سيمور هيرش وقصته الجديدة عن إعدام أسامة بن لادن

الأحد 2015/05/17
صحفي استقصائي يحارب فساد الدولة في الغرب ويؤيده في الشرق

في الـ16 من مارس عام 1968 دخلت مجموعة من الكتيبة الأميركية الحادية عشرة إلى قرية ماي لاي الفيتنامية وقتلت 347 عجوزاً وطفلا وامرأة، وأحرق المشاة الأميركيون البيوت والأكواخ بأهالي القرية، وفي اليوم ذاته هاجمت مجموعة أخرى من الكتيبة القرية نفسها وأجهزت على ما تبقى فيها من بشر.

كان يمكن لهذه الحادثة أن يطويها النسيان إلا أن صحفياً أميركياً يدعى سيمور هيرش كشف للرأي العام عما حدث، ومنذ ذلك الوقت بدأ اسمه يبرز كواحد من أهم الصحفيين الاستقصائيين في العالم، يسافر كثيراً ويعمل كثيراً، لكن هذا لا يعني أن جميع قصصه حقيقية أو يمكن تصديقها مثل قصة “ماي لاي”.

هيرش ينال بوليتزر

ولد سيمور هيرش عام 1937 في مدينة شيكاغو لأسرة يهودية أميركية، التحق بجامعة شيكاغو لدراسة القانون، بدأ حياته المهنية عاملاً لنسخ الملفات في “مكتب أخبار مدينة شيكاغو” وهو أحد المراكز الإعلامية الشهيرة التي تم تأسيسها في العشرينات من القرن الماضي، انتقل بعدها للعمل كصحافي بوليسي في إحدى الصحف المحلية، ومنها إلى صحيفة «يونايتد برس» ثم إلى «الأسوشييتد برس». وبعد ذلك انتقل إلى العمل مع المرشح الرئاسي السيناتور ماكارتني، لأنه كان مناهضاً للحرب في فيتنام.

بعد حصوله على جائزة بوليتزر للصحافة عام 1969 تحولت حياة هيرش بشكل كبير، وقد أنجز عدداً كبيراً من التحقيقات الصحفية التي أثارت ضجة عالمية، لكنه بالمقابل أخفق مرات عديدة في إقناع رؤساء التحرير بنشر قصصه لافتقادها إلى المصداقية، حدث هذا في الكثير من المرات كما يعترف هو شخصياً، وإن كان يرغب بإظهار الأمر وكأنه تم باتفاق بين الحكومة الأميركية مثلاً وبين إدارات الصحف التي يكتب فيها، إلا أنه يعود ليعترف إلى أن عدم وجود مصادر حقيقية أو لعدم تعدد مصادره فإن قصصه التي يكتبها يتم رفضها، أو أنها لا تلقى الصدى المطلوب كما حدث عندما خالف جميع التقارير الدولية وشهادات الخبراء ونشر مقالاً في موقع (London review of books) يتهم فيه قوات المعارضة السورية بارتكاب مجزرة الكيميائي التي ارتكبها النظام السوري في غوطة دمشق صيف العام 2013، وعزا سبب عدم إقدام إدارة أوباما على شن حملة عسكرية ضد النظام السوري إلى أن واشنطن اكتشفت أن ثمة علاقة للمخابرات التركية بهذه المجزرة.

ويستند هيرش في مقاله إلى شهادة من مسؤول استخبارات أميركي سابق لا يذكر اسمه أو طبيعة عمله، لكنه يخوض في تفاصيل كثيرة تجعل “قصته” غير قابلة للتصديق، خاصة بعد أن سارع النظام السوري إلى تسليم أسلحته الكيميائية ليتجنب الضربة العسكرية التي كانت واشنطن تزمع تنفيذها، إلا أن ما يسمى بمحور الممانعة احتفى أيّما احتفاء بقصة سيمور هيرش واعتبرها وثيقة ودليلاً دامغاً على براءة نظام الأسد من ارتكاب الجريمة، وكانت صور الأقمار الصناعية قد أظهرت بجلاء أن الصواريخ التي استهدفت غوطة دمشق قد أطلقت من مواقع تقع تحت سيطرة النظام وليس تحت سيطرة المعارضة، فلماذا كتب هيرش قصته تلك؟

البيت الأبيض يكذب هيرش على الدوام ويقول إن تحقيقاته مجرد مجموعة من الأكاذيب، وبأنها لا تستند إلى معلومات حقيقية، أما ما يسمى بإعلام المقاومة فقد بالغ بالاحتفاء بهيرش وبمقالاته وسارع إلى اعتبارها أدلة دامغة على كذب الإدارة الأميركية

لا يخفي سيمور هيرش على الإطلاق إعجابه الشديد بشخصية حسن نصرالله، فهو أكد في أكثر من حوار صحفي أجري معه بأنه معجب أيّما إعجاب بأمين عام حزب الله اللبناني، بل إنه يعتبره من أفضل الشخصيات التي قابلها على الإطلاق، كما لا يخفي سخطه من الإدارات الأميركية المتعاقبة وهو يبدي ميلاً باتجاه الاختلاف مع إدارة بلاده حتى في التفاصيل الصغيرة، ولا يبدي موافقة على أيّ من سياساتها، إلا أنه بالمقابل لا يستقي مادته الصحفية التي ينشرها بكل ثقة إلا من مسؤولي تلك الإدارة سواء أكانوا سابقين أم حاليين، فهو يغفل الأسماء على أيّ حال، وقد اعترف أكثر من مرة بأن مصادره الصحفية تنام مطمئنة لأنه قادر على الالتفاف على القصة وتحوير سياقها حتى لتبدو قصة ثانية مختلفة عما أخبر به أصلاً، التقى هيرش بشار الأسد مرات عديدة كذلك وحاول من خلال لقاءاته به تسويقه على أنه قادر على العبور بسوريا إلى المستقبل، وبعد اندلاع الثورة السورية بدا هيرش متأكداً من خروج الأسد منتصراً من حربه ضد الشعب السوري، وقد صرح بذلك خلال لقاء نظمته شبكة أريج للصحافة الاستقصائية في العاصمة الأردنية عمان، فهو قال ناصحاً المعارضة السورية: ”بأن بشار لن يذهب وأنتم لن تقتلوه، لذا حاولوا الحصول على حكومة معتدلة”.

هيرش الممانع

مع أن طبيعة عمله كصحفي استقصائي تفرض عليه الدقة في جمع المعلومات والتوثيق التاريخي للحدث الذي يبحث فيه، فإن هيرش يتجاهل تماماً الماضي السياسي والشخصي لبشار الأسد ويتحدث عنه بلغة مجافية تماماً للواقع الذي تعيشه سوريا، ولم يكلّف نفسه حتى الآن عناء البحث في المأساة السورية أو الاستقصاء عن الأهوال التي يعيشها السوريون منذ أربع سنوات ونيف.

عام 2004 استطاع هيرش مرة أخرى الحصول على صور واعترافات لجنود من البحرية الأميركية عن الممارسات اللاأخلاقية واللاإنسانية التي يقوم بها الجنود الأميركيون في سجن أبو غريب في العراق، وقد أثار نشر تلك الصور عاصفة من الاحتجاجات في الولايات المتحدة، ودفع إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لإجراء تحقيق موسع في تلك الفضيحة المزلزلة، وقد انحاز هيرش في تحقيقه إلى الضحية وأبرز وحشية الجيش الأميركي وحمّل المسؤولية عن كل ما يحدث في العراق من خراب ودمار وانتهاك لحقوق الإنسان إلى إدارة البيت الأبيض، لكنه لم يستبعد في الوقت نفسه أن تشهد الحروب مثل هذه التجاوزات، وكأنه يتّهم ويبرّئ في الوقت نفسه.

زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وفقا لهيرش لم يكن فارا عندما قتل عام 2011، إنما كان محتجزا من قبل الاستخبارات الباكستانية منذ العام 2006، حيث قام أحد مسؤوليها بكشف موقعه للمخابرات الأميركية، مقابل الحصول على 25 مليون دولار

كذبة كبرى أم كشف خطير

مؤخراً عاد سيمور هيرش إلى الواجهة بقصة جديدة، فقد كتب أن العملية التي قامت بها قوات كوماندوز أميركية في باكستان لقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن هي كذبة كبرى. وقال هيرش إن العملية التي قادتها عناصر من نخبة البحرية “سيلز”، ويزعم أنها انتهت بمقتل بن لادن، “لا يوجد فيها كلمة حقيقية واحدة”.

وقال هيرش في مقالته التي نشرها على موقع (London review of books) إن زعيم تنظيم القاعدة لم يكن فارًا عندما قتل عام 2011، إنما كان محتجزًا من قبل الاستخبارات الباكستانية منذ عام 2006، وقام أحد مسؤولي الاستخبارات الباكستانية بكشف موقعه للمخابرات الأميركية، مقابل الحصول على 25 مليون دولار، وإن عناصر الاستخبارات الباكستانية غادروا المكان الذي كان بن لادن موجودًا به، قبل بدء العملية الأميركية.

نفى هيرش رواية البيت الأبيض التي تقول إن عملية قتل بن لادن كانت أميركية بالكامل، وإنه لم يتم إحاطة قادة الجيش الباكستاني والمسؤولين في الاستخبارات الباكستانية، علمًا بالعملية قبل تنفيذها، ونقل هيرش عمن وصفه بالمسؤول المتقاعد من المخابرات الأميركية قوله إن بن لادن لم يُقتل أثناء اشتباك، لأنه لم يقع اشتباك أصلاً حسب قوله، مضيفاً أن زعم واشنطن بأنها قامت بإلقاء جثة بن لادن في البحر لا أساس له من الصحة، مؤكداً أن بن لادن تم إعدامه بإطلاق رصاصة في الرأس ولم يكن مسلحاً وقد وضعت جثته أو ما تبقى منها في كيس للجثث، وألقيت من مروحية فوق جبال هندوكوش.

لكن البيت الأبيض رد على مقالة هيرش وقال إنها عبارة عن مجموعة من الأكاذيب، وبأنها لا تستند إلى معلومات حقيقية، لكن ما يسمى بإعلام المقاومة بالغ بالاحتفاء بهذه المقالة كما يبالغ دائماً بالاحتفاء بمقالات وتحقيقات هيرش واعتبارها أدلة دامغة على كذب الإدارة الأميركية، وسياستها السيئة في العالم.

لكن لماذا يحارب سيمور هيرش فساد الإدارة الأميركية ويبادر إلى كشف جرائمها، بينما يقف موقف المؤيد لفساد واستبداد نظام بشار الأسد، ولماذا لم يسع لكشف واحدة من المجازر الكثيرة التي ارتكبها؟ ألا يعتبر ذلك صحافة استقصائية أيضاً؟

7