سيليا عيساوي: الحركة الثقافية في الجزائر يطوّرها الشباب

الشاعرة الجزائرية الشابة سيليا عيساوي تسعى لخلق تجربة شعرية متمرّدة.
السبت 2020/05/16
المرأة بدأت تأخذ حقوقها (لوحة للفنانة هيلدا حياري)

تسعى الشاعرة الجزائرية الشابة سيليا عيساوي إلى خلق تجربة شعرية تتمرد وتتجاوز التجارب السائدة داخل المشهد الشعري العام سواء في الجزائر أو في غيرها من البلدان العربية. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعرة التي تعرّفنا على نصوصها على صفحة “بيت النص” في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ومدونتها، لتطالعنا برؤاها وأفكارها حول نصها الشعري وما تطمح إلى تحقيقه من خصوصية لتجربتها.

 تقدم الشاعرة سيليا عيساوي نصا شعريا مغايرا في التقاطه للفكرة وفي صياغته للرؤية، هذه الرؤية شديدة الجرأة والتمرد والخصوصية بما تحمله من اشتباكات الذات الأنثوية مع الأنا والآخر والواقع الذي يحيطهما.

يضيء نص الشاعرة ذاتا تبحث عن تجليات وجماليات فرادتها الإنسانية والفنية، ويتسم برقي في لغته وتشكيل صورته الجزئية والكلية، مبتعدا عن الانفعال أو الافتعال على الرغم من جرأته التي تتسم بالقسوة أحيانا.

الكتابة والتمرد

بدايات عيساوي الأولى مع الكتابة جاءت عبارة عن تدوين أهم اللحظات والمحطات التي مرت عبرها، لنجدها شيئا فشيئا تكتب نصوصا نثرية يتخللها بعض الإيقاع. فقامت بعرض بعضها على الكاتب والإعلامي الجزائري سعيد بن زرقة الذي وجهها إلى قصيدة النثر. ثم قامت صفحة “بيت النص” بنشر نصوصها التي حققت تفاعلا واحتفاء واسعا من قبل الشعراء العرب على اختلاف أجيالهم، وكان أول نص نشر لها عبرها “امرأة بنصف قلب”.

سيليا عيساوي: الأدب، وأي فن، لا قيمة لوجوده إن لم يكن جريئا ومتمردا
سيليا عيساوي: الأدب، وأي فن، لا قيمة لوجوده إن لم يكن جريئا ومتمردا

تقول عيساوي “هنالك مقولة فلسفية صحيحة برأيي تقول: إذا أردت أن تقتل فكرة فعبر عنها. وكثيرا ما تعترك في بالنا أفكار عديدة لكننا أحيانا نجد أنفسنا عاجزين عن التعبير عنها حتى بلغة بسيطة وسهلة. أنا أجد أن اللغة نفسها كثيرا ما تقف عائقا أمام تدفق الأفكار. فما بالك إذن بتقييد هذه الأفكار بوزن وقافية وتفعيلة. من الأفضل أن تكون الكلمة حرة طليقة تتقافز مثل كرة في السماء دونما أي قيود وأرى أن تقييد الشعر بالوزن والقافية والتفعيلة يعني تقييد المشاعر. وما الشعر إذن؟ ما الشعر إن لم يكن صدقا وتجربة ومشاعر؟”.

وتشير الشاعرة إلى أن جرأتها وتمردها وسعيها إلى تخليق تجربة مغايرة أمر طبيعي وليس جديدا؛ فالأدب، والشعر وأي مجال فني عامة، لا يستطيع الوجود بل لا قيمة لوجوده إن لم يكن جريئا ومتمردا. وتظن أنه لا تخفى على أحد العلاقة الوثيقة بين الجرأة والتمرد والإبداع، كما أنه لا يخفى على أحد أيضا أن انخفاض القدرة الفكرية يقابله بالضرورة الكبت والقيد، وما الكبت إلا مظهر من مظاهر تقييد وعرقلة النمو العقلي والفكري.

وتضيف “من لا يتجرأ ويتمرد ويكسر القواعد المتواضع عليها لن ينتج شيئا، وإن حدث وأنتج يكون منتوجه منتوجا نمطيا، مستهلكا ومبتذلا. فكل نشاط فكري أو أدبي يحتاج إلى تجديد، والتجديد يتولد من الجرأة والتمرد .أما في ما يخص العالم الذي تتخلق فيه نصوصي فهو عالم محب للتجربة والتجديد والمغامرة وعالم متعطش إلى الاكتشاف والمعرفة بكل أنواعها”.

وحول ما إذا كانت جرأة نصوصها تتماس مع جرأة شاعرات مثل الشاعرة مرام المصري وشاعرات أخريات خاصة في ما يتعلق بالأنوثة والجسد، تعترف عيساوي “بصراحة لم يسبق لي أن قرأت للشاعرة مرام المصري. لكنه سبق لي أن قرأت نصوصا كثيرة لشاعرات صاعدات أذكر منهن الشاعرة العراقية نور درويش”.

وتتابع “هؤلاء الشاعرات حملن لواء التمرد ولم يتحرجن من التباهي بذكر الجسد الأنثوي وصفاته في قصائدهن. فهن يعتبرن كما أعتبر أنا كذلك جسد المرأة ثورة لا عورة. أما نصوصي فهي نصوص تولدت من إحساسي ورؤيتي الخاصة لما تمر به المرأة العربية في مجتمع متخم بالتناقضات، مجتمع ينظر إلى المرأة على أنها مجرك جسد ولكنه في المقابل يريد أن يتحكم ويتصرف في ذلك الجسد”.

الحراك الشعري

امرأة بنصف قلب
امرأة بنصف قلب

تتذكر عيساوي أن ولوجها إلى عالم القراءة في مراهقتها كان مع الروايات الفرنسية والروايات المترجمة إلى الفرنسية، مثل روايات مولود فرعون وألبير كامو وباولو كويلو.. وغيرهم. إلا أن هذا الاهتمام بدأ يضمحل شيئا فشيئا خاصة مع تخصصها أستاذة أدب عربي في الجامعة.

وتنفي عيساوي أي تأثير للأدب الفرنسي على نصوصها، وتوضح “نصوصي كلها وليدة إحساسي الخاص وتجربتي الشعورية، وإن كان هنالك تأثير عليها فقطعا التأثير يكون تأثيرا عربيا بحتا ساهمت فيه أقلام عربية خالصة أبرزها محمود درويش وإيمان مرسال ومحمد آدم وغيرهم”.

وترى أن المرأة في العصور البدائية كانت السيدة والآلهة والطرف الذي يعود إليه النسب، إلا أن الرجل لم يستطع أن يقف مكتوف اليدين إزاء هذه القوة التي اعتبرها منافسة ومهددة له، فاستطاع بطريقة ما أن يجردها من كل حقوقها وأن يجعلها أداة تابعة وخادمة له. الآن مع التقدم الصناعي والتطور التكنولوجي والثقافي استطاعت المرأة أن تسترد البعض من حقوقها شيئا فشيئا، واستطاعت أن تتحرر من قيود المجتمع وأن تصنع لنفسها مكانة حيث صار بإمكانها الخروج للعمل والسفر والمشاركة في مختلف الأنشطة الثقافية والسياسية والاجتماعية. إلا أن هذا لا ينفي وجود نسبة كبيرة معتبرة من النساء اللواتي يتعرضن للاستبداد والظلم خاصة في مجتمعاتنا العربية.

وتتابع  الشاعرة “المرأة إذن بشكل عام، والمرأة العربية بشكل خاص، ما زالت حبيسة القيود والعادات والتقاليد، ما زالت مقيدة ولم تتحرر بعد من قبضة الرجل كليا. ونقطة أخرى مهمة أريد أن أتطرق إليها: أنا أرى الرجل الذي يمنع المرأة من مزاولة دراستها أو إكمالها، إضافة إلى أنه رجل ظالم ومستبد، رجلا في قمة الذكاء لأنه يدرك جيدا أن المرأة يستحيل أن تتحرر وتخرج عن سيطرته إن لم تتعلم وتتثقف”.

وتعترف عيساوي قائلة “لا أذكر أني كتبت نصا من قبل دون أن أبكي؛ فكل نصوصي كتبتها وأنا أبكي. ربما هذا ما يجعلها تبدو تلقائية جدا وذاتية. فرغبة الكتابة عندي تأتي مرافقة لرغبتي في البكاء. ربما أستطيع أن أختصر كل هذا الكلام في عبارة واحدة “أنا التي كلما تعرضت للأذى رددت على الأذى بشهقة ونص“.

مع التقدم الصناعي والتطور التكنولوجي والثقافي استطاعت المرأة أن تسترد البعض من حقوقها شيئا فشيئا

وتؤكد عيساوي أن المشهد الشعري في الجزائر متنوع وحاضر بكل أشكاله الشعرية: العمودي والحر وقصيدة النثر. ولا يزال هنالك الكثير من الشعراء الذين يكتبون الشعر العمودي بامتياز مثل إبراهيم صديقي وزبير دردوخي دون أن أنسى الشاعرة الشابة الجميلة حنين عمر، أما في ما يخص الشعر الحر فأخص بالذكر إحدى أشهر الروائيات الجزائرية الأديبة والشاعرة أحلام مستغانمي في ديوان لها “على مرفأ الأيام”.

وفي ما يخص قصيدة النثر، ترى أنها كانت نتيجة رغبة الشاعر الجزائري في الخروج عن كل القوالب الشعرية ومخالفة الذائقة الشعرية وإحداث المغايرة من أجل تحطيم النموذج القديم. ولقد كانت بداية ظهور القصيدة النثرية في الجزائر سنوات السبعينات مع ميلود حكيم وعبدالحكيم شكيل وكذلك الأديبة والروائية ربيعة جلطي.

تلفت الشاعرة إلى أن الحراك الثقافي في الجزائر حراك منتعش وهنالك مبادرات عدة تنم عن وعي الفرد الجزائري ورغبته الملحة في الثقافة والتغيير. تتمثل هذه المبادرات في أفكار جسدها شباب جزائريون على أرض الواقع كمبادرة “خذ كتابا وضع كتابا” أو ما يسمى بمكتبة الشارع، ولقد لاقت هذه الفكرة مؤخرا انتشارا واسعا بين الولايات (المحافظات) الجزائرية.

وتضيف “كذلك أريد أن أشير إلى دور وزارة الثقافة التي عنيت بشتى أنواع الثقافة والفنون كالرسم والمسرح والموسيقى، وعملت على تقديم دورات مجانية للملتحقين أطفالا كانوا أم شبابا. فالحركة الثقافية والإبداعية في الجزائر عرفت تطورا ملحوظا في الآونة الأخيرة وبزغت قوة شبابية أبدعت في مختلف النشاطات الفكرية والثقافية، وكأنها أرادت بطريقة ما أن تعوض عما فات الجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي”.

وتلفت عيساوى إلى أنها من المتابعين الجادين لحركة الشعر العربي، وأنها لا تهتم كثيرا بالآراء النقدية وتقول “أرى أنه ينبغي على كل أديب أو شاعر أن يكتب فقط ليستمتع، فأنا أكتب عندما أعجز عن دفع رغبتي في البكاء. أكتب حتى أشعر بالخفة أكثر. أكتب ببساطة حتى أتمكن من أن أطير. وأرى أن الحراك الشعري العربي بشكل عام في تطور مستمر فلقد اشتدت المنافسة الشعرية بين أقلام عربية متنوعة الجنسيات. أذكر منها الشاعر المصري أحمد سلامة الرشيدي والشاعرة العراقية نور درويش والشاعر السوري رأفت حكمت وكذلك الشاعر الفلسطيني عرفات الديك. كل هؤلاء وغيرهم من الشعراء العرب الكثر أتابعهم وأترقب جديدهم بكل لهفة”.

13