"سيف المطابع" يسقط صحفا من الكشك الجزائري

الثلاثاء 2014/07/01
ريع مؤسسة الإعلان الحكومي أغرت المهنيين وغير المهنيين في إطلاق الصحف

الجزائر- دخلت التهديدات التي أطلقتها المطبعة الحكومية بالعاصمة الجزائرية منذ أسابيع، مرحلة التنفيذ وأعلنت عن وقف ثماني صحف شاملة، بدعوى عدم إيفاء ناشريها بالديون المترتبة على هذه الصحف.

أعلن مدير المطبعة الحكومية في الجزائر، عبدالقادر مشاط عن وقف طباعة ثماني صحف مختلفة، وبرر القرار بعدم إيفاء الناشرين بالديون المترتبة عليهم رغم برقيات الإخطار الموجهة إلى مديريها، وكذلك عدم احترامها لعملية الجدولة التي أبرمت معهم في السابق.

ووجد بذلك عشرات الصحفيين أنفسهم أمام مصير مجهول، في ظل مخاطر جدية تهدد مصيرهم، وغياب تنظيمات نقابية صحفية فاعلة للدفاع عن مصالح هذه الفئة ومطالبهم.

وقال مدير مطبعة باب الزوار”المطبعة مؤسسة حكومية تبحث عن مصالحها وتوازناتها”. وأشار إلى عدم استعداد مطبعته لطبع المزيد من الصحف التي لا تدفع مستحقاتها.

وشمل القرار من المطبعة التي تحتكر طبع غالبية الصحف الجزائرية في وسط البلاد، ثماني يوميات هي: “الأجواء” باللغتين العربية والفرنسية و”الأجواء الرياضية”، و”الجزائر نيوز″ باللغة العربية، ونسختها بالفرنسية “ألجيري نيوز″ لصاحبها الإعلامي والمؤلف والمسرحي، احميدة العياشي، و”ايت ماغ”، و”الحرية” ونسختها الفرنسية “لا ناسيون”، و”الوسيط المغاربي”، لينضاف الرقم بذلك إلى يومية “الفجر” الموقوفة عن الصدور في نفس المطبعة منذ عدة أيام، لنفس الأسباب.

وكانت هذه الصحف توصف إلى سنوات فقط بـ “مدللات” الوكالة الوطنية للإعلان الحكومي، نظير الدعم الذي كانت تتلقاه من المؤسسة بشكل لافت.

تقول مصادر “العرب”، إن مؤسسة “الأجواء” تلقت في ظرف خمسة أشهر فقط في العام 2012، ما يعادل ثمانية ملايين أورو، في حين لا يتجاوز طبع صحفها الثلاث مجتمعة العشرة آلاف نسخة يوميا، مما سمح لأصحابها بإطلاق قناة فضائية بنفس الاسم.

وظلت الصحف الموقوفة منذ إطلاقها بعد مجئ الرئيس بوتفليقة لسدة الحكم في العام 1999، تحسب على بعض الأجنحة في السلطة، ويذهب البعض إلى اعتبار “الأجواء” لسان حال حزب التجمع الوطني الديمقراطي. في ظل احتلال أحد مساهمي المؤسسة لمركز مهم في قيادة الحزب. أما “الجزائر نيوز″ فقد ظلت موالية لبوتفليقة إلى غاية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث أظهرت تفاعلا مع المعارضة، وحركة “بركات” المناوئة للسلطة.

هاجس التسريح يهدد الصحفيين والمهنيين في قطاع الإعلام، نتيجة تهديدات المطابع

ويقول مراقبون إن ريع مؤسسة الإعلان الحكومي أغرت الكثير من المهنيين وغير المهنيين في إطلاق الصحف، إلى درجة تشبع “الكشك” الجزائري بحوالي 160 صحيفة يومية، سيما قبل إقالة الرجل القوي في مديرية الإعلام والتوثيق بجهاز الاستعلامات، العقيد “فوزي”، من طرف بوتفليقة، مباشرة بعد عودته من رحلة العلاج بفرنسا في الصيف الماضي. وهو القرار الذي أثار حينها الكثير من الجدل، وأَشّر على مرحلة جديدة بدأت معالمها تتضح بمقدم الوزير الجديد، حميد قرين.

وظلت مؤسسة الإعلان الحكومي محل شد وجذب بين مختلف السلطات الفاعلة، خاصة في ظل تمسك جهاز الاستعلامات بفرض هيمنته عليها من أجل التحكم في المشهد الإعلامي، بينما لم تكف الرئاسة عن المناورة من أجل استعادتها إلى بيت الطاعة كغيرها من المؤسسات الحساسة. ويكون حسم صراع الرئاسة – المخابرات لصالح بوتفليقة، قد خيم بظلاله على المؤسسة، ولذلك يتم التأسيس لمشهد إعلامي جديد، بعيدا عن هيمنة رجالات المخابرات. وتتحدث بعض المصادر عن إحالة المدير السابق للإعلام والتوثيق في جهاز المخابرات، العقيد “فوزي”، على القضاء بشبهة فساد تورط فيها مع بعض الناشرين، كما تمت تنحية من كان يوصف بـ “عين” فوزي في المؤسسة، ويتعلق الأمر بمدير البرمجة، في غضون الأسبوع الماضي.

وكان العديد من الناشرين منذ أيام، قد التقوا تباعا بمكتب مدير مطبعة “باب الزوار” الحكومية لتسوية مستحقاتهم وإبرام جدولة لديونهم، خشية سقوطهم تحت طائلة المنع. بينما لا تزال صحيفة “الفجر” ممنوعة من الطبع، بسبب مطالبة المطبعة بديونها حتى آخر دينار قبل إعادة الطبع. وهو القرار الذي اعتبرته مديرة النشر، الإعلامية حدة حزام، وانضم إليها احميدة العياشي، مالك “الجزائر نيوز″، قرارا سياسيا “عقابا لها على معارضتها للعهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة”، بينما صرح الثاني أن مواقفه السياسية كلفته الحرمان من حصة صحفه من الإعلان الحكومي منذ أكثر من شهر في خطوة لخنق مؤسسته.

مؤسسة الإعلان الحكومي محل شد وجذب بين مختلف السلطات الفاعلة

بينما استبعد مصدر مسؤول في وزارة الاتصال، وجود أي نية لدى السلطة لـ “الانتقام” على المواقف السياسية، ونفى إمكانية توظيف أوراق الطبع والإعلان الحكومي لتصفية الحسابات، عكس ما يروج له في بعض الدوائر من أن “النية” تستهدف بعض العناوين المتمردة على السلطة، ويتم بالتضحية بـ “الصغار” لتبرير تصفية “الكبار” لاحقا.

وكان وزير الاتصال الجديد، حميد قرين، قد أظهر لهجة حادة تجاه وضع الصحافة في الجزائر، وانتقد بشدة ثراء الناشرين على حساب الصحفيين ومهنيي القطاع، وتساءل عما أسماه “هضم حقوق العاملين” وعدم تخصيص جزء من أرباح المؤسسات لفائدة التكوين، وكذا عدم الإيفاء بمستحقات المطابع بالرغم من مداخيل الإعلان.

ويبقى هاجس التسريح يهدد مئات الصحفيين والمهنيين في قطاع الاعلام، نتيجة الدخول التدريجي في تنفيذ تهديدات المطابع، خاصة وأن قاعات التحرير تتواتر لديها أخبار عن عزم السلطة تطهير القطاع الإعلامي بإيقاف عدد من الصحف، دون التفكير في مستقبل عمالها.

بينما يتساءل البعض عن المكاييل المتعددة في التعاطي مع الوضع، حيث يشك هؤلاء في مساس السلطة ببعض الصحف رغم مديونياتها، أو تطبيق نفس المعايير على العناوين الحكومية التي يصفونها بـ “الفاشلة”، فرغم حظوتها بدعم كبير إلا أن سحبها رمزي ولا أثر لها في الساحة الإعلامية والرأي العام، حسب هؤلاء.

18