"سيل العرم" إصدار جديد للكاتب التونسي بوكثير دومة

النص المسرحي "سيل العرم" للكاتب بوكثير دومة يزخر بلغة درامية خالطتها استيحاءات وتناصات دينية وتقاطعات سياسية دينية عميقة ترقى إلى السلاسة الشعرية.
الخميس 2020/06/04
"سيل العرم" معمار مسرحي يدعو إلى اليقظة (لوحة: مغني سيف)

تونس- يقدم الكاتب التونسي بوكثير دومة نصه المسرحي الجديد بعنوان “سيْل العَرِم”، والذي يواصل فيه الكاتب مشروعه في التأليف المسرحي من خلال التوليف ما بين التراث والتاريخ والحاضر عن طريق الإسقاطات التي تميز أغلب نصوصه.

وصدر الكتاب الجديد لدومة حديثا عن دار ديار للنشر والتوزيع في تونس حيث جاء في 116 صفحة، مزينا بصورة للغلاف من إنجاز الفنّان السوري رامي شَعْبو.

وقد تصدّرت الكتاب مُقدّمتان، الأولى للباحث المسرحي الأردني عمر نقرش بعنوان “سيل العرم.. الجنان الموعودة والجثث الموؤودة”، والثانية للباحثة والناقدة المسرحية المصرية سامية حبيب بعنوان ”سيل العرم .. ودائرة التيه”.

وتلفت سامية حبيب إلى أننا حين ننتهي من قراءة نص بوكثير دومة “سيل العرم” سيقفز السؤال: هل نحن أمام نص تاريخي يستلهم فكرته من التاريخ حين تم بناء سد مأرب في اليمن ثم هدم في مؤامرة تهدف إلى دمار بلد عامر بالبناء والزرع والحضارة؟ أم نحن كقراء ومشاهدين أمام قصة سد ماء آخر في أرض أخرى من العالم؟

وفي مفتتح النص نجد الكاتب يحدد عنوانا للمشهد بكلمة “القطرة الأولى” أي أنه لا يستخدم المصطلح الفني المعهود “مشهد – فصل” بل يأخذ كلمة جديدة في وصف المشاهد وهي القطرة ويليها رقم من رقم 1 إلى 10 بالتتالي.

بوكثير دومة يستكمل بوعي ودراية مسيرة الأديب التونسي محمود المسعدي
بوكثير دومة يستكمل بوعي ودراية مسيرة الأديب التونسي محمود المسعدي

وتلك إضافة من الكاتب تربط بين موضوع النص وهو سد الماء وبين الماء في أقل صوره وهي القطرة، وجمعها قطرات، تشكل السد الذي يضم ماء غزيرا بين جبلين. ثم يكمل وصف المكان بأنه “أرض إلى الجنوب” فوق سد عظيم حيث يتعانق الجبلان. ولم يحدد الكاتب في النص أي جنوب يقصد ربما قصد سد مأرب في اليمن السعيد في الجنوب، وربما يقصد سدودا أخرى.

وأيضا لم يحدد الزمان بتاريخ معين بل اختار تعبيرا يدل على القدم “زمن غابر”، ولم يذكر في أي قرن أو عام محدد. وحسنا فعل الكاتب فلم يرد أن يشغلنا بتفاصيل وربما قصد أيضا أن يعرض أزمة تتكرر في كل مكان وزمان، فهذا التجريد يجعل الفكرة عامة شاملة وإنسانية.

يدور النص حول أشقاء ثلاثة يحيرهم موعد في الفجر مع الكاهن في غياب الأب الملك، بتلك البداية يبدأ النص منذ القطرة الأولى، غياب الملك الأب غير مبرر للأبناء الثلاثة؛ ربيع ومهياف وحازم، كما أن موعد الكاهن أيضا غير مفهوم الأسباب لديهم. بدأ الحدث الدرامي بغياب الملك، السلطة السياسية، وحضور الكاهن، السلطة الدينية، وهذا خلل في الحكم يقابله خلل في الطبيعة حيث الغيوم وحركة الماء وتداعي بناء السد وتهالك أساسه وقواعده.

في الجانب الآخر هناك فرقة وخلاف بين الأشقاء الثلاثة في الفكر والفعل، فهم لا يعرفون لماذا غاب الملك ومتى يعود؟

كما أن موقفهم من الكاهن متناقض، ربيع يراه رجلا كبيرا عنده حكمة قد تنفعهم في تقرير ما يفعلون إزاء السد، مهياف يرفض تماما تدخل الكاهن لكرهه الشخصي له، ثم مع تطور الحدث دراميا تتداعى ذكريات مهياف الأليمة ويتذكر اغتصاب الكاهن له في المعبد وهو صبي أي خيانة الكاهن لثقة الملك مع ابنه ثم مع أعداء البلد.

أما الأخ الثالث حازم فيرفض وجود الكاهن تماما لرفضه تدخل السلطة الدينية في شؤون الحكم بسبب غياب الملك الأب.

وهذا الخلاف بين الأشقاء هو المدخل الذي ينفذ منه الكاهن ويتحكم في القرار الذي سوف يدمر البلد.

فالكاهن (السلطة الدينية) يتواطأ مع السيدة الشقراء (العدو) لتدمير السد أي تدمير الأرض كلها. وما يساعد على نجاح الخطة الخلاف بين الأشقاء أبناء الملك الغائب من جانب وغياب الوعي الشعبي لأهل الأرض فهم يعملون تحت إمرة السيدة الشقراء لهدم السد وهم يظنون أنهم يرمّمونه وهنا تقوم المفارقة على غياب الوعي بالأزمة التاريخية التي تمر بها البلاد عند الأشقاء الثلاثة والشعب.

مسرحية تتميز بطرحها الجريء الذي تناول عبره علاقة الدين بالسلطة وسيطرة كل منهما على الآخر
مسرحية تتميز بطرحها الجريء الذي تناول عبره علاقة الدين بالسلطة وسيطرة كل منهما على الآخر

الأشقاء يتقاتلون في ما بينهم ليصل الأمر إلى أن يقتل الأخ الساذج ربيع أخاه الحكيم صاحب الفكر الثاقب حازم، بينما غرق الثالث مهياف تارة في أزمته النفسية من الكاهن وتارة في إغراء السيدة الشقراء.

يرى عمر نقرش، أستاذ الفنون المسرحية بالجامعة الأردنية، أن “سيل العرم” معمار مسرحي ينتقل فيه الكاتب بسلاسة من صورة مشهديه إلى أخرى، من حالة إلى حالة أخرى مغايرة تتضح من خلال الحوارات المختصرة بين الشخصيات، ومن خلال الطرح الجريء الذي تناول عبره علاقة الدين بالسلطة وسيطرة كل منهما على الآخر.

يضع بوكثير دومة الجمال والقوة والدهاء في شخصية الأنثى، التي ظهرت كمصيدة تتجمع فيها الرغبات والنزوات والشهوات، لتجري تحولا في سير الأحداث وتصبح المحرك الرئيسي للفعل الدرامي في النص، وذلك من خلال سيطرتها على العقل الذي لم يستسلم للدين ولا للسلطة، ومن خلال سحرها الذي أغوى رموز الدين والسلطة، حتى أصبح وجودها المتفق عليه مثارا للجدل المختلف عليه أيضا.

في “سيل العرم” النبض الدرامي زاخر ومكثف، بلغة درامية خالطتها استيحاءات وتناصات دينية وميثولوجية وأنثربولوجية ونفسية وتقاطعات سياسية دينية عميقة، ترقى إلى السلاسة الشعرية.

كأن النص صوت نذير يطلقه الكاتب ولا يفتأ أن يتردد في آذاننا، يدعونا إلى اليقظة تلو اليقظة في عالم يموج بالأحقاد والفتن. وكأنما التاريخ يعيد نفسه ولكن هذه المرة من يدق ناقوس الخطر.

العبارات والمقاطع تجعل القارئ كأنه أمام فيلم سينمائي مكتمل بتقنيات حديثة. تسمع فيه الأصوات أيضا، تميزها، تأنس لها أو تنفر منها، تبعا للحالة وللتصرف والانتماء والالتزام لكل منها. لتكتشف أن أسلوب المؤلف نابع من خميرة خياله وخبرته التقنية، برشاقة محملة بالدلالات

إن استراتيجيةَ بناءِ الصّورة الدرامية عند بوكثير دومة وضعَت الشخصيّات في أماكنها وأزمنَتها المناسبة إضافة إلى استيفائها للمقوّمات الأساسية التي تنهضُ عليها ابتداء منَ الدوافع التي تحركها وعوامل نموها وأوجه التباين بينَها وبين ما يُحيط بها من شخصيّات.                       

في “سيلُ العرم” يستكمل بوكثير دومة بوعي ودراية مسيرة الأديب التونسي محمود المسعدي في نزعته الإنسانية وتساؤلاته الوجودية من خلال القدح الجدلي للأسئلة والتساؤلات.

14