طرأت على وظيفة المكان، وتفضح علاقات الواقع الذي يحكم سطوته على الحياة.

كتاب لا أجناسي

إن هذه العلامة الدالة التي تختزل في معناها موقف الشاعر ورؤيته إلى العالم، تمثل العتبة التي يمكن أن يطل منها القارئ على أفق التجربة في هذا الكتاب. كما إنها تعد استكمالا لاستراتيجية العنونة التي تظل حاضرة في أغلب عناوين أعماله، والتي لا تختلف سواء كانت أعمالا شعرية أو نثرية، خاصة وأن عدد هذه الأعمال يكاد يتسوى نثرا وشعرا.

في كتابه “صالة استقبال الضواري”، يستكمل الشاعر هذه الاستراتيجية في الكتابة حيث يجد فيها المساحة الرحبة للقول والتأمل واستدعاء مخزونه الثقافي وفق ما تمليه طبيعة التجربة وتداعياتها التي تكشف عن حضور مكثف لخزينه الثقافي.

كتابة عابرة للأجناس
كتابة عابرة للأجناس

 إن انتخاب الشاعر للمكان الحديث الدال على التطور والعصرنة، ينطوي على قيمة دلالية تضعنا في أفق الرؤية التي تتأسس معها علاقة الشاعر مع الحضارة المعاصرة وما تنطوي عليه من توحش ورغبة في التسلط والهيمنة. لذلك يفقد المكان معناه على المستوى الأول كمكان أليف، من خلال ما يطرأ عليه من تبدل وتغيير يفقده وظيفته على هذا المستوى. والحقيقة إن هذه الرؤية التي يؤسس لها العنوان لا يمكن تأويلها إلا في ضوء قراءة نصوص العمل، نظرا لما يمثله العنوان من تكثيف واختزال لجماع الوحدة الدلالية للكتاب.

يدرج الناشر هذا الكتاب تحت مسمى الرحلة كما هو مدون على غلاف الكتاب، لكن قراءة نصوص هذا العمل تكشف عن كتابة تتحرر من مرجعياتها وتنفتح على أساليب وطرق في الكتابة يصعب تصنيفها وفق التقسيم التقليدي لأنواع الكتابة، لأن الشاعر في هذه النصوص يترك للمخيلة والتأمل والسرد والوصف والتداعيات حرية العمل في تدوين يومياته، وبناء علاقات جديدة على مستوى بنية النص وأساليبه داخل النص الواحد وفق ما تمليه عليه لحظة الكتابة.

في هذه الرحلة التي لا يكف الشاعر عن سرد وقائعها وفصولها بين أمكنة وجغرافيات ومدن كثيرة يستعيد الشاعر حالات ومواقف ظلت تتكرر معه في مطارات مختلفة، وكأن سوء الطالع هو الشيء الوحيد الذي يلازم حركته في ما بينها كعربي مشتبه به. وإذا كانت الرحلة هي تدوين لوقائع ومشاهدات حدثت وتنطوي على قيمة ما، فإن الكاتب هنا يستخدم الخيال في زيارة أمكنة وبلاد لم يزرها حيث يترك للخيال أن ينوب عنه في وصف تلك البلاد (الهند التي لم يزرها) مستعينا على ذلك بما تختزنه الذاكرة من معرفة ومعلومات عن تلك البلاد (البارحة غزتني موجة غريبة بعض الشيء فلم أحلم في ما أتذكر بوجودي في الهند رغم قربها والصلات الكثيرة التي تربطنا على أكثر من صعيد، بهذه القارة السحرية الممتدة بالطقوس والديانات واللغات. رغم أنه لم يبق فرد من العائلة إلا وزار بلاد غاندي والأباطرة المغول والبوذا).

الشاعر والمكان

تميزت حياة الشاعر والكاتب بكثرة ترحاله والانتقال بين أرجاء مختلفة من العالم، حتى أصبح الترحال سمة دائمة تحمل في دلالاتها معنى خاصا يدل على رغبة الشاعر المتجددة في اختراق حدود المكان، واكتشاف الجديد والغامض في جغرافيات هذا العالم الواسع. إن هذه البلاد (التي تلتف أفاعيها الخرافية ذات الرؤوس المليونية “أين منها ميدوزا الإغريق” على خطواتي العزلاء الوحيدة في المدن القريبة والغابات) هي التي تأخذه في هذا الترحال وكأنه قدره الذي يطارده بين مدينة وأخرى في هذا الفضاء الكوني المترامي.

 إن العلاقة مع المكان هي علاقة مع الزمن إذ لا مكان بلا زمان، ولهذا نجده في هذه اليوميات والوقائع التي يغوص في تفاصيلها الدالة يحاول أن يكشف عن أثر التحولات العولمية على إنسان هذا العصر، في الوقت الذي نجده فيه يبحث عن هذه الصورة في أهم الأعمال الأدبية والفكرية الرفيعة لكي يرسم صورة بانورامية عن معنى هذا الوجود الإنساني، وما ينطوي عليه من أبعاد روحية ونفسية واجتماعية. ولمّا كان المكان هو الحاضن لهذه التجربة، فإن رحلة الكاتب في المكان هي رحلة في تجربة الإنسان وحيواته وأسئلته وقضايا وجوده وتاريخه الملحة (تتمنى لو أنك لم تغادر وتقطع كل هذه المسافات والحدود والمطارات الضاجة بالملامح والجغرافيات البشرية المختلفة والضاجة بالشرطة ورجال الأمن المستنفرين دائما خاصة هذه الأيام جراء شبح الإرهاب الذي تضخمه وسائل الإعلام الأميركية الغربية وتوابعها).

كتابة تتحرر من مرجعياتها وتنفتح على أساليب وطرق في الكتابة يصعب تصنيفها وفق التقسيم التقليدي لأنواع الكتابة

يرحل الكاتب والشاعر في المكان والذات وفي الزمن وأمهات كتب الأدب ما يجعل الرحلة في هذا الكتاب هي رحلة يمضي فيها القارئ مع الكاتب في أقاليم وجغرافيات وأزمنة كثيرة ومتباعدة، ومع شخصيات من ورق صممها كتاب عالميون وهم يحاولون فهم الطبيعة العجيبة للإنسان، حيث تحضر تداعيات الذاكرة لفهم ما تراه وتشاهده من سلوك ومواقف وحالات في هذا الترحال المتواصل في جغرافيات كونية مختلفة.

إن قلق الذات وبحثها عن المعنى في هذا الوجود الغامض والمحتشد بالأسرار هما اللذان يجعلانه يستعين بالشعر على تأويل ما يجده في ليل الغابة الكثيف بوصفه استعارة تتكثف فيها ومعها رؤية الشاعر وهو يمضي في رحلة البحث عن المعنى لهذه الأرواح الكونية الطليقة تحت سماء العالم وهي تتجدد مع الحلم والجمال (في كل خطوة تخطيناها باتجاه حقل الأحلام الغائم البعيد كان المطر يتساقط والعشب ينبت وتزهر تحت أقدامك في الأرض الجرداء التي سلبها الجفاف نعمة الحياة العابرة. كانت الحياة تولد من نظرة الغزال في حقلك.. من خطوتك المباركة).

14