سيف السلطنة قصير

الخميس 2014/10/09

على خطى الفاتحين سار الرئيس التركي أردوغان، وأظهر خطابه في خطوطه العريضة أن الدور التركي قادم، مداعبا حلم المجد الذي يلوح في الأفق على أيدي العثمانيين الجدد وسعي تركيا لاستعادة ما كان.

أصبحت لتركيا أهمية في الاستراتيجية الأميركية، بسبب دوافع أيديولوجية منها أن تركيا عضو الأطلسي وعينها على الاتحاد الأوروبي، تتمتع بحالة استقرار ونمو اقتصادي يتخطى أي اقتصاد إقليمي، كما أن سلطة الحكم في تركيا تسير وفق إيعاز أميركي وتتناغم مع اتجاهات الإخوان المسلمين، فحزب العدالة والتنمية الإخواني قادر على بناء تحالفات بالادعاء أنه الطرف الوحيد الذي يستطيع لعب دور “الحامي” للأغلبية السنية من “الخطر الإيراني”.

إغواء الزعامة الإقليمية الذي بدأه أردوغان بطمأنة أميركا التي تريده أن يكون نموذجا للإخوان المسلمين الجدد الذين سيشكلون نواة صراع “سني- شيعي” سيتكفل باستنزاف كافة الأطراف، ويدور في إطار المصلحة الأميركية أولا وأخيرا، دفع بتركيا لتنصب نفسها “قائدا عرفيا” للمسلمين السنة في العالم العربي، لكن خروج الحركات الجهادية المتطرفة كداعش البعيدة عن السيطرة، أدى إلى اتخاذ أوباما مسار الحرب على الإرهاب وقيادة التحالف الإقليمي في حرب مفتوحة، والذي أظهرت فيه تركيا غموضا كبيرا، إذ أنها أيدت الوضع المستجد سياسياً لكنها لم تحسم أمرها حياله عسكرياً، نتيجة حسابات خاصة منها قيام حكم ذاتي للأكراد السوريين شمال شرقي البلاد، وهذا سيشكل أزمة نحو الداخل التركي ويتضارب مع الحلم العثماني في السيطرة على مجمل المشرق العربي، ومنها مكاسب تركيا في استحواذها على مبيعات النفط السوري وبعض شحنات النفط العراقي عبر داعش.

فانحصرت آمالها حول إسقاط نظام الأسد ودعم الإخوان المتحالفين مع المعارضة السورية الليبرالية المدعومة من الولايات المتحدة والدول الغربية لتشكيل حكومة انتقالية، مع المطالبة بوجود “مناطق عازلة” على الحدود مع سوريا يكون هدفها الحيلولة دون تعرضها لعمليات إرهابية من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية”، نتيجة التداخل الجغرافي بين تركيا وسويا والعراق في حال مشاركتها وتكون خاضعة للسيطرة التركية المباشرة، وهذا لم يجد قبولا غربيا أو من دول الجوار.

خشية تركيا من خسارة حصتها بالكعكة إن بقيت على ترددها، جعلها تبدو متأهبة للتدخل برياً في سوريا بذريعة إنقاذ ضريح جد العثمانيين سليمان شاه في منبج، شمال شرقي حلب، مع الاستمرار في محاولتها لنيل مكاسب أكبر ثمن مشاركتها في الحرب على داعش، لإدراكها أنها القوة الوحيدة القادرة على شن عدوان بري على العراق وسوريا.

وبهذا أتت محاولة تركيا في إقامة منطقة حظر جوي فوق المنطقة العازلة، لمنع الطيران السوري من قصف المعارضة السورية، وبالتالي التحكم بالحدود السورية، كما أن تطور نمط عمليات داعش في سوريا والعراق، وطبيعة الموقف التركي من الحملة الدولية ضد التنظيم تدل على تفاهم ضمني يقوم على مراعاة المصالح المتبادلة بين تركيا والتنظيم، وإحدى ملامحه تسهيل اجتياح داعش لمناطق الأكراد، وهذا ألقى بتبعاته على علاقات تركيا الإقليمية والدولية، وبدا جليا في تصريحات بايدن نائب الرئيس الأميركي واعتذاره الذي أوضح أنه مجرد تنبيه للحلفاء وأهمهم تركيا. لأن المسار التركي ينافي المصلحة الأميركية التي تعمل على احتواء داعش لا سحقه، وتريد تسوية سياسية للأزمة السورية تضمن مشاركة لأنصارها في الحكومة الانتقالية المرتجاة، ولا تعارض إقامة مناطق “آمنة” لاستقبال المهجرين والنازحين، على الحدود بين تركيا وسوريا، وبين سوريا و”إسرائيل”، وبين سوريا ولبنان، وهذا لا يمنع من تحويلها من مدخل إنساني للدفاع عن النازحين، إلى منطقة عازلة محظورة الطيران.

هذا الحلم العثماني في قيادة الشرق الأوسط جرى التفاوض على ضبطه ضمن الرؤية الأميركية للشرق الأوسط، ينحصر فيه دور تركيا و”سيفها الطويل” في تنفيذ هذه الرؤية وفق الشروط الأميركية ومعطيات المنطقة المتغيرة سياسيا بسرعة فائقة.


كاتبة ورسامة سورية

9