سيناء أخرى على الحدود الليبية: منطقة تتوفر فيها كل مسببات الإرهاب

تأخذ الحرب التي تخوضها مصر ضد الإرهاب منحنيات جديدة على إثر لجوء العناصر الإرهابية إلى البحث عن منافذ جديدة للانطلاق لتكون بديلة عن شبه جزيرة سيناء التي أضحت محاصرة من جهات مختلفة، بعد تحسن العلاقات بين القاهرة وحركة حماس الفلسطينية وسد غالبية الأنفاق وملاحقة التنظيمات الإرهابية.
السبت 2017/11/11
جبهة حرب جديدة أشد خطورة

القاهرة – تعرف سيناء، وشمالها بالتحديد، منذ سنوات بأنها نقطة تواجد رئيسية للإرهابيين ومركز للتدريب والحصول على السلاح. واتسعت رقعة التهديد الإرهابي فيها في السنوات التي أعقبت سقوط نظام حسني مبارك في 2011، لكن في الفترة الأخيرة ظهرت منطقة جديدة جلبت الاهتمام وخطفت الأضواء من سيناء، وهي منطقة الواحات القريبة من الحدود الليبية.

للإرهاب في سيناء جذور تاريخية وأسباب تتجاوز المشهد الإقليمي والدولي الراهن، إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة وخصوصيتها الجغرافية والسكانية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، بالإضافة إلى علاقة أهالي المنطقة بالحكومة، وهي علاقة يغلب عليها التوتر والغضب من سياسة التهميش والإهمال.

في المقابل، يرتبط الإرهاب في الواحات البحرية أساسا بما يجري في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي. وأصبحت هذه المنطقة مركزا لعمليات إرهابية جديدة تساعدها في ذلك جملة من التطورات، في مقدمتها استمرار غياب السيطرة على الأراضي الليبية وزيادة نشاط الميليشيات والجماعات الإرهابية وتحسن العلاقات بين القاهرة وحركة حماس الفلسطينية، وسد غالبية الأنفاق.

وفيما لم تعرف هذه المنطقة كثيرا بالنشاط الإرهابي، إلا أنها، وكما سيناء، تعرف بأنها معبر رئيسي لتجار المخدرات والأسلحة، ويلجأ إليها الكثير من الأشخاص الهاربين. وتكمن الصعوبة، التي تواجهها القوات المصرية، في المساحة الشاسعة لخط الحدود الغربية، وعدم وجود قوات ليبية تقوم بمهام تأمين الحدود في الجانب الآخر. وكشفت عملية عن حجم ونوعية العمليات، وسط قراءات عن استنساخ سيناء أخرى، لكن بصورة أخطر حيث المساحة الصحراوية شاسعة ومفتوحة.

وكشف اللواء محمد الشهاوي، مستشار كلية القادة والأركان التابعة للجيش المصري، عن العديد من العناصر التي تم استهدافها مؤخرا عقب حادث الواحات، ينتمي أغلبها إلى جنسيات أجنبية مختلفة، ما يعزز فرضية تسلل تلك العناصر من أماكن الصراعات الجارية في سوريا والعراق وليبيا.

اللواء محمد الشهاوي: غياب حكومة قوية في ليبيا يسهل للإرهابيين خلق ممرات قرب واحة سيوة لنقل خطوط إمدادات داخل مصر

وقال الشهاوي لـ”العرب”، “إن استجواب العناصر المصابة التي تم ضبطها كشف عن خيوط أفادت بتبعية تلك العناصر لأطراف خارجية”. وأضاف أن مصر ليست الدولة الوحيدة المتضررة من انحصار الصراع في سوريا والعراق، لأن أجهزة الاستخبارات الدولية رصدت تحركات لهذه العناصر باتجاه الفلبين وإندونيسيا، وكذلك ليبيا ودول في غرب أفريقيا.

تغير في استراتيجية المواجهة

أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خطورة تأثير خسائر التنظيم على ليبيا ومن بعدها مصر بسبب هجرة الإرهابيين إلى ليبيا بحثا عن موطن جديد، قائلا “الخسائر في سوريا والعراق سيترتب عليها انتقال بعض العناصر منهما في اتجاه ليبيا ومصر وسيناء وكذلك غرب أفريقيا. ولا بد أن نتكاتف جميعا ونمنع وصول هؤلاء المقاتلين أو الأسلحة أو التمويل إليهم”.

وفسّر خبراء تصريحات الرئيس المصري بأنها تفتح الباب أمام تغير كامل في استراتيجية الأمن في المواجهة وتدعو إلى المشاركة في خطط جديدة لدحر الإرهاب مبكرا.

وأوضح الشهاوي أن تعامل الأجهزة الأمنية المصرية مع هذه التغيرات يتم من خلال استحداث خرائط للأوكار الإرهابية للتعرف على التمركزات الجديدة لتلك العناصر والخلفية التنظيمية التي تنتمي لها، والجهات الدولية التي تدعمها وتمولها ماديا ومعلوماتيا، واستبق الجيش المصري تلك التطورات من خلال توسيع القاعدة العسكرية في سيدي براني قرب الحدود مع ليبيا، وتدشين أخرى جديدة تحمل اسم الرئيس المصري الراحل محمد نجيب وافتتحت في يوليو الماضي.

وذكر الشهاوي أن من بين الإجراءات الأخرى لمواجهة الإرهاب الصاعد على الحدود الليبية المصرية استحداث أساليب تكنولوجية متطورة لمراقبة الحدود المترامية مع ليبيا والتي يبلغ طولها 1150 كيلو مترا، من خلال الاستعانة بالتجارب الدولية في مكافحة الإرهاب عن طريق الأقمار الصناعية، واستخدام تقنية البصمة الحرارية والتي ترصد تحركات الأشخاص الذين يتم تحديد أماكن تواجدهم، إلى جانب الاعتماد على تقنيات البصمة الصوتية لتسجيل اتصالات العناصر الإرهابية ببعضها البعض.

تعاون دولي

ذهب الخبير العسكري، الذي شغل منصب مدير معهد الحرب الكيميائية بالجيش المصري، إلى التأكيد أن استخدام التكنولوجيا يتم بالتوازي معه استحداث مماثل للقوات الجوية المصرية، من خلال التعاقد على شراء الطائرات دون طيار، التي تقوم حاليا بعمليات مسح شامل على طول الحدود مع ليبيا، واستخدام طائرات الأباتشي في ملاحقة العناصر المرصودة.

ورغم أن هناك تكثيفا عسكريا لسد الثغرة الغربية، فإن الشهاوي، يرى أن عدم وجود حكومة قوية في ليبيا يعد خطرا على الأمن القومي المصري، ويسهل للإرهابيين خلق ممرات قرب واحة سيوة لنقل خطوط إمداد جديدة للعناصر الإرهابية.

وما يجعل الأمور أكثر تعقيدا أن العناصر الإرهابية تستغل منطقة المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، للتحرك عبر نقاط جبلية في منطقة العوينات (جنوب غرب مصر)، وهي منطقة وعرة قد تتسلل منها تلك العناصر لتدخل منها إلى ليبيا ثم تعود مرة أخرى إلى مصر لتنفيذ عمليات إرهابية.

وطالب الشهاوي بضرورة وجود تنسيق استخباراتي أكبر مع البلدان الغربية المتداخلة مع أزمات المنطقة، لافتا إلى أن هذا ما حدث من خلال تصفية قوات الأمن المصري لعناصر إرهابية تورطت في حادث الواحات، عبر تبادل المعلومات مع بلدان غربية رصدتها عبر أجهزة الأقمار الصناعية.

خبراء يشددون على وجود استراتيجية لمواجهة الإرهاب تعتمد على تدمير البؤر التي تظهر أو توجد بها تلك العناصر، ثم القيام بضربات استباقية لإحباط مخططاتها

ونفذ الجيش المصري تدريبات مشتركة على مدار العام الجاري، مع كل من الولايات المتحدة وروسيا استهدفت الاستفادة من التقنيات التكنولوجية الحديثة في مواجهة الإرهاب، إلى جانب أن هناك تعاونا معلوماتيا بالفعل مع دول مثل روسيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة والسعودية والإمارات.

وكشف مدير جهاز الأمن الروسي ألكسندر بورتنيكوف عن إحباط مجموعة من العمليات الإرهابية داخل روسيا بمساعدة مصر، مؤكدا وجود تعاون استخباراتي بين بلاده والمخابرات المصرية.

وعن إمكانية تكرار وجود قيادة موحدة لمواجهة الإرهاب بالصحراء الغربية، قال الشهاوي إن العناصر الإرهابية لم تستطع بعد وضع نقاط ارتكاز ثابتة لها في المنطقة، والتعامل معها يكون من خلال عمليات الرصد الدقيق لتحركات عربات الدفع الرباعي باعتبارها الوحيدة القادرة على السير في صحراء تلك المنطقة، من خلال عناصر حرس الحدود البشرية والأساليب التكنولوجية الحديثة.

وأضاف أن التعامل المصري مع الإرهاب القادم من ليبيا أخذ أبعادا عسكرية أخرى خارج الحدود، من خلال توجيه ضربات جوية لعدد من معاقل التنظيمات الإرهابية هناك.

وأوضح أن شراء حاملة الطائرات ميسترال يرمي إلى تضييق الخناق على العناصر الإرهابية المتسللة إلى ليبيا عبر البحر المتوسط عن طريق مدينة سرت، وهو ما تطلب أيضا التعاقد مع عدد من الغواصات البحرية الهجومية.

وشدد الخبير المصري على وجود استراتيجية لمواجهة الإرهاب تعتمد على تدمير البؤر التي تظهر أو توجد بها تلك العناصر، ثم القيام بضربات استباقية لإحباط مخططاتها والاعتماد على كفاءة الجندي المدرب، واستخدام أسلحة ذات كثافة نيران عالية، على أن يسبق ذلك وجود تعاون معلوماتي بين جهاز المخابرات الحربية والمواطنين، وبين الأجهزة المعلوماتية في الجهات الأمنية المختلفة.

6