سيمون فتال سورية ذاهبة بالخرافة إلى وجعها العفوي

الأحد 2016/04/24
سيمون فتال تخترع زمنا لخرائط الفجيعة

لندن - كما الكتب فإن المدن تعلّم. المسافرة دائما سيمون فتال هي نموذج مثالي لتلك الحكمة. “هل تعرفها؟” سألت هيمت. فأجابني بسؤال “هل تود أن تراها؟”، مد يده إلى الهاتف قبل أن يسمع موافقتي. كنت أعرف أنه لن يجدها. فإنها إذا لم تكن مسافرة بين مكانين فإن سفرها بين الأزمنة لا ينقطع.

لم تردّ فترك لها رسالة على هاتفها، قد لا تسمعها إلا بعد أن أغادر باريس بزمن طويل. فالمرأة التي تتنقل بخفة بين أنواع إبداعية عديدة تملك من الانشغالات ما يحول بينها وبين النظر إلى شاشة هاتفها. هناك صوت ينبعث من داخلها يغطي بإيقاعه العذب على أصوات الواقع.

عالم يطلع من الخرافة ولا يفارقها

عام 1942 ولدت سيمون فتال في دمشق. درست الأدب والفلسفة في جامعة السوربون بباريس. في بادئ الأمر انصبّ اهتمامها على الأدب. “حين كنت صغيرة، كان الأدب أهم شيء في حياتي” تقول. لذلك تأخرت في اكتشاف الرسم الذي انغمست فيه بدءا من عام 1969، ومن خلاله تعرفت على عالم جمالي مختلف.

بعد خمس سنوات من اندلاع شرارة الحرب الأهلية في لبنان سافرت فتال إلى الولايات المتحدة وأسّست دار نشر “بوست أبولو بريس″ بعد أن كانت قد توقفت عن الرسم بسبب شعورها بالعجز أمام أهوال الحرب وما انطوت عليه من قبح. من خلال دار النشر اهتمت الفنانة بالأدب النسوي.

ترجمت عددا من الكتب العربية إلى الإنكليزية، كان بعضها ذا صلة بالتصوف. في تلك الفترة اكتشفت ملحمة “الأميرة ذات الهمة وابنها عبدالوهاب”، وهو العمل الأدبي الذي أعانها من خلال إلهامه السحري على العودة إلى الفن، حين تحولت مفرداته بين يديها إلى عناصر شكلية ذات طابع رمزي في تركيب بنية أعمالها.

لقد فتحت تلك الملحمة أمامها أبواب عالم فاتن تتقافز في فضاءاته الخيول والجن والمحاربون ذوو المصائر المتقاطعة. الشيء الذي تعلمته الفنانة من عالم الأسطورة سينعكس على طريقة معالجتها للمواد التي تستعملها وبالأخص الطين. تجريدا وتشخيصا كانت أشكالها تنهل من الخرافة، بل كأنها تسعى إلى اقامة عالم خرافي مواز لعالمنا.

فتال تستخرج من رحم الخرافة حقائق حياتها

وبسبب تشبّعها بإيحاءات عالم الخرافة صارت الفنانة تخلق أشكالا، هي أقرب إلى أن تكون متوهَمة، بحيث يشعر المرء كما لو أنها خلقت على عجل وهي في طريقها إلى الاختفاء، كما تفعل كائنات الحكايات الخرافية.

كما لو أن الموت يستغيث بغموضه

في أعمال فتال يقع الغموض تلقائيا كما لو أنه جزء منها. ينبعث من داخلها لا ليضفي عليها شيئا من مسحته، بل ليمهّد لها ويعرّف بها. بسبب تلك التلقائية فإن غموض تلك الأعمال لا يؤثر سلبا على تفاعل المتلقّي معها. شيء من الطلسمية البدائية يمكنه أن يحلّ محلّ المعنى الذي يبدو مستبعَدا، باستثناء ما يظهر في أعمال أنجزتها الفنانة متأثرة بقوة الفجيعة. تكتب الفنانة بخط عفوي أسماء عدد من الأماكن التي ارتبط ذكرها بالتعاسة التي خلفتها وحشية الإنسان وراءها.

ما لم تخترعه سيمون كان الشّعر قد وضعه بين يديها ليكون أداتها في الاتصال بروح الصلصال، كما اتّصلت من قبل بروح الحبر في “خمس حواس لموت واحد” كتاب اللبنانية إيتيل عدنان، الذي رسمته كما لو أنها تشهق وتزفر في اللحظة ذاتها. إنه الموت الذي يحمل معه المعنى الأخير. معنى أن نكون أحياء في لحظة يأس.

لا تنحت فتال لتجرد. في حقيقتها فإن الأشكال تحضر بطريقة عفوية وهي مجردة ولا تحتاج النحات إلا إلى تنظيفها مما علق بها بسبب انتظارها الطويل داخل الحكاية. ولكن ما معنى أن يقوم الفنان بتجريد أبطاله من قدرتهم على أن يكونوا مرئيين ويكتفي برمزيتهم؟ في أعمال سيمون فتال ما يجيب على ذلك السؤال.

يصف الشاعر التونسي خالد النجار كائناتها بأنها “مخلوقات بدائية تنهض من أعماق الماضي المظلمة لتقف بإصرار وتحدّ خارج الزمن” ويعتقد النجار بأن أعمالها “تحمل بصمة البدائي والطفل: قوة التلقائية والمباشرة”. وهو يرى أن “أعمالها لا تحيل إلى مرجع ولا تذكّرك بشيء، سبق أن رأيته لأنها قادمة من ليل الأعماق” لذلك فإن أيّ عمل من أعمالها التي تظل محتفظة بالكثير من غموضها لا يحتاج إلى تفسير لكي يفرض فتنته على الذائقة الجمالية.

الدرس الذي تعلمته سيمون من الأسطورة يتجاوز الشكل إلى قوة حضوره.

فتال هي الجمع الذي لا يقبل أن يُوزع بين مفرداته

العائدة إلى خرائط الفجيعة

ما الذي فعلته سيمون فتال لكي تكون رؤاها الأسطورية حاضرة بقوة في أعمالها الفنية؟ لم تترك مادة ولا تقنية إلا واستعملتها في كتابة سيرتها التي تتبع خطى الآخرين من أجل أن تنظم إيقاعها.

ربما يكون كولاج سوريا الممزقة منذ سايكس بيكو هو أكثر أعمالها ضغطا على الضمير. وكما يبدو فإن المأساة السورية جعلتها تتراجع قليلا عن نظريتها التي تنص على أن الشكل هو الذي يأسر المضمون لتخص المضمون بثناء خاص، هو نوع من التحيّة لبلدها في محنته.

بالنسبة إلى سيمون فتال فإن الخرائط التي وضعها سايكس وبيكو هي نوع من التصريف الواقعي للخرافة، حتى وإن اتخذ ذلك التصريف نوعا من الثبات على الارض باعتباره حقيقة سياسية.

في إمكان الفنانة أن تقنعنا بأن الجغرافيا والتاريخ يضحكان، فهي مسكونة بفكرة الزمن الواحد الممتد الذي تتكرر عبره الأشياء لنعيش القصة نفسها منذ بابل حتى اليوم، حسب تعبيرها.

“الماضي لا يتوقف”، فسوريا التي غادرتها منذ أكثر من أربعين سنة لا تزال تقتفي أثرها لكي تكون موجودة من خلالها. ليست العاطفة وحدها ما يقلب المعادلة رأسا على عقب، بل المنطق العقلي أيضا حين يعلن عن استسلامه لسعادة أن يكون المرء حرا وهو يستخرج من رحم الخرافة حقائق حياته.

وهو ما فعلته سيمون فتال وهي تنحت وترسم وتقص وتلصق وتركّب وتكتب وتعيش.

أعمال فتال قادمة من ليل الأعماق

مسافرة بين الفنون

في كل مرة تقدم فيها على إنتاج عمل فني تمتزج كائنات عديدة، بعضها بالبعض الآخر، لتتبادل خيارات الخيال في ما بينها، فيكون ذلك العمل بمثابة مرآة يلتقي فيها وجه بصورته في لحظة كمال نادرة. وهي لحظة أقرب إلى الشعر بهذيانه وإشراقه منه إلى النحت بمواده الصلبة التي لا تقبل السهو.

سيمون فتال في كل عمل من أعمالها تقترح طريقة في النظر إلى موضوعاتها، من غير أن تتخلى عن واحد من طرق التعبير عن حيويتها الخلاقة. فهي الجمع الذي لا يقبل أن يُوزع بين مفرداته.

هي دائما الكل في واحد من غير أن تكون الفرد الذي يكتفي بصوت لا يملك سواه.

هي كل ما تقوم به في وقت واحد. الرسامة والنحاتة والخزافة والفوتوغرافية. وقبل ذك هي الناشرة والمقيمة في غير مدينة باعتبارها مسافرة أبدية.

هناك شيء منها في بيروت وباريس وكاليفورنيا والجزر اليونانية. وهي الشيء الذي يحفظ بصمتها في ما تمرّ به أو تقيم فيه باعتبارها فنانة شاملة. وهو ما يؤكده معرضها الذي يقيمه حاليا متحف الشارقة والمخصص لنتاجها الفني ما بين سنتي 2006 و2013.

تكشف فتال عن روح الفنانة الشاملة تلك في كل قطعة فنية تنتجها. وهي لذلك تراقب يدها بعين الفنانة الأخرى التي تسكنها في الوقت نفسه. هي أخرى دائما في كل ما تقوم به.

10