سيقان غاضبة

الأربعاء 2015/05/20

يبدو أن جزءا مهما من العقل العربي اختار أن يقود معركته الأخيرة في ميدان فسيح ولكنه غير مريح، ألا وهو جسد المرأة، في مخطط مدروس لاستدراج العقل الذكوري إلى حرب مصيرية لا تخدم في الأخير إلا الجماعات المتطرفة التي جعلت من حربها على حرية المرأة حصان طروادة الجديد لاختراق المجتمعات عبر تحييد نصفه والسيطرة على نصفه الثاني بمنحه سلطة وهمية لا تتجاوز التحكم في نساء أسرته.

ومن هذا المنطلق باتت الحرب على المرأة حربا منظمة من خلال الفتاوى والخطب الدينية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية في القنوات الموجهة، ومع هبوب عاصفة ما يسمى بالربيع العربي كانت بوادر الردّة تبرز من خلال الدعوة إلى إعادة المرأة إلى البيت، ومنعها من العمل، والتبشير بزمن تعدد الزوجات، وعودة الجواري والسبايا، والتحكم في ملابس النساء حتى لا يثرن مشاعر الرجال العاجزين عن التحكم في رغباتهم.

ومن هنا جاءت معركة التنورة في الجزائر عندما منعت طالبة جامعية من اجتياز امتحان شهادة الكفاءة بكلية الحقوق، وطردها من الحرم الجامعي بسبب تنورتها القصيرة، ما جعل بعض الناشطات يطلقن حملة "سيقان غاضبة" للتضامن مع الطالبة وللتعبير عن رفضهن التلاعب بمستقبل فتاة وحرمانها من عام دراسي بسبب تنورتها.

وبالمقابل منعت إحدى المدارس الفرنسية منذ أيام طالبة مسلمة في الخامسة عشرة من عمرها من متابعة الحصص الدراسية، لأنها كانت ترتدي تنورة طويلة سوداء اعتبرت رمزا دينيا، وهو ما أثار ضجة في فرنسا، وعلل مدير المدرسة المنع بأنه “شعر” أن التنورة طويلة "بشكل واضح" وأنها تظهر الانتماء الديني للطالبة، وهو ما يتنافى وتفسيرات القانون الفرنسي الصارم الذي “يحمي العلمانية” في البلد، وقال مسؤول تربوي فرنسي إن الطالبة لم تطرد بل “طلب منها العودة بلباس عادي ويبدو أن والدها رفض أن تعود إلى المدرسة”. واعترف بأن الطالبة تخلع عادة حجابها قبل دخولها المدرسة بينما قالت الطالبة وتدعى سارة إن تنورتها “عادية وبسيطة ولا علاقة لها بالرموز الدينية على الإطلاق”.

زمان، كان الشاعر نزار قباني يخاطب تنورة حبيبته “ضيقي.. مع التيار، واتسعي، وتفرقي، ما شئت، واجتمعي، وتمسكي بمحط خاصرةٍ، زنّارها يبكي بلا وجع”، وكانت السينما العربية تقدم نجماتها الجميلات وهن يرتدين تنانير وحتى مايوهات على شاطئ البحر، ومن يعود إلى برامج التليفزيونات العربية أيام الأسود والأبيض سيلاحظ أن لباس التنورة القصيرة كان سائدا بين الناس ولم تتزلزل الأرض بسببه من تحت أقدام الشعوب العربية.

أما اليوم فنحن أمام ثقافة جديدة، أو ربما هي قديمة جديدة، أو قد تكون قديمة يجري تجديدها عنوة في إطار تحويل انتباهنا من على قفزة الشعوب المستنيرة نحو أرحب الآفاق إلى التلهّي بما فوق ركبة المرأة وما تحتها.

24