سيلفي واللعب على المضمون

الأربعاء 2017/06/07

من باب رفع العتب وتحريك المياه الراكدة، تتقصّد حلقات سيلفي –أحياناً- اقتحام مناطق ساخنة لم تتجرأ الدراما السعودية قبل هذه المرحلة على اقتحامها لاعتبارات رقابية صارمة تمنع الاقتراب من الملف الطائفي أو السياسي أو الديني.

والقارئ المتابع يعلم تماماً طبيعة هذه الملفات المتعلّقة بالشيعة في السعودية، أو بتغلغل التيار الديني في مفاصل التعليم، أو بالصراعات الأيديولوجية بين الصحويين والحداثيين، أو بانتقاد الوزارات الخدمية.

في عام 2006 ألقى الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز خطاباً حذّر فيه من تقسيم المواطنين إلى تصنيفات ذات مرجعية عقدية أو فكرية مثل العلمانية والليبرالية والإسلامية المتطرفة وغيرها، وطالبَ المواطنين كافةً وعلماء الدين والصحافيين والكتاّب خاصةً بأن يترفعوا عن هذه الممارسات.

الأمر الذي انسجمت معه كل القنوات الإعلامية السعودية الرسمية وغير الرسمية فاختفت بين ليلة وضحاها المعركة التي كانت مشتعلة بين تيارين سعوديين يمثلان الصراع القديم الحديث بين رموز تيار الصحوة ورموز تيار الحداثة طيلة ربع قرن.

وربما عزّزَ من الغياب المؤقت للصراع صدور نظام مكافحة جرائم المعلوماتية عام 2008، الذي بات سيفاً مسلطاً على كل من يرغب في توجيه سهام النقد أو التصنيف أو الاتهام إلى خصمه.

كان لخطاب الملك عبدالله وللنظام الجديد أثرهما المؤقت في تهدئة المعركة على المستوى الظاهري على الأقل، لكنها بقيت ناراً مشتعلة تحت الرماد، لم يستطع أحد أن يطفئها أو يتنبأ بموعد اندلاعها القادم. لقد كان كلا المعسكرين متيقناً بأن الصراع موجود وقادم حتى ولو غاب عن الواجهة الإعلامية. فطالما كانت الأسباب قائمة سيستمر الصراع قائماً.

فريق سيلفي، وأخص منه خلف الحربي المحسوب على التيار “الليبرالي”، والذي كان له النصيب الأوفر في كتابة حلقاته، يدرك المعادلة جيداً، ويفهم بالتفصيل هذا التاريخ الطويل من الصراع. لهذا نجده بين حلقة وأخرى يختار اللّعب في الزوايا المضمونة مسدداً أهدافه الكاشفة عن واقع سعودي يراه موجوداً أمام عينيه رغم إرادة تغييبه من جهات أخرى. ولكن، هل يكفي اللّعب على المضمون؟

خلال السنوات القليلة الماضية اشتعلت المنطقة بنيران الربيع العربي، وانشقّت الاصطفافات، وانفصلت الوحدات، وتفككت الكانتينات التي كانت حارساً وأملاً في مستقبل أكثر تماسكاً وحرية وانفتاحاً ممّا كان عليه بعد الربيع.

فلم تعد التقسيمات القديمة، مثل الليبرالية والحداثة والإخوانية والوهابية والسلفية والشيعة والإسماعيلية والزيدية والصوفية والسرورية والجامية وغيرها، ذات معنى. لا سيما وأن المقسّم قد قُسّم، والمجزأ قد جُزِّئ. وصار التعاطي الدرامي مع هذه التقسيمات مكروراً وبارداً.

كان لا بد –من وجهة نظر إنتاجية- من تسليط الضوء بجرأة على أجزاء المقسّم المقسّمة. وأصبح من الضروري على الكاتب الحاذق والمنتج الذكي أن يعمل على اختيار مناطق بكر لم يلعب فيها لاعبٌ قبله شريطة أن تكون اللعبة مشمولة بحزمة الإصلاحات الحكومية الجديدة.

ما تقوم به بعض حلقات سيلفي الآن، وقبلها “طاش ما طاش” كسر متاح لعالم مسكوت عن مساءلته، لكنه كسر في منطقة آمنة. فالحماسة التي تنتاب المشاهدين السعوديين تشبه تلك الحماسة التي كان يصفق لها جماهير مسرحيات الثنائي محمد الماغوط ودريد لحام وهما يتقيّآن من خلالها هموم المواطن العربي أمام قادة حزب البعث السوري دون أي مساءلة. لقد كانا ينفّسان عن “القِدْر” المضغوط حتى لا ينفجر.

لكن السؤال الأهم، هل يكفي التعاطي الدرامي- الكوميدي مع الواقع كما هو، وتسمية الأشياء بأسمائها لحل المشاكل السعودية اجتماعياً وثقافياً وسياسياً كما يفعل سيلفي في “تنفيساته”؟ أم أنه لا بد من الوقوف أيضاً على أسبابها الحقيقية وعدم القفز العالي إلى النتائج مباشرة؟

شاعر سعودي

14